ومع انقضاء ثلث العام الدراسي، وجد آلاف التلاميذ، لا سيما في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، أنفسهم خارج الصفوف، بين نزوح قسري فرضته الغارات الإسرائيلية، ومدارس تحوّلت إلى مراكز إيواء، ما دفع شريحة واسعة منهم إلى اللجوء إلى التعليم عن بعد في ظروف غير متكافئة.
ولا تقف الأزمة عند حدود الانقطاع التعليمي، بل تمتد إلى أبعاد نفسية واجتماعية عميقة، حيث يعيش الطلاب وأهاليهم تحت وطأة القلق والخوف اليومي، في ظل أصوات الطيران الحربي والغارات المتواصلة، وما تخلّفه من ضغط نفسي حاد، خصوصًا لدى الأطفال، ويزداد هذا الواقع تعقيدًا مع الاكتظاظ داخل مراكز الإيواء وضعف البنية التحتية للتعليم الإلكتروني، من انقطاع الإنترنت إلى غياب المساحات الملائمة للتعلّم.
وفي هذا السياق، تقول سهى شمص، وهي نازحة إلى إحدى المدارس في بيروت، لوكالة "سبوتنيك": "التعلم عبر الإنترنت لا يلبّي الحد الأدنى من الفاعلية"، مضيفة: "نحن 6 عائلات في غرفة ويوجد 7 أولاد، كيف يستطيعون الدراسة وسط هذه الأجواء؟ حتى إن الضغط على الإنترنت يزيد الوضع سوءًا، عوضًا عن أصوات الطيران الحربي والغارات طيلة الليل، وهو ما يزيد الضغط النفسي والخوف عند الأم والأولاد على حد سواء".
لبنان... التعليم مستمر رغم الحرب والامتحانات بلا قرار نهائي
© Sputnik . Abdul Kader Al-Bay
من جهتها، تقول آية طالب، النازحة من الضاحية الجنوبية في حديث لـ"سبوتنيك": "أبناؤنا جميعًا كانوا في مدرسة في برج البراجنة، واليوم هم بلا دراسة بسبب التهجير، لكن، أسوة بالمدارس التي تهدمت في الجنوب، لا مشكلة لدينا، وفي الوقت عينه، في المبنى المقابل لنا يوجد تلاميذ يكملون عامهم الدراسي ونحن مهجّرون هنا، أكيد نتضايق ونحزن أن أبناءنا لم يكملوا عامهم الدراسي، ولكن نقول الحمد لله، وإن شاء الله نعود ونكمل العام الدراسي".
وزيرة التربية والتعليم العالي في لبنان، ريما كرامي
© Sputnik . Abdul Kader Al-Bay
لا قرار بعد بشأن الامتحانات الرسمية وكل الاحتمالات مفتوحة
بالتوازي مع هذه التحديات، علّقت وزيرة التربية والتعليم العالي في لبنان، ريما كرامي، على مصير الامتحانات الرسمية في ظل الظروف الراهنة، مؤكدة أن القرار لم يحسم بعد، وأن الوزارة تعمل على إبقاء جميع الخيارات مفتوحة.
وفي مقابلة خاصة مع "سبوتنيك"، أوضحت كرامي أن "الأولوية في المرحلة الحالية كانت لضمان استمرارية التعلم، قبل الانتقال إلى البحث في ملف الامتحانات الرسمية"، مشيرة إلى أن "الوزارة احتاجت وقتًا لتقييم واقع المدارس وإمكانية إعادة فتحها".
وأضافت: "التفكير الجدي بموضوع الامتحانات بدأ مع مطلع هذا الأسبوع"، لافتةً إلى أن "الوزارة تتعامل مع هذا الاستحقاق على أساس إمكانية إجرائه، لكن من دون القدرة على تأكيد ذلك في الوقت الراهن، نظراً لارتباطه بتطور الأوضاع".
لبنان... التعليم مستمر رغم الحرب والامتحانات بلا قرار نهائي
© Sputnik . Abdul Kader Al-Bay
وكشفت كرامي أن "الوزارة تدرس سيناريوهات عدة، من بينها تقسيم الطلاب إلى مجموعتين لإجراء الإمتحانات"، مؤكدة أنه "لا يوجد أي قرار نهائي حتى الآن، ولا نريد التسرع في حسم هذا الملف".
وفي ما يتعلق بالوضع التربوي العام، أشارت كرامي إلى أن لبنان "ليس جديدًا على الأزمات"، معتبرةً أن "الطلاب يمرون منذ سنوات بظروف استثنائية متراكمة، ما أدى إلى فاقد تعليمي ملحوظ، خصوصًا في التعليم الرسمي".
وأوضحت أن "الوزارة تعمل على مسارين متوازيين، الأول إدارة الأزمة الحالية عبر إنقاذ ما يمكن إنقاذه، والثاني الحفاظ على رؤية تربوية طويلة الأمد لمستقبل التعليم في لبنان".
لبنان... التعليم مستمر رغم الحرب والامتحانات بلا قرار نهائي
© Sputnik . Abdul Kader Al-Bay
ولفتت إلى أن "نحو 70% من المنهاج الدراسي كان قد أُنجز قبل التصعيد الأخير، ما يتيح البناء على ما تحقق"، مشددةً على أن "الهدف هو تنظيم التدخلات التربوية وفق الواقع الجديد".
وكشفت كرامي أن "الوزارة صنّفت المدارس بحسب قدرتها على الاستمرار، حيث توجد مدارس تعمل بشكل شبه طبيعي، وأخرى تعتمد التعليم عن بعد نتيجة استخدامها كمراكز إيواء، إضافة إلى مدارس تقع في مناطق متأثرة مباشرة بالحرب".
وأشارت إلى أن "نحو 77 مدرسة انطلقت بالتعليم عبر الإنترنت، فيما يجري العمل على جمع بيانات دقيقة عن بقية المدارس والطلاب، خصوصًا في المناطق التي يصعب الوصول إليها".
لبنان... التعليم مستمر رغم الحرب والامتحانات بلا قرار نهائي
© Sputnik . Abdul Kader Al-Bay
كما أوضحت أن "الأطفال الموجودين في مراكز الإيواء لا تتجاوز نسبتهم 5%، ما دفع الوزارة إلى اعتماد مقاربة أوسع للوصول إلى جميع الطلاب المتضررين من النزوح".
وفي ما يتعلق بالأرقام، بيّنت كرامي أن "أكثر من 300 مدرسة رسمية متأثرة، في حين أن أكثر من 70% من المدارس، الرسمية والخاصة، عادت إلى التعليم بصيغ مختلفة، سواء حضوريًا أو عن بعد أو بنظام يخلط بين الحضور وعن بعد، بينما لا يزال نحو 25% من الطلاب في مناطق متأثرة بشكل مباشر".
وعن تقييمها للواقع التعليمي، أقرت كرامي بأن التحديات "كبيرة جدًا، لا سيما لدى الطلاب في المراحل التأسيسية، لكنها شددت في المقابل على أن لبنان يمتلك خبرة تراكمية في التعامل مع الأزمات".
وختمت بالتأكيد أن "الرهان هو على قدرة القطاع التربوي في لبنان على التعافي وتجاوز هذه المرحلة، كما حصل في أزمات سابقة"، معربةً عن أملها في "استعادة المستوى التعليمي تدريجيًا".