ولا ينص هذا القانون على إعادة تلقائية للممتلكات، بل يضع إطارًا قانونيًا معقدًا يفرض دراسة كل حالة على حدة، عبر مسارات إدارية وتشريعية طويلة، تشمل المرور بلجنة مشتركة من غرفتي البرلمان، وبذلك، تتحول عملية الاسترجاع من حق تاريخي واضح إلى مسار قانوني قد يمتد لسنوات دون ضمانات حقيقية.
وفي السياق، قال الكاتب عبد الرزاق بوكبة لوكالة "سبوتنيك": "كان معقولًا أن تتشبث فرنسا بتعاطيها الكولونيالي (الاستعماري) مع الجزائر، خلال السنوات القليلة التي تلت الاستقلال، بالنظر إلى أنها كانت حديثة عهد بالخروج منها، بكل ما ترتب عن ذلك الخروج من خسائر مادية وبشرية ومعنوية، أما أن تبقى متشبثة بالتعاطي "الكولونيالي" نفسه، فهذا ينافي كونها صادقت على استقلال الجزائر، وينافي مصالحها المختلفة فيها، كما ينافي كونها تمثل بؤرة التنوير وحقوق الإنسان في الفضاء الأوروبي".
وأردف: "السبب وراء ذلك، الفرنسيون يعلمون أن الجزائريين يولون لها أهمية كبيرة، وهم بهذا التصرف يعمقون الهوة القائمة بينهم وبين الجزائر، ويجعلون إبداء أي رغبة في التقارب من جديد مجرد فرص ضائعة عليهم، لأن واقع الحال، سياسيا وأمنيا واقتصاديا وتجاريا،
أثبت أن الطرف الأكثر خسارة، بسبب القطيعة، إنما هو الطرف الفرنسي".
وأكد بوكبة أن "ما تحتفظ به فرنسا من ممتلكات وأغراض جزائرية منهوبة، تبقى دليل إدانة لهم على الجرائم التي اقترفوها في حق الجزائريين، وهي في متاحفهم أكثر إدانة لهم منها في المتاحف الجزائرية، إن أعادوها".
وتكمن حساسية هذا الملف في كونه يتجاوز البعد الثقافي إلى
عمق الذاكرة الجماعية للشعب الجزائري، حيث تعتبر هذه الممتلكات جزءًا من الهوية الوطنية، وليس مجرد قطع أثرية، في المقابل، تتعامل فرنسا مع الملف من منظور قانوني وسيادي، يربط أي عملية استرجاع بإجراءات داخلية معقدة، ما يعكس اختلافًا جوهريًا في الرؤية بين البلدين.
وفي السياق، قال أستاذ القانون الدستوري موسى بودهان لـ"سبوتنيك": "مطلب الجزائر باسترجاع ممتلكاتها الثقافية هو مطلب مشروع، ويدخل في إطار القانون الجديد لتجريم الاستعمار الذي صادق عليه البرلمان الجزائري مؤخرا، ويعتبر التراث جزء من الجرائم التي قامت بها فرنسا في الجزائر".
وشدد على أن "هناك جرائم كبيرة مرتكبة في حق التراث الجزائري على امتداد قرن وثلاثين سنة، وتدخل في إطار طمس الهوية، وطمس الامتدادات الثقافية العريقة للأمة الجزائرية، منها اللغة والدين والفكر والتاريخ والأرشيف والتراث،
لهذا على فرنسا أن لا تدعي أنها دولة حق وقانون، وأن تلتزم بما وقعت عليه في الاتفاقيات والمعاهدات الدولية لحماية التراث العالمي والتي أبرمت في باريس 1972 ".
وأضاف بودهان: " بالإضافة لالتزامها باتفاقية حضر تصدير واستيراد الممتلكات الثقافية لأن ما قامت به نهب وسرقة غير مشروعة، دون أن ننسى اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاعات المسلحة وغيرها من المواثيق والمعاهدات الدولية".
واعتبر بودهان أن "التراث الخاص بالثورة الجزائرية هو أكثر ما ترفض فرنسا إرجاعه إلى الجزائر نظرا لقيمته المعنوية الكبيرة لدى الجزائريين، مثل مدفع بابا مرزوق والأرشيف وبعض أغراض مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة الأمير عبد القادر، والممتلكات التي نهبت في تلك الفترة".
وتابع: "الجزائر ملزمة بتمجيد الشهداء وحفظ كرامتهم واسترجاع كل ما يتعلق بهم من فرنسا، وهو عمل تقوم به السلطات بالتنسيق مع وزارات وقطاعات أخرى في الجزائر"، وختم: "حماية الذاكرة هو واجب الجزائر، لذا فإن
ما قامت به فرنسا من سلب للتراث ليست غنيمة حرب كما يسوق البعض، بل هو سرقة وجرائم حرب ضد الإنسانية ووجب استرجاعه في إطار القوانين والمعاهدات الدولية".