الجزائر– تونس... شراكة رفيعة المستوى والطاقة عنوانها الأبرز

شهدت العلاقات الجزائرية - التونسية خلال الأيام الأخيرة حركة دبلوماسية لافتة، تجسدت في زيارة رئيس المجلس الوطني للجهات والأقاليم التونسي إلى الجزائر، في إطار تعزيز التشاور السياسي والتنسيق الثنائي بين البلدين.
Sputnik
وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي عبد القادر سليماني لوكالة "سبوتنيك" إن "العلاقات الجزائرية - التونسية علاقات تاريخية وطيدة ومتينة، الشعبان شاركا في نفس المحن منها التاريخية في كفاحهم ضد الاستعمار، واليوم يتطلع البلدان إلى الوصول إلى التكامل الاقتصادي والاندماج فيما يخص الحركة الاقتصادية والتجارية، حيث نرى التئام العديد من اللجان الحدودية بين البلدين على مستوى الحدود" .

وأكد المتحدث على التعاون في مجال الطاقة، قائلا: "نشهد خاصة في مجال الغاز والكهرباء تطورا كبيرا، اليوم تصدر الجزائر إلى تونس أربعة مليار متر مكعب من الغاز سنويا، وكذلك تصدر لتونس ما قيمته 14 بالمئة من احتياجاتها من الكهرباء، خصوصا في أوقات الذروة في الصيف، حيث تشهد تونس عجزا في إنتاج الكهرباء، وبالتالي تلجأ للغاز والكهرباء الجزائري".

6 دول تستورد الغاز الجزائري خلال شهر... هل تقتنص الجزائر فرصة حرب إيران؟
وأضاف سليماني: "مع العلم أنه تعتمد تونس على نسبة 96 بالمئة على الغاز في إنتاج الكهرباء، بالإضافة إلى أنبوب الغاز "ترانسميد" الذي يمر إلى إيطاليا عبر تونس، تأخذ تونس بالمقابل إتاوة وجزء من الغاز الجزائري، وبالتالي هناك تكامل واندماج كبير بين البلدين من أجل تحقيق التكامل والتنمية الاقتصادية بما يعود بالمنفعة للبلدين".

تشاور سياسي يعكس عمق العلاقات

وتعمل الجزائر مع تونس على تعزيز التعاون الثنائي في مختلف المجالات، وعلى رأسها المجال الطاقوي الذي يمثل ركيزة أساسية في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، مع التنسيق المستمر لمواجهة التحديات المشتركة، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي، في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة.

واحتل ملف الطاقة موقعا محوريا في المحادثات بين البلدين، حيث اتفق الطرفان على ضرورة تعزيز التعاون في هذا القطاع الحيوي، ويأتي ذلك في ظل أهمية أنبوب الغاز الجزائري "ترانسميد"، الذي يمر عبر الأراضي التونسية، والذي يشكل شريانا استراتيجيا لنقل الغاز نحو أوروبا.

هل تنجح الجزائر في كسر الجمود ودفع ليبيا نحو الحل السياسي؟

"خلفية التوتر" بين الواقع والتأويل

تداولت بعض الأوساط الإعلامية حديثا عن وجود توتر في العلاقات بين الجزائر وتونس، خاصة فيما يتعلق بملف أنبوب الغاز، غير أن المؤشرات الرسمية الصادرة عن الطرفين تؤكد عكس ذلك، حيث يحرص البلدان على إبراز التفاهم والتنسيق المستمر بينهما، في ظل العلاقات الثنائية التي لا تزال قائمة على الثقة المتبادلة والمصالح المشتركة، بعيدا عن أي تأويلات أو تضخيم إعلامي.
في سياق متصل، قال الخبير في شؤون التنمية والتعاون محمد أمقران عبدلي لـ"سبوتنيك": "هناك تشاور رفيع المستوى واتفاق على تعزيز العلاقات الطاقوية بين البلدين، في ظل حديث عن توتر بين الجزائر وتونس بسبب أنبوب الغاز الجزائري الذي يمر عبر تونس" .
وأضاف: "مثل هذه العلاقات ظاهريا تأتي لتعزيز العلاقات وتنشيطها والوقوف على درجة التنسيق أو حل بعض من قضايا عالقة، لكن حتى وإن كانت زيارة تعزيز شراكة فهي لا تخلو من نقاط ظل وجب علينا تحليلها بعقلانية وعلى ضوء العلاقات الدولية والعلاقات الثنائية بين البلدين".
من الثنائي إلى هندسة محور سيادي... الجزائر والنيجر يرسمان معالم قوة جديدة للتعاون الإقليمي
وأكد المتحدث أن "التهافت الطاقوي على الجزائر ليس بالغريب والمفاجئ بل كان منتظرا نظرا لمكانة الجزائر الطاقوية المحترمة و نظرا للانعكاسات الأولى للحرب على إيران من طرف الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها اسرائيل".

وأكد أنه سبق وأن استقبلت الجزائر مسؤولين من إيطاليا،اسبانيا والاتحاد الأوربي ومن القارة الإفريقية ومسؤولي النيجر، وهذا كله دعما واستشرافا للمستقبل والأمن الطاقوي لهذه البلدان أو التجمعات الإقليمية.

وتابع: "على المستوى المغاربي العلاقات الطاقوية بين الجزائر وتونس معروفة و مرتبطة بالأمن الاستراتيجي لكليهما والامتيازات التي تظهر للعيان أو لوسائل الإعلام بأنها امتيازات طاقوية خاصة لتونس هي دعم للأمن الاستراتيجي المشترك لكلا البلدين".
هل تقود تحولات سوق الغاز إلى إعادة إحياء العلاقات الجزائرية الإسبانية على أسس جديدة؟
وأكد عبدلي أن بعض وسائل الإعلام التونسية أثارت هذه العلاقة و الشراكة الطاقوية بين البلدين، بطريقة غير مدروسة و متشنجة أحيانا، مدعية غلاء الكهرباء المستوردة من الجزائر مقارنة بالمنتجة في تونس وغياب المساعدة الطاقوية من الجزائر خاصة للمناطق والولايات التونسية الموجودة على الحدود".

وبالنسبة لأنبوب الغاز الجزائري المار بتونس وإمكانية تحويل مساره بحرا من الجزائر مباشرة لإيطاليا عبر البحر دون المرور بتونس، أوضح عبدلي، أن مثل هذه المعلومات غير صحيحة والتعاون الطاقوي بين البلدين مشهود له بالتطور والتنوع وهو محكوم بذلك وجوبا نظرا لكونه رافد من روافد الأمن الاستراتيجي المشترك.

وأضاف: "من جهة أخرى مثل هذه الوشوشات الإعلامية تدخل في نطاق التأثير على العلاقة المتميزة بين تونس و الجزائر وهذا الأمر معروف مثلما تتبعنا ولاحظنا تأثيرا على العلاقات بين الجزائر وجيرانها من الجنوب خاصة النيجر ومالي".
بين الطاقة والتوترات الإقليمية... زيارة ميلوني إلى الجزائر في ظل تداعيات الحرب على إيران
وأردف عبدلي: "السعي بكثير من الجدية لتوضيح النقاط المتعلقة بالمسارات المستقبلية للتعاون التونسي الجزائري خاصة التعاون الطاقوي و تنمية المناطق الحدودية بين البلدين و التنسيق المشترك، تبقى الهدف الأسمى للبلدين".
من المنتظر أن تفتح اللقاءات الثنائية بين الجزائر وتونس، آفاقًا جديدة لتعزيز التعاون بين الجزائر وتونس، خاصة في مجالات الطاقة والطاقات المتجددة ، التبادل التجاري، التنمية المحلية والجهوية ، الاستثمار المشترك، كما تعكس هذه الديناميكية رغبة مشتركة في بناء شراكة أكثر تكاملا، قادرة على مواجهة التحديات الإقليمية وتحقيق التنمية المستدامة في البلدين.
مناقشة