ويأتي هذا الانخفاض في ظل ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وتزايد الأعباء المعيشية اليومية، ما ينعكس بشكل مباشر على أسعار السلع الأساسية والخدمات، وإعلان المصرف المركزي فرض ضرائب على بعض المواد الغذائية والمواد الأخرى.
وكان قد صدر بيان عن مجلس النواب، بتوقيع أكثر من 120 نائبا، أكدوا فيه عزمهم عقد جلسة رسمية لمناقشة تدهور الأوضاع المعيشية في البلاد، والوقوف على انعكاسات السياسات المالية والنقدية على المواطنين، في ظل ما يشهده الاقتصاد من تحديات متفاقمة.
وجاء في البيان تأكيد النواب بطلان أي قانون أو قرار صدر خارج الأطر الدستورية والتشريعية الصحيحة، لا سيما ما يتعلق بفرض ضرائب أو رسوم على السلع والخدمات أو أي إجراءات تمس جانب المبيعات، ما لم يكن صادرا عن مجلس النواب وفقا للطرق القانونية المعتمدة والإجراءات التشريعية المنظمة لذلك.
وشدد البيان على ضرورة الالتزام بمبدأ المشروعية واحترام الاختصاصات الدستورية، بما يضمن حماية المواطنين من أي أعباء مالية تُفرض خارج الإطار القانوني السليم
تصريح برلماني
من جانبه، قال عضو مجلس النواب الليبي علي التكبالي، إن الضريبة التي تم إقرارها جرى اعتمادها دون علم مجلس النواب ودون الرجوع إلى اللجنة الاقتصادية، مشيرا إلى أنها حظيت فقط بموافقة رئيس اللجنة.
وأضاف التكبالي في تصريح خاص لـ"سبوتنيك"، أن إلغاء هذه الضريبة أمر يسير، وذلك من خلال إعلان رسمي يصدر عن مجلس النواب يقضي بإلغائها، مؤكدًا أن مصرف ليبيا المركزي قد تجاوز صلاحياته في هذا الإجراء، ولا يتطلب الأمر أي إجراءات أخرى إضافية.
إجراءات أحادية
فيما قال الأكاديمي والخبير الاقتصادي محمد درميش، إن العوامل التي تقف وراء الانخفاض الحاد في قيمة الدينار الليبي تعود إلى تخفيض قيمته أكثر من مرة خلال هذا العام، كإجراء أُحادي الجانب، دون تنسيق فعلي مع أدوات السياسة الاقتصادية المالية والتجارية.
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك" أن مصرف ليبيا المركزي قام، بالتنسيق مع مجلس النواب، بفرض ضريبة على شراء العملة الأجنبية عندما كان سعر الصرف الرسمي 4.70 دينار للدولار الواحد. وبعد أشهر، أقدم المصرف على تخفيض قيمة الدينار ليصبح السعر الرسمي 5.56 دينار للدولار، وبإضافة الضريبة بلغ السعر 6.25 دينار. ومؤخرا، جرى تخفيض جديد لقيمة الدينار ليصبح السعر الرسمي 6.30 دينار للدولار، ومع إضافة الضريبة ارتفع إلى 7.75 دينار.
وأشار درميش إلى أن هذه الإجراءات ساهمت بشكل كبير في ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية، موضحا أن سعر الصرف يُعد بمثابة "النخاع الشوكي" في جسم الاقتصاد، فأي تحرك فيه ينعكس على بقية مفاصل الاقتصاد.
واعتبر أن غياب خطة استراتيجية واضحة لمتابعة التطورات وإدارة الأزمة ضمن سياسة اقتصادية موحدة، إلى جانب تكرار القرارات العشوائية وغير المدروسة المتعلقة بتخفيض قيمة الدينار وفرض الرسوم والضرائب، كلها عوامل عمّقت من حدة الأزمة.
وبيّن أن التغير في سعر الصرف الرسمي له تداعيات خطيرة على عدة مستويات، من بينها، ارتفاع المستوى العام للأسعار، وتضخم أرقام الميزانية العامة، وتضخم أعداد العاملين في القطاع العام، بالاضافة الى تكبّد المصارف خسائر في معدلات العائد على الاستثمار، وتسجيل خسائر كبيرة في أصول الدولة المقومة بالدينار، واستنزاف مدخرات المواطنين، وانخفاض القوة الشرائية وزيادة معدلات الفقر والحرمان، وعجز المواطنين عن توفير احتياجاتهم الأساسية من الغذاء والدواء وسائر المتطلبات المعيشية.
وأعرب درميش عن أسفه لغياب التنسيق بين السياستين النقدية والمالية ضمن إطار سياسة اقتصادية متكاملة، منتقدًا انفراد المصرف المركزي باتخاذ قرارات أُحادية دون القيام بدوره الحقيقي كأداة للسياسة النقدية، ودون التنسيق الكافي مع أدوات السياسة الاقتصادية التجارية والمالية عند التعامل مع المتغيرات الطارئة.
وأشار إلى أن السيناريوهات المحتملة لمستقبل الدينار هو تكرار لنفس الإجراءات السابقة، المتمثلة في تخفيض قيمة الدينار وفرض ضرائب ورسوم بإجراءات أُحادية الجانب، سواء من قبل المصرف المركزي أو بالتنسيق مع جهات لا تراعي أصول الإدارة الرشيدة في اتخاذ القرارات لمعالجة الأزمات.
وشدد درميش على أن اتخاذ قرارات اقتصادية فاعلة وهادفة يتطلب من المصرف المركزي القيام بدوره وفقًا لأحكام القانون رقم (1) لسنة 2005 وتعديلاته، مع ضرورة التنسيق مع أدوات السياسة الاقتصادية التجارية والمالية في إطار سياسة موحدة لإدارة الأزمات. وأكد أنه من خلال هذا النهج فقط يمكن وضع حد مناسب لسعر الصرف يتماشى مع إمكانيات الدولة الليبية، ومعالجة مشكلات الاحتكار واضطراب سوق الصرف.