محللون: لجنة "3+3" خطوة نحو التوحيد أم أداة لإدارة الانقسام؟

في سياق المساعي المستمرة لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية وإنهاء حالة الانقسام بين الشرق والغرب، برزت اللجان العسكرية المشتركة كأحد أبرز المسارات الفنية التي ترعاها الأطراف المحلية والدولية.
Sputnik
وبعد تجربة اللجنة العسكرية المشتركة (5+5)، التي تشكلت عقب اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2020، والتي ضمت خمسة ضباط من كل طرف وعُهد إليها تثبيت التهدئة والعمل على توحيد المؤسسة العسكرية، ظهرت مؤخرًا لجنة جديدة تحت مسمى (3+3).
وتشير المعطيات إلى أن لجنة (3+3)، جرى الإعلان عنها في سياق أمني عسكري مرتبط بتعزيز التنسيق الميداني، حيث تضم ثلاثة ممثلين عن كل طرف، وتهدف إلى إنشاء غرفة عمليات مشتركة لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتأمين مختلف المناطق. ورغم هذا الطابع العملياتي، فإن تشكيل اللجنة يعكس استمرار الانقسام المؤسسي، إذ تنبثق هذه الأجسام غالبًا من تفاهمات جزئية أو مبادرات ميدانية أكثر من كونها نتاج سلطة موحدة.

البحث عن الحل

من جانبه، قال المحلل السياسي الليبي عبدالله الديباني إن لجنة (3+3)، جاءت في سياق تعثّر المسارات السياسية التقليدية، وفشل الأجسام التنفيذية في إنتاج حل مستدام، خصوصًا في ظل الانقسام الحاد بين حكومتي الشرق والغرب.
بعد قرار مجلس الأمن...هل يعد تمديد العقوبات في ليبيا رسالة ردع أم تكريس للانقسام في البلاد؟
وأضاف في تصريح خاص لـ"سبوتنيك" أن ظهور هذه اللجنة يعكس محاولة للانتقال من مسار تثبيت وقف إطلاق النار إلى مسار "إعادة تشكيل التوازن السياسي الأمني".
وتابع أن لجنة (5+5) نشأت عقب اتفاق وقف إطلاق النار في عام 2020، وكان هدفها الأساسي ذا طابع أمني عسكري بحت، يتمثل في تثبيت الهدنة، وفتح الطرق، والعمل على إخراج المرتزقة.
وأشار إلى أن الفرق الجوهري بين اللجنتين يكمن في أن (5+5)، كانت لجنة "إدارة أزمة"، بينما تُعد (3+3)، أقرب إلى "لجنة إعادة هندسة المشهد"، ما يمنحها بُعدًا سياسيًا ضمنيًا، حتى وإن لم يُعلن ذلك بشكل مباشر.
تصعيد جديد في ليبيا... المنفي "يوقف" وزير خارجية حكومة الوحدة ويصعد الخلاف مع الدبيبة
وفيما يتعلق بتركيبة اللجنة، بيّن الديباني أن التوزيع العددي (3 أعضاء من الشرق و3 من الغرب) يبدو متوازنًا من حيث الشكل، لكنه لا يعكس بالضرورة توازنًا ميدانيًا حقيقيًا.
ولفت إلى أنه في الشرق توجد قيادة عسكرية أكثر تماسكًا وانضباطًا تحت مظلة القيادة العامة، بينما يتسم المشهد في الغرب بدرجة أكبر من التشظي، نتيجة تعدد مراكز القوة بين تشكيلات مسلحة ذات ولاءات متباينة.
واعتبر أن هذا التباين يجعل التمثيل العددي المتساوي غير معبّر عن الوزن الحقيقي لكل طرف، بما يمنح الشرق، وتحديدًا القيادة العامة، أفضلية تفاوضية غير مباشرة، نظرًا لتماسكه مقارنة بالطرف الآخر الذي يأتي بتمثيل موزّع.
وأكد أن اللجنة تُقدَّم رسميًا كجسم ذي طابع أمني عسكري، إلا أنه من الصعب عمليًا الفصل بين الأمني والسياسي في الحالة الليبية.
لقاء مرتقب بين رئيسي مجلسي النواب والدولة في ليبيا وسط خلافات حول خارطة الطريق السياسية
وأوضح أن مهامها يمكن قراءتها على مستويين، الأول مباشر، ويشمل التنسيق الأمني، وتثبيت التهدئة، ومعالجة الاحتكاكات الميدانية، والثاني غير مباشر، ويتعلق بخلق أرضية لتفاهمات أوسع، والتأثير على شكل السلطة التنفيذية، وتمهيد الطريق لأي ترتيبات سياسية جديدة.
وأشار الديباني إلى أهمية مبادرة بولس، التي تسعى إلى توظيف هذه اللجنة كمدخل لتوسيع نطاق الحل، عبر الانتقال من إدارة الصراع إلى بناء تسوية سياسية شاملة، مع منح المؤسسة العسكرية دورًا محوريًا كضامن للاستقرار.
وفي تقييمه لمستقبل اللجنة، أوضح أنه في حال بقائها ضمن إطارها الضيق، فقد تتحول إلى أداة لإدارة الانقسام بدل إنهائه، من خلال تثبيت خطوط التماس بشكل غير مباشر. أما إذا تم ربطها بمسار سياسي واضح، كما هو مطروح في مبادرة بولس، فقد تمثل نقطة انطلاق نحو توحيد المؤسسة العسكرية بشكل تدريجي.
لافروف: الشركات الروسية التي ترغب بالعودة إلى ليبيا مهتمة باستتباب الأوضاع الأمنية
وأضاف أن توحيد المؤسسة العسكرية لن يتحقق عبر تقاسم شكلي للسلطة، بل يتطلب بناء هيكل موحّد قائم على الانضباط والتسلسل القيادي، مشيرًا إلى أن هذا النموذج يتوفر بدرجة أكبر لدى القيادة العامة مقارنة بباقي الأطراف.
وأكد على أن نجاح لجنة (3+3) يرتبط بقدرتها على التحول من لجنة تنسيق إلى أداة لإعادة بناء المؤسسات، وهو ما يتطلب إرادة سياسية حقيقية تتجاوز التوازنات الشكلية.
واعتبر أن اللجنة ليست مجرد آلية فنية، بل تعكس انتقال الأزمة الليبية إلى مرحلة إعادة ترتيب موازين القوى، وقد تشكّل فرصة لإعادة بناء الدولة إذا ما تم توظيفها ضمن رؤية واضحة، مع الاعتراف بثقل المؤسسات الأكثر تماسكًا على الأرض، وفي مقدمتها القيادة العامة.

خطوات عملية

فيما يرى المحلل السياسي الليبي حسام الدين العبدلي أن لجنة (3+3)، تمثل خطوة عملية نحو بناء هيكل أمني وعسكري موحد، موضحًا أنه قد ينبثق عنها تشكيل غرفة عمليات مشتركة تتولى مهام مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، في إطار مساعٍ أوسع لإعادة ترتيب المشهد الأمني في البلاد.
القائم بأعمال وزير خارجية ليبيا: نأمل توقيع اتفاقيات جديدة مع روسيا
وأضاف العبدلي في حديثه لـ"سبوتنيك" أنه في أعقاب الحرب على العاصمة طرابلس، بذلت عدة دول، من بينها الولايات المتحدة وفرنسا، جهودًا مكثفة للتقريب بين القيادات العسكرية في شرق ليبيا وغربها، بهدف توحيد هذه القوات ضمن قوة مشتركة قادرة على بسط الأمن، خاصة في مناطق الجنوب التي تعاني هشاشة أمنية متزايدة.
وأشار إلى أن تلك المرحلة اتسمت بحساسية كبيرة، إذ كانت الحرب قد انتهت حديثًا، ولا تزال تداعياتها قائمة، ما حال دون تحقيق توافق فعلي بين الأطراف، وهو ما أدى إلى تعثر وفشل محاولات توحيد المؤسسة العسكرية آنذاك.
ولفت إلى أنه في أبريل 2022، أعلن الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن عن استراتيجية تمتد لعشر سنوات، تتضمن أربعة أهداف رئيسية، من بينها دعم جهود تأمين الجنوب الليبي عبر إنشاء جهاز أمني أو قوة عسكرية موحدة، وهو ما يعكس اهتمامًا دوليًا مستمرًا بهذا الملف.
ورجّح العبدلي أن تفضي مخرجات لجنة (3+3) إلى تشكيل قوة عسكرية مشتركة واسعة النطاق، تضطلع بمهمة تأمين الحدود الليبية ومكافحة التهديدات العابرة للحدود، معتبرًا أن ذلك قد يشكل نواة فعلية لإعادة بناء الجيش الليبي على أسس موحدة.
الاستثمار الأجنبي في ليبيا بين فرص العودة الروسية وتحديات الاستقرار الأمني
وأكد أن المجلس الرئاسي، بصفته مجتمعًا، يُعد القائد الأعلى للجيش الليبي، وأن رئيسه يملك الصلاحيات المرتبطة بالقرارات العسكرية، بما في ذلك الإشراف على مسارات توحيد المؤسسة العسكرية.
وأوضح أن مشاركة وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية وأعضاء لجنة (3+3)، في فعاليات تكريم رئيس المجلس الرئاسي، تعكس دعمًا واضحًا لجهود توحيد الجيش، والانخراط في تدريبات ومناورات عسكرية تُقام برعاية دولية، وتهدف إلى تعزيز التنسيق بين قوات الشرق والغرب، تمهيدًا لإنشاء قوة مشتركة قد تتطور لاحقًا إلى جيش موحد.
واعتبر العبدلي أن لجنة (3+3)، تضم نخبة من الضباط الشباب الذين يحملون تطلعات حقيقية نحو تحقيق الوحدة العسكرية، ويراهن عليهم في أن يكونوا رمزًا لمرحلة جديدة من التوافق داخل المؤسسة العسكرية.
وأشار إلى أن توحيد الجيش الليبي يظل هدفًا ممكنًا رغم التحديات، إذ يجمع الليبيين في نهاية المطاف وطن واحد ومصير مشترك، مشددًا على أن هذه الجهود تصب في مصلحة بناء مؤسسات عسكرية مهنية.
كما أشار إلى أن رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي يُعد من أبرز الداعمين لهذه المساعي، وهو ما عبّر عنه من خلال مواقفه وتصريحاته، فضلًا عن دعمه للتدريبات والمناورات العسكرية التي تستهدف تعزيز فرص التوحيد.
مناقشة