وبينما تبرر هذه الخطوة بالحفاظ على الاستقرار ومنع استنزاف الموارد، تطرح تساؤلات واسعة حول مدى فاعلية هذه العقوبات في دعم مسار الدولة الليبية، وتأثيرها على الاقتصاد الوطني، خصوصا في ما يتعلق بقطاع النفط وإدارة الأصول السيادية.
أهداف واضحة
من جانبه، اعتبر الأكاديمي الليبي إلياس الباروني، أن قرار مجلس الأمن الدولي بتمديد العقوبات على ليبيا في هذا التوقيت لا يمكن اعتباره إجراء تقنيا بحتا، بل يحمل في طياته أهدافا استراتيجية واضحة.
وأوضح في تصريحات لـ"سبوتنيك"، أن من أبرز هذه الأهداف ضبط ملف النفط قبل الوصول إلى أي تسوية سياسية، مشيرًا إلى أن التركيز على منع التصدير غير المشروع يعكس أولوية دولية تتمثل في حماية تدفق الطاقة ومنع توظيفه في الصراع.
وأضاف أن التقارير تشير إلى تصاعد عمليات تهريب النفط، وما يرافقها من خسائر ضخمة تتكبدها الدولة، الأمر الذي يجعل من العقوبات أداة تستخدم للحد من هذا النزيف الاقتصادي.
وأشار الباروني إلى أن التمديد المتكرر للعقوبات منذ عام 2011، يكشف عن توجه لدى المجتمع الدولي نحو إدارة التوازنات داخل ليبيا، بدلا من فرض حل نهائي للأزمة، وهو ما يعني إبقاء الوضع تحت السيطرة دون السماح بانفجار شامل.
كما اعتبر أن هذه العقوبات تمثل رسالة ردع موجهة للنخب المحلية، خاصة أن الإجراءات المرتبطة بالأفراد والكيانات تستخدم كوسيلة ضغط لمنع اتخاذ خطوات أحادية، مثل بيع النفط خارج المؤسسات الرسمية أو تعطيل العملية السياسية.
وأكد إلياس الباروني أن الهدف الحقيقي لا يقتصر على تحقيق الأمن، بل يمتد إلى ضبط الموارد واحتواء الصراع والحفاظ على استمرار التأثير الدولي.
وفيما يتعلق بالتأثيرات الاقتصادية، أوضح أن العقوبات على قطاع النفط تحمل تأثيرا مزدوجا فمن ناحية، تسهم نظريا في حماية وحدة المؤسسة النفطية ومنع التصدير الموازي، ومن ناحية أخرى، تؤدي عمليا إلى تعقيد العمليات المالية والتعاقدية، وخلق بيئة بيروقراطية تعيق الاستثمار، فضلا عن استمرار اقتصاد الظل وعمليات التهريب نتيجة ضعف مؤسسات الدولة. وخلص إلى أن العقوبات تحمي الإطار الرسمي، لكنها لا تقضي على الاقتصاد الموازي.
أما فيما يخص الأصول المجمدة، فقد بيّن أن استمرار تجميد الأصول السيادية يحد من قدرة ليبيا على الاستثمار الخارجي وإعادة الإعمار وتنويع الاقتصاد، ويخلق مفارقة واضحة تتمثل في امتلاك الدولة لأصول كبيرة دون القدرة على الاستفادة منها.
وفي سياق الحديث عن الاستثناءات، مثل تلك المتعلقة بدعم المؤسسة الليبية للاستثمار، أوضح الباروني أنها تمثل نقطة محورية من الناحية النظرية، إذ تهدف إلى تحسين إدارة الأصول، ومنع تآكل قيمتها، وتعزيز معايير الحوكمة. غير أن الفائدة العملية لهذه الاستثناءات تبقى محدودة، وذلك لعدة أسباب، من بينها غياب سلطة تنفيذية موحدة تشرف على هذه الأصول، وخطر تسييسها والدخول في صراعات للسيطرة عليها، إضافة إلى القيود القانونية الدولية التي تفرض قيودا على حركتها.
وأكد أن التقييم الواقعي يشير إلى أن هذه الاستثناءات قد تحسن الإدارة الفنية، لكنها لا تعالج جوهر المشكلة السياسية.
وحول مدى إسهام هذه الإجراءات في توحيد المؤسسات، أوضح أن الأمر يتطلب دقة في التقييم، إذ يمكن للعقوبات أن تدعم هذا المسار من خلال فرض التعامل مع مؤسسات معترف بها دوليا، مثل المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف المركزي، ومنع الكيانات الموازية من الحصول على تمويل مستقل، مما يخلق ضغطا باتجاه توحيد قنوات الإيرادات.
إلا أنه في المقابل، أشار إلى أن العقوبات لا تفرض توحيدا سياسيا فعليا، بل قد تتحول إلى أداة تستخدمها الأطراف المختلفة للضغط على بعضها البعض، وقد تسهم في تعميق الانقسام إذا تم تفسيرها على أنها تستهدف طرفا دون آخر.
وفي خلاصة حديثه، قال إن العقوبات تسهم في منع الانهيار الكامل، لكنها لا تؤدي إلى بناء دولة موحدة. واعتبر أن المشهد يعكس معادلة واضحة مفادها أن المجتمع الدولي يسعى إلى تحقيق نفط مستقر، وصراع مُدار، ومؤسسات موحدة شكليا.
وفي المقابل، شدد على أن ليبيا تحتاج إلى إرادة سياسية داخلية، وسيادة اقتصادية، وتوحيد فعلي للسلطة، مؤكدا أن العقوبات تظل في النهاية أداة لتحقيق التوازن، وليست حلا جذريا للأزمة.
ضغط مباشر
من جانبه، يرى المحلل السياسي الليبي معتصم الشاعري، أن الأهداف الكامنة وراء تمديد العقوبات الدولية على ليبيا تتجاوز الطابع الإجرائي، لتشكل أداة ضغط مباشرة على الأطراف المتصدّرة للمشهد السياسي والمتنازعة فيما بينها، بهدف دفعها نحو طاولة المفاوضات، والتوصل إلى توافق يفضي إلى تشكيل حكومة موحدة تنهي حالة الانقسام.
وأضاف في تصريح خاص لـ"سبوتنيك"، أن هذا الضغط الدولي يأتي في سياق مساعٍ لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية، من خلال الدفع نحو مجلس رئاسي جديد وحكومة واحدة، خاصة في ظل وجود أطراف ليبية ترفض بعض المقترحات المطروحة، ومن بينها ما قدمه مبعوث الرئيس الأمريكي مسعد بولس.
ويعتبر الشاعري أن مجلس الأمن يستخدم، في مثل هذه الحالات، كأداة ضغط على الدول ذات الهشاشة السياسية، مثل ليبيا، من أجل فرض مسارات أو تصورات سياسية جديدة، مشيرا إلى أن الطرح الأمريكي الحالي بإعادة تشكيل المجلس الرئاسي والحكومة يعكس توجها واضحا في هذا الاتجاه.
وفي السياق الاقتصادي، يلفت إلى أن مبررات هذه العقوبات من وجهة نظر داعميها، تتمثل في الحفاظ على استقرار العملة الليبية ومنع انهيارها أو تعرضها لموجات تضخم حادة، خاصة في ظل الانقسام المؤسسي وعدم قدرة الدولة على إدارة أصولها وأموالها المجمدة في الخارج بشكل موحد وفعّال.
وأكد أن استمرار العقوبات سيبقى مرهونا بمدى تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني في البلاد، مشيرًا إلى أنها قد تستمر إلى حين تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، وانتخاب رئيس للدولة وبرلمان واحد يمثل السلطة التشريعية، وهو ما قد يفتح الباب لاحقا للإفراج عن الأصول الليبية المجمدة.
وأشار إلى أن هذه الإجراءات قد تسهم في تسريع وتيرة توحيد السلطة التنفيذية، مع وجود مؤشرات على تحركات جدية من عدة أطراف محلية ودولية للدفع نحو تشكيل حكومة واحدة قادرة على تنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
كما لفت إلى تطورات ميدانية لافتة، من بينها إجراء مناورات عسكرية مشتركة بين قوات من شرق البلاد وغربها، ما يعكس مؤشرات إيجابية على إمكانية توحيد المؤسسة العسكرية. وأضاف أن الاتفاق الأخير على توحيد الميزانية يمثل خطوة اقتصادية مهمة، تعزز من فرص الوصول إلى سلطة موحدة خلال المرحلة المقبلة.