ومع امتداد المواجهة المفتوحة بين واشنطن وطهران وتداعيات ذلك على الخليج والشرق الأوسط، تبرز تساؤلات حول تأثير هذه الحروب على الأمن في دول الساحل، خاصة فيما يتعلق بدور الولايات المتحدة الأمريكية وإمكانية استمرار حضورها العسكري أو انسحابها من المنطقة.
تعد منطقة الساحل، التي تضم دولا مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد، منطقة استراتيجية نظرا لموقعها الجغرافي، إضافة إلى ما تحتويه من موارد طبيعية مهمة، لذلك أصبحت هذه المنطقة محل اهتمام قوى دولية عدة، من بينها الولايات المتحدة التي تنشط فيها ضمن إطار مكافحة الإرهاب ودعم الجيوش المحلية.
غير أن بعض التحليلات السياسية ترى أن السياسات الأمريكية في المنطقة لم تخل من الجدل، حيث تتهم بدعم أطراف محلية أو جماعات مسلحة بشكل غير مباشر ضمن سياق الصراعات المعقدة، وهو ما ترفضه الجزائر التي تؤكد دائما على ضرورة احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، كما تدعو البلاد إلى معالجة جذور الأزمات في الساحل من خلال التنمية وتعزيز قدرات الدول بدل الاعتماد على الحلول العسكرية الخارجية.
وفي ظل الحروب والأزمات الدولية الكبرى قد تتجه الولايات المتحدة إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية الأمنية والاستخباراتية والعسكرية، فهناك احتمال أن تقوم بتقليص وجودها العسكري في بعض مناطق الساحل إذا رأت أن مصالحها تتطلب التركيز على مناطق أخرى أكثر أهمية في الصراع الدولي.
في المقابل يرى محللون آخرون أن الولايات المتحدة قد تتجه إلى تعزيز حضورها في المنطقة بدلا من الانسحاب منها، وذلك تحسبا لأي فراغ أمني قد تستغله جماعات متطرفة أو قوى دولية منافسة، فالساحل أصبح مسرحا لتنافس جيوسياسي متزايد، حيث تسعى عدة قوى إلى توسيع نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي.
الحرب الراهنة لن تبعد مصالح أمريكا عن منطقة الساحل
قال الخبير العسكري، أحمد ميزاب، إنه حينما نتحدث عن الحرب بين واشنطن وطهران لا يمكن أن نحصر هذه المواجهة العسكرية في إطار جغرافي معين، بقدر ما نقول إن هذه الحرب تندرج ضمن متغيرات عميقة في سياقها الدولي الواسع.
وأضاف ميزاب، في حديثه لـ "سبوتنيك"، أن العالم اليوم ينتقل من نظام دولي قائم على الأحادية إلى حالة من الفوضى في البيئة الدولية، لذا هناك ارتدادات كبيرة قد تشمل مناطق هشة وبيئات غير مستقرة تعيش أزمات راهنة، باعتبار أننا نتحدث عن حلقات متكاملة من الأزمات تستدعي التركيز على متغيرات أساسية.
وانطلاقا من استراتيجية الأمن القومي التي أطلقتها الولايات المتحدة بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض، بالإضافة إلى التحرك في إطار محاولة السيطرة على الممرات البحرية الحيوية التي تتحكم في شريان الاقتصاد العالمي، ومحاولة التحكم في موارد الطاقة والثروات الثمينة، يمكن القول إن منطقة الساحل ليست بمنأى عن هذه التجاذبات والمتغيرات ولا خارج إطار قواعد اللعبة الحاصلة.
وأضاف المتحدث أن منطقة الساحل معنية بطريقة مباشرة بارتدادات هذه الحرب الأمريكية الإيرانية على المستوى المتوسط والبعيد، باعتبار أننا نتحدث عن أزمات عالمية، ولذا فإن التنافس الدولي اليوم على أشده على مناطق النفوذ والطاقة، فمنطقة الساحل هي منطقة تنافس وتوظيف لمنطق الحرب فيها.
وأردف ميزاب أن منطق التدخلات الخارجية يبقى واردا في ظل هذا التوتر، فقد شهدت مختلف المحطات أن منطقة الساحل لطالما تعرضت للتدخل الخارجي تحت حجج مختلفة، سواء في إطار مرافقة الدول في المسار السياسي أو معالجة أزماتها أو محاربة الإرهاب.
وتسعى القوى الدولية لإيجاد مبرر للتدخل الخارجي، وهو ما ترفضه الجزائر، لأن صناعة الاستقرار لا تكون في إطار تغذية الأزمات، ومن الضروري العمل على صناعته من خلال تبني مسار سياسي وحوار جاد ودعم الدول في بلورة مقاربات حلول أمنية سلمية.
وأكد ميزاب أن حرب اليوم ليست تلك الحرب التي ستبعد مصالح أمريكا عن منطقة الساحل، لأن أمريكا تسير وفق مخطط الأمن القومي الذي تحدث عنه ترامب فور اعتلائه سدة الحكم، مركزا على تحول في مقاربة الولايات المتحدة للأمن القومي، بدليل تحركها في فنزويلا وغرينلاند ومضيق باب المندب وهرمز، وبالتالي فإن الولايات المتحدة تتحرك ضمن إطار يجعل منطقة الساحل داخل حسابات من يسعى للتحكم في مناطق الثروة.
لذلك، يضيف المتحدث، فإن من يمتلك المفاتيح انطلاقا من هذه المناطق يسعى إلى التحكم في صناعة النظام الدولي الجديد.
الدبلوماسية والأمن بمنطقة الساحل
قال الباحث في الدراسات الاستراتيجية والأمنية سليم حمادي إن تداعيات المواجهة بين واشنطن وطهران اليوم لن تبقى محصورة في الشرق الأوسط، بل ستنتقل إلى مناطق تعاني واقعا أمنيا هشا، وسيتصاعد التنافس الدولي، ومن بين هذه المناطق التي سيطالها هذا النزاع وتداعياته منطقة الساحل الأفريقي.
وأضاف لـ "سبوتنيك" المتحدث أن المنطقة تتربع على ثروة كبيرة وأصبحت ساحة تتداخل فيها تهديدات الإرهاب بتشكيلاته وانتماءاته، والتجارة غير المشروعة بالمخدرات والبشر، كما أصبحت ساحة للتجاذبات الدولية، ما يجعلها شديدة الحساسية.
وقال حمادي: "واشنطن ستعيد حساباتها بشأن وجودها في دول الساحل في ظل حربها مع طهران".
وتابع: "إذا تحولت هذه الحرب إلى حرب استنزاف طويلة، فإنها ستضع المؤسسة العسكرية والأمنية الأمريكية أمام تحد لإعادة توزيع الموارد والقدرات العسكرية عالميا، لأنها ستدفع الولايات المتحدة إلى التفكير في إعادة ترتيب الأولويات الاستخباراتية والأمنية والعسكرية وتحويل جزء منها إلى الشرق الأوسط وتقليص حضورها في الساحل الأفريقي، ما سيقلل من الانخراط المباشر في ملفات مكافحة الإرهاب في المنطقة".
وشدد المتحدث على أن منطقة الساحل لا تزال في نظر الولايات المتحدة نقطة ارتكاز في ملفات أمنية كبيرة، لكن في ظل كل ما سبق فإن المؤكد أن واشنطن، إذا دخلت حرب استنزاف كبيرة، ستجد المؤسسة العسكرية الأمريكية نفسها أمام معادلة توزيع الجبهات، ما قد يخلق فراغات أمنية في المناطق التي تشهد هشاشة أمنية مثل منطقة الساحل.
ولفت إلى أن استغلال القوى المنافسة لهذا الانشغال قد يحول الساحل إلى ساحة تنافس مفتوحة، كما أن انشغال الولايات المتحدة بالحرب قد يدفع قوى أخرى إلى توسيع حضورها في الساحل.
وأردف المتحدث قائلا إنه "بالرغم من البعد الجغرافي بين إيران ومنطقة الساحل، فإن طهران لطالما سعت إلى بناء شبكة نفوذ في أفريقيا، معتمدة في ذلك على أدوات القوة الناعمة من خلال النشاط الثقافي والديني والعلاقات مع فاعلين غير حكوميين، لكن قيام إيران اليوم بتحالفات أمنية مباشرة مع دول الساحل يبقى أمرا معقدا، غير أنها قد تحاول استغلال الصراع مع واشنطن عبر خلق مناطق ضغط غير تقليدية في مناطق مختلفة من العالم، بما في ذلك الساحل الأفريقي، وهي نقطة يمكن النظر إليها كأحد الأدوات في هذا الصراع".
وأضاف أنه "في حال تراجع مستوى الانخراط الدولي نتيجة انشغال القوى الدولية في هذه الحرب المفتوحة، التي وضعت هذه القوى في حالة استنفار وتشتيت، فقد تجد منطقة الساحل نفسها أمام سيناريوهات أكثر خطورة وحساسية، أبرزها عودة الجماعات الإرهابية التي تنشط عادة في بيئات الفوضى، وقد تتوسع وتصبح أكثر نشاطا مستفيدة من الفراغ الأمني، وهو ما قد يعزز تصاعد التنافس الدولي داخل المنطقة ويدفع إلى إعادة التمركز والصدامات وتنامي شبكات الإرهاب العابر للحدود والصراع المسلح، ما سيزيد من تعقيد المشهد الأمني".
وقال سليم حمادي إن الجزائر فاعل أساسي في الاستقرار الإقليمي في منطقة الساحل، ونظرا لموقعها واستقرارها الداخلي يمكنها أن تكون عنصرا مهما في تقليل هذه التحولات عبر تعزيز الدبلوماسية الوقائية لخفض التوترات، وتكثيف التنسيق الأمني مع دول الساحل، ومراقبة الحدود الجنوبية لمنع تسلل الجماعات المسلحة، إضافة إلى دعم مقاربة الحوار السياسي الجاد ورفض التدخل الأجنبي.