وتراهن السلطات التونسية على استعادة نسق النمو الذي عرفه القطاع قبل سنوات، مستفيدة من تحسن مؤشرات الطلب العالمي على السفر، وتزايد الاهتمام بالوجهات المتوسطية، إلى جانب الجهود المبذولة لتطوير العرض السياحي وتنويعه.
وخلال زيارته إلى ولاية نابل، إحدى أبرز الوجهات السياحية في البلاد، أعرب وزير السياحة سفيان تقية في بيان تلقت “سبوتنيك” نسخة منه، عن تفاؤله بالنتائج المسجلة، مؤكدًا أن القطاع السياحي في تونس يسير وفق "نسق تصاعدي" ملحوظ.
وأوضح أن المؤشرات الحالية، سواء على المستوى الجهوي في ولاية نابل أو على المستوى الوطني، سجلت "أرقامًا قياسية" تعكس استعادة الوجهة التونسية لحيويتها وقدرتها التنافسية.
وأصبحت تونس اليوم من بين أهم 10 وجهات سياحية في السوقين الأوروبية والآسيوية، بما في ذلك الصين واليابان، حيث تركز وزارة السياحة التونسية في استراتيجيتها الحالية على "الرقمنة" وتعزيز الحضور في المنصات العالمية بهدف دعم صورة تونس في الخارج، فضلا عن الانفتاح المتزايد على أسواق سياحية واعدة، ولعل زيارة وفد صيني إلى تونس مؤخرا دليل على هذا الانفتاح، حيث تعمل تونس على استقطاب السياح من اليابان وروسيا، مع المحافظة في الآن ذاته على المكانة التقليدية للأسواق القريبة، خاصة الجزائر وليبيا، إلى جانب الأسواق الأوروبية التي ظلت تاريخيًا المزود الرئيسي للسياح نحو تونس.
ويمثل قطاع السياحة في تونس أكثر من 4% من الناتج الداخلي الخام، كما يوفر مئات الآلاف من مواطن الشغل المباشرة وغير المباشرة، ما يجعله قطاعًا حيويًا يتأثر به الاقتصاد الوطني بشكل مباشر، إذ إن أي تراجع في مؤشراته ينعكس سلبًا على احتياطي العملة الصعبة وعلى توازنات المالية العمومية، فضلا عن تأثيره على قطاعات مرتبطة به على غرار النقل والخدمات والصناعات التقليدية.
وفي ظل هذه المعطيات، يبرز التساؤل حول مدى قدرة تونس على تحقيق موسم سياحي استثنائي هذا العام، وما إذا كانت الخطة الترويجية المعتمدة كفيلة بدعم تنافسية الوجهة التونسية في ظل احتدام المنافسة الإقليمية، وهل تنجح البلاد فعلًا في بلوغ أرقام قياسية تعزز موقعها على خارطة السياحة العالمية؟
مؤشرات إيجابية في خضم ضغط التحولات الجيوسياسية
وفي السياق، قال الخبير في الشأن الاقتصادي ماهر قعيدة، في تعليق لـ"سبوتنيك": إن "القطاع السياحي التونسي يعيش مع بداية سنة 2026 ما وصفه بـ"مرحلة من التناقض الظرفي"، حيث تتقاطع مؤشرات نمو مسجلة خلال الأشهر الأولى مع مخاوف متزايدة بشأن آفاق الموسم الصيفي، في ظل تداعيات الأزمة في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج العربي".
ويشير قعيدة إلى أن حصيلة الثلاثي الأول من السنة حملت في ظاهرها مؤشرات إيجابية، مدفوعة أساسًا بزخم سنة 2025 التي حققت خلالها العائدات السياحية أكثر من 8 مليارات دينار، موضحًا أنه "حتى نهاية فبراير/فيفري 2026، بلغت العائدات نحو 1,03 مليار دينار، بزيادة تناهز 4,7% مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية"، وهو ما يعكس، وفق تقديره، "نوعًا من صمود الاقتصاد الكلي"، خاصة مع بلوغ احتياطي العملة الصعبة مستوى يغطي نحو 106 أيام من التوريد.
وعلى المستوى المحلي، يلفت المتحدث إلى تسجيل أداء لافت في بعض الوجهات، على غرار ولاية المهدية التي شهدت "ارتفاعًا بنحو 40% في عدد الوافدين خلال الثلاثي الأول"، مدفوعة خصوصًا بالسوقين الألمانية والبريطانية، غير أن هذا النسق الإيجابي لم يدم طويلًا، إذ يؤكد قعيدة أن "تصاعد النزاع في منطقة الخليج منذ منتصف شهر آذار/مارس أدى إلى صدمة مفاجئة"، ترجمت إلى "تراجع في الحجوزات يتراوح بين 10% و23%"، وهو ما ألقى بظلاله على توقعات صيف 2026.
ويفسر الخبير هذه التطورات بجملة من العوامل المتداخلة، من بينها ما وصفه بـ"صدمة التكاليف"، حيث أدى ارتفاع أسعار النفط إلى قرابة 100 دولار للبرميل إلى زيادة كلفة النقل الجوي، وبالتالي ارتفاع أسعار التذاكر نحو تونس "بما يتراوح بين 50 و200 يورو"، ما أثر على تنافسية الوجهة، خاصة في قطاع السياحة منخفضة التكلفة.
كما حذر المتحدث من "مخاطر الخلط الجيوسياسي"، مبرزًا أن الأسواق الأوروبية، رغم البعد الجغرافي لتونس عن بؤر التوتر، تبدي نوعًا من الحذر تجاه كامل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وفي سياق متصل، يشير قعيدة إلى تحولات في توجهات السياح، حيث لوحظ "إعادة توجيه للتدفقات نحو وجهات بعيدة مثل الكاريبي والأمريكيتين بالنسبة للسياح ذوي الإنفاق المرتفع"، مقابل توجه الفئات الباحثة عن الكلفة المنخفضة نحو جنوب أوروبا، بما في ذلك إسبانيا واليونان وألبانيا.
ورغم هذه التحديات، يبرز الخبير ملامح الاستراتيجية الوطنية للفترة 2026-2028، التي تقوم، بحسب قوله، على "ثلاثة محاور رئيسية"، في مقدمتها تنويع الأسواق وتقليص المخاطر، من خلال التعويل على التونسيين المقيمين بالخارج كعنصر استقرار، وتعزيز السياحة الداخلية التي "مثلت نحو 56% من الليالي المقضاة في ولاية المهدية خلال الثلاثي الأول".
كما تشمل هذه الاستراتيجية "الاستثمار في الرقمنة" لفصل صورة تونس عن مناطق النزاع، إلى جانب تطوير أنماط سياحية بديلة، على غرار السياحة البيئية والثقافية، واستحداث مسالك جديدة في مناطق مثل قبلي وتلمين.
أما على مستوى الإجراءات العاجلة، فيؤكد قعيدة أهمية "إقرار مرونة جبائية لفائدة المؤسسات المتضررة"، والعمل على "تجديد البنية اللوجستية، خاصة فيما يتعلق بالنقل البحري والجوي"، بما يقلص من التبعية للناقلين الأجانب.
ويخلص الخبير إلى أن القطاع السياحي التونسي يواجه جملة من الرهانات المتشابكة، بين مخاطر ارتفاع كلفة الطاقة وتقلبات الجيوسياسة، مقابل فرص إعادة تموضع تونس كوجهة متوسطية مستقرة، ورفع معدل إنفاق السائح عبر استهداف فئات ذات قيمة مضافة أعلى.
تفاؤل رسمي يقابله حذر مهني
على الطرف المقابل، يبدي الخبير في مجال السياحة لطفي الكبير قراءة أكثر تحفّظًا للمؤشرات السياحية، معتبرًا في تصريح لـ"سبوتنيك" أن الحديث عن تحقيق أرقام قياسية يبقى أمرًا "صعبًا" في ظل المعطيات الحالية.
وأضاف الكبير: "فمنذ يناير/جانفي 2026 حتى الآن، فإننا لم نلاحظ تطورًا لافتًا في عدد الإقامات في النزل أو توافدًا ملحوظًا للسياح أو حركة نشيطة لهم على الشواطئ أو على مستوى النقل الجوي".
ويؤكد أن اعتماد خطاب تفاؤلي من قبل وزارة السياحة، على مستوى التوقعات القريبة يظل بدوره محل تساؤل، موضحًا: "إذا كان الحديث يتعلق بالتوقعات المستقبلية على المدى القريب، فإنه لا يمكن إطلاق توصيف متفائل ما لم يستند إلى مؤشرات واقعية أو إلى اتفاقات وقع توقيعها على مستوى وكالات الأسفار أو غيرها".
وفي قراءته لوضع القطاع، يقر الكبير بأن السياحة التونسية لم تشهد تراجعًا خلال الفترة الأخيرة، بل تتسم بـ"نوع من الاستقرار"، غير أنه يعزو ذلك إلى عوامل ظرفية أكثر من كونه نتيجة تخطيط مسبق، مشيرًا إلى أن "تونس استفادت من ظروف جيوسياسية متصلة بالحرب في الشرق الأوسط، والتي حرمت عدة أسواق أوروبية من وجهات سياحية معينة، خاصة الآسيوية، وهو ما عاد بالفائدة على الوجهة التونسية".
غير أن هذا المعطى يطرح إشكالًا أعمق يتعلق بمدى صلابة القطاع، إذ يتساءل: "هل أن السياحة التونسية، بالنظر إلى أهميتها في الاقتصاد الوطني، يمكن أن تظل رهينة للتقلبات العالمية والعوامل الظرفية، وخاصة للوجهات التقليدية التي تعتبر من تحصيل الحاصل؟".
ويخلص الكبير إلى أن الأرقام المسجلة "تبقى هشة ومشروطة بظروف سياسية معينة وبمشاكل في وجهات سياحية منافسة، وليست نتاجًا لخطة واضحة المعالم".
رقمنة متأخرة وإشكال تنويع الأسواق
وفي علاقة بالخيارات الاستراتيجية المعتمدة في القطاع، خاصة فيما يتعلق بالرقمنة، اعتبر الخبير في مجال السياحة لطفي الكبير أن الحديث عن الرقمنة اليوم كإحدى ركائز الخطة الترويجية يطرح إشكالًا زمنيًا بالأساس.
ويقول في هذا السياق: "الحديث عن الرقمنة كإحدى ركائز الخطة الترويجية هو في الأصل خيار كان من المفترض تطبيقه منذ أكثر من عقد، واليوم نحن في 2026 وبالتالي هناك تأخير واضح".
ويشير الكبير إلى أن عدة وجهات سياحية عالمية سبقت تونس في هذا المجال، حيث توجهت مبكرًا نحو الاستثمار في المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي واستهدفت الحريف بشكل مباشر، مضيفًا: "في الوقت الذي تحولت فيه عدة وجهات إلى الرقمنة واحتلت الفضاءات الرقمية، كانت تونس تضع التمويلات المخصصة للسياحة في المعارض التقليدية والومضات الإشهارية الكلاسيكية".
وفي قراءته لتركيبة الأسواق السياحية، يلفت الكبير إلى أن الأرقام الرسمية تعكس اختلالًا في تنويع الجنسيات، موضحًا أن "أكثر من 50% من مجموع السياح، المقدر بأكثر من 11 مليون سائح حسب الوزارة، هم من الجزائر وليبيا والتونسيين المقيمين بالخارج، ثم تأتي في مرحلة ثانية الأسواق الأوروبية"، معتبرًا أن هذه التركيبة "تكشف بوضوح غياب استراتيجية فعلية لتنويع الأسواق، والتعويل المستمر على الأسواق الكلاسيكية التي لا تحتاج إلى دعاية".
ويختم الكبير بالقول: إن "هذه المعطيات لا يمكن أن تدفع نحو التطور المطلوب لقطاع حيوي يمثل موردًا أساسيًا للعملة الصعبة ومصدرًا لخلق مواطن الشغل، فضلًا عن ارتباطه بعديد القطاعات الأخرى".
ويشدد في هذا الإطار على أن "السياحة هي استثمار"، داعيًا إلى ضرورة "تنويع الأسواق والخروج من الإطار الكلاسيكي الأوروبي والعربي نحو أسواق الشرق الأوسط وإفريقيا وجنوب شرق آسيا"، إلى جانب العمل على "تمديد الموسم السياحي" الذي يظل في تونس مقتصرًا على فترة صيفية لا تتجاوز أربعة أشهر، في حين يفترض أن يمتد على مدار السنة.