وبعد مرور خمسة عشر عاما، لا تزال تداعيات ذلك التدخل حاضرة في المشهد الليبي سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، ما يدفع إلى إعادة تقييم واقع البلاد قبل سقوط ال، وفهم العوامل الداخلية والخارجية التي قادت إلى تلك اللحظة المفصلية.
قبل عام 2011، لم تكن الجماهيرية الليبية مجرد دولة ذات سيادة، بل طُرحت كنموذج تنموي لافت داخل القارة الأفريقية، في تناقض واضح مع الصورة التي روّجت لها بعض الروايات الغربية عن كونها دولة معزولة أو غارقة في الاستبداد.
فعلى مستوى المعيشة، سجّلت ليبيا آنذاك المرتبة 53 عالميًا في مؤشر التنمية البشرية لعام 2010، لتتصدر الدول الأفريقية. كما شهد قطاعا التعليم والصحة توسعًا كبيرًا، مع مجانية شبه كاملة وخطط لمحو الأمية وبرامج ابتعاث للخارج. وفي الجانب الاجتماعي، وفّرت الدولة منظومة دعم واسعة شملت الكهرباء، والقروض بدون فوائد، ودعم السكن والسيارات، إلى جانب أسعار وقود منخفضة بشكل لافت.
أما على صعيد البنية التحتية، فقد شكّل مشروع “النهر الصناعي العظيم” أحد أبرز المشاريع المائية في العالم، إذ أسهم في نقل المياه وتحويل مساحات واسعة من الصحراء إلى أراضٍ قابلة للزراعة، قبل أن تطاله تداعيات الصراع خلال تدخل حلف الناتو.
وفي تصريح خاص لـ "سبوتنيك"، قال المحلل السياسي الليبي إبراهيم بالقاسم، إن ليبيا قبل عام 2011 حققت مؤشرات جيدة نسبياً في مجال التنمية البشرية مقارنة بعدد من الدول العربية والأفريقية، حيث كان تصنيفها متقدما، خاصة مع انخفاض معدلات الأمية بشكل كبير.
وأوضح أن قطاعي الصحة والتعليم كانا مدعومين من الدولة، فيما كان مستوى الدخل جيداً في ظل منظومة الدعم، مع ارتفاع الإيرادات النفطية وقلة عدد السكان، وهو ما انعكس في توفير الخدمات الأساسية وشعور المواطن بالحصول على حقوقه.
وأضاف أن توزيع الثروة كان إلى حد ما مقبولاً بالنسبة للمواطنين، حيث تمتع المواطن بحقوق خدمية واجتماعية ورفاهية لم تكن موجودة في كثير من البلاد العربية والأفريقية.
وأشار إلى أن التوظيف الحكومي كان مرتفعًا، حيث بلغ عدد الموظفين قبل 2011 نحو مليون موظف، واصفا الوضع آنذاك بوجود "راحة اجتماعية نسبية".
وأوضح أن سياسات الدعم الاجتماعي، مثل التعليم والرعاية الصحية المجانية، إضافة إلى القروض بدون فوائد، أسهمت في خلق نوع من الاستقرار الاجتماعي وتحسين مستوى المعيشة، إلى جانب جهود للحد من الفقر. لكنه أكد أن الاقتصاد الليبي ظل معتمدًا بشكل شبه كامل على النفط، ما جعله عرضة للأزمات مع تقلب الأسعار، في ظل غياب تنويع اقتصادي حقيقي أو دعم للقطاع الخاص والإنتاجية.
وتطرق بالقاسم إلى مشروع النهر الصناعي العظيم، واصفًا إياه بأنه من أكبر المشاريع الاستراتيجية في ليبيا، حيث أسهم في نقل المياه من الجنوب إلى الشمال، وحقق نوعاً من الأمن المائي والغذائي، رغم كونه مشروعاً ذا عمر زمني محدد ولم يشهد تطويراً كافياً لاحقاً. وأضاف أن المشروع تعرض لأضرار خلال الحرب.
وفيما يتعلق بمشروع "الدينار الذهبي"، اعتبره فكرة طموحة لتوحيد العملة الأفريقية بدعم من الذهب، لكنه لم يتجاوز الطرح النظري، بسبب تعقيدات سياسية ونفوذ غربي وصراعات داخل القارة الأفريقية حالت دون تنفيذه.
وأكد أن الصراع مع الشركات النفطية العالمية كان أحد عوامل التوتر، مشيراً إلى أن ليبيا دخلت في نزاعات منذ سبعينيات القرن الماضي مع شركات كبرى مثل بريتش بتروليوم وتوتال، في إطار سعيها لحماية مصالحها الوطنية وإعادة التفاوض على العقود، وهو ما خلق توترات مع الدول الداعمة لهذه الشركات.
وأشار إلى أن الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي لعب دوراً رئيسياً في قيادة التدخل العسكري، مدفوعاً بجملة من العوامل، من بينها اعتبارات سياسية داخلية، ورغبة في تعزيز النفوذ الفرنسي في أفريقيا.
وأضاف أن التدخل رُوّج له تحت أهداف إنسانية تتعلق بحماية المدنيين، لكنه اعتبر أن هذه الشعارات قد تكون غطاءً لأهداف أخرى مرتبطة بالطاقة والنفوذ الجيوسياسي.
وأكد أن ما حدث في ليبيا هو "مؤامرة" وذريعة لتدخل خارجي للسيطرة على البلاد واستغلال مواردها وتعزيز النفوذ الغربي في القارة.
وأوضح أن بعض الدول التي أسهمت في هذه المؤامرة لم تكن تمتلك رؤية واضحة لمرحلة ما بعد القذافي، ما أدى إلى دخول البلاد في حالة من الفوضى والانقسام، دون تقديم نموذج بديل لإدارة الدولة.
وأكد بالقاسم بالقول إن التدخل الخارجي تم بشكل عنيف ومفاجئ، ما أدى إلى انهيار مؤسسات الدولة، وأن التحدي الرئيسي في ليبيا اليوم يتمثل في إعادة بناء هذه المؤسسات واستعادة الاستقرار، في ظل غياب دعم دولي حقيقي يعالج تداعيات تلك المرحلة.