وأكد نتنياهو، في مناسبات عدة، أن إسرائيل "لن تكتفي بالعمليات العسكرية العابرة، بل تسعى لفرض واقع جديد في جنوب لبنان، يشمل السيطرة الأمنية على منطقة جنوب نهر الليطاني"، بذريعة "إقامة منطقة عازلة تضمن عودة سكان المستوطنات الشمالية وإنهاء أي تهديد عسكري مباشر من الأراضي اللبنانية".
ولم تقتصر هذه التحركات على الجبهة اللبنانية، بل امتدت لتشمل الضفة الغربية، التي يراها نتنياهو وحكومته اليمينية "جزءا لا يتجزأ من العمق الإستراتيجي والأمني لإسرائيل"، وقد صرح نتنياهو بأن "الوقت قد حان لفرض السيادة الإسرائيلية على مناطق واسعة في الضفة الغربية"، معتبرًا أن "التغيرات الإقليمية الراهنة توفر فرصة تاريخية لتثبيت الوجود الاستيطاني وضم الكتل الكبرى، ما ينهي عمليًا أي آفاق لإقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا ويحوّل الضفة إلى مربعات أمنية معزولة تحت السيطرة المباشرة".
وتأتي هذه التصريحات مدفوعة بدعم سياسي كبير من تيار اليمين القومي المتطرف داخل الحكومة الإسرائيلية، الذي يضغط باتجاه استغلال الانشغال الدولي بالصراعات الإقليمية لفرض سياسة الأمر الواقع، إذ لم تعد العقيدة الأمنية الجديدة للجيش الإسرائيلي تعتمد على الدفاع من خلف الحدود، بل على التوسع والسيطرة الميدانية داخل أراضي الدول المجاورة.
ويقول عدد من الخبراء إن هذه التوجهات تعكس تحوّلًا خطيرًا نحو إستراتيجية "الضم الفعلي" وتوسيع الحدود الإسرائيلية، بقوة السلاح، محذرين من أن محاولة احتلال منطقة جنوب الليطاني وشرعنة ضم أجزاء من الضفة الغربية ستؤدي إلى "تفجير صراع إقليمي طويل الأمد"، كما يرى المحللون أن هذه السياسة تهدف إلى "إفراغ المناطق الحدودية من سكانها الأصليين وتحويلها إلى أراض غير قابلة للحياة".
قال المحلل السياسي اللبناني أسامة وهبي، إن "الأطماع الإسرائيلية في ضم المزيد من الأراضي العربية ليست بجديدة، إلا أنها زادت شراسة بعد عملية "طوفان الأقصى"، نتيجة الشعور بالتهديد الوجودي الذي شعرت به إسرائيل".
وبحسب حديثه لـ"سبوتنيك"، فإن "هناك محاولة واضحة لإقامة مناطق عازلة على كافة الحدود مع الدول العربية المحيطة بفلسطين المحتلة، وذلك من خلال سياسة التدمير الممنهج لجعل تلك المناطق غير قابلة للحياة، كما جرى في قطاع غزة ويجري حاليًا في الضفة الغربية، وسط دعوات وعمل دؤوب لتهويدها".
وأكد المحلل السياسي اللبناني أن "إسرائيل لا تنتظر انشغالًا دوليًا لتنفيذ مخططاتها، فقد افتعلت حرب إبادة في غزة والضفة، وتشن اليوم حربًا شرسة ضد لبنان، أمام أنظار العالم بدعم وتفاهم واضح من الإدارة الأمريكية والقوى الغربية".
ويرى وهبي أن "المنطقة أمام خطر حقيقي لخسارة المزيد من الأراضي العربية، إذ يختلف الاحتلال القادم عن تجارب عامي 78 و82، كونه يسعى هذه المرة لاحتلال مناطق مفرغة من الحياة، وممنوعة من الإعمار لفرض واقع جغرافي وديموغرافي جديد".
من جانبه، قال الخبير السياسي الفلسطيني حسين الديك، إن "المساعي الإسرائيلية للتوسع وضم أراضي جديدة من الضفة الغربية ولبنان، ليست بالأمر الجديد"، موضحًا أن "تصريحات الرئيس الأمريكي حول صغر مساحة إسرائيل، وضرورة توسعها مثلت ترخيصًا وضوءًا أخضر من الإدارة الأمريكية للاعتداء على الأراضي العربية والفلسطينية واللبنانية".
وبحسب حديثه لـ"سبوتنيك": "تترجم هذه الرؤية اليوم من خلال محاولات إقامة مناطق عازلة تلتهم نحو 60% من مساحة قطاع غزة، ومساحات شاسعة من جنوب لبنان وصولًا إلى نهر الليطاني".
وأضاف الخبير السياسي أن "هذا النهج التوسعي يمتد ليشمل الجنوب السوري أيضًا، إذ لا تزال القوات الإسرائيلية تتواجد في مناطق سيطرت عليها مؤخرًا مدفوعة باعتبارات أمنية وإستراتيجية تخدم العقيدة العسكرية الجديدة".
ويرى الديك أن "هذه التحركات قد تخفي وراءها أهدافًا استيطانية مستقبلية، لتلبية مطالب اليمين القومي الإسرائيلي، الذي يمثل الشريك الأساسي في الحكومة الحالية الأكثر يمينية وفاشية في تاريخ دولة الاحتلال".
وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، أمس الثلاثاء، أن قواته ستسيطر على "منطقة أمنية" في جنوب لبنان تمتد حتى
نهر الليطاني، على حد قوله.
وبدأ "حزب الله" اللبناني، منذ 1 مارس/ آذار الجاري، وبعد نحو 15 شهرا على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة وعدم التزام تل أبيب باتفاق وقف إطلاق النار، هجوما بالصواريخ والطائرات المسيرة على إسرائيل، الذي تزامن مع اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، إثر ضربات أمريكية إسرائيلية على إيران، في 28 فبراير/ شباط الماضي.
كما ردت إسرائيل بضربات جوية واسعة استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق في جنوب وشرقي لبنان، ما أسفر عن مقتل وإصابة العشرات، وأكدت أنها بدأت عملية عسكرية جديدة ضد "حزب الله".
وتواصل الولايات المتحدة وإسرائيل، منذ الـ28 من فبراير/ شباط 2026، شنّ سلسلة من الغارات على أهداف في إيران، بما في ذلك العاصمة طهران، ما خلف أضرارا كبيرة وسقوط ضحايا مدنيين واغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، وعدد من قادة الحرس الثوري والجيش.
وردّت إيران بشن غارات صاروخية على الأراضي الإسرائيلية، وكذلك على منشآت عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، في الإمارات وقطر والبحرين والكويت والسعودية، وتوعدت بـ"رد غير مسبوق".