واتفقت الدول الثلاث على اعتماد إدارة مشتركة لموارد المياه الجوفية في شمال الصحراء الكبرى، خلال اجتماع وزاري انعقد 29 أبريل/نيسان الماضي في العاصمة الليبية طرابلس، تُوّج بالتوقيع على "إعلان طرابلس"، الذي يؤسس لمرحلة جديدة من التعاون الإقليمي في مجال إدارة الموارد المائية العابرة للحدود.
ويضع الاتفاق إطارا عمليا لتنظيم استغلال أحد أكبر خزانات المياه الجوفية في العالم، والذي تُقدّر احتياطياته بأكثر من 40 تريليون متر مكعب، تتوزع بنسبة 62% داخل الأراضي الجزائرية، و30% في ليبيا، مقابل 8% في تونس.
خطوة نحو إدارة مشتركة للذهب الأزرق
وفي السياق، قال المختص في السياسات المائية حسين الرحيلي، في حديث لوكالة "سبوتنيك": "هذه المائدة المائية الأحفورية تقع على أعماق تتجاوز ألفي متر، وتتوزع جغرافيًا بنسب متفاوتة بين تونس والجزائر وليبيا".
وأوضح أن "هذا الخزان الجوفي يمثل فرصة لإعادة النظر في طرق الاستغلال وآليات التنسيق وتبادل المعطيات بين الدول الثلاث، خاصة ما يتعلق بعدد الآبار وتقنيات الحفر، وصولًا إلى وضع برنامج يضمن التوازن المائي لهذه المائدة الاستراتيجية، التي تُقدّر احتياطياتها بأكثر من 60 ألف مليار متر مكعب".
وأضاف الرحيلي: "تفعيل هذه الآلية يكتسي أهمية كبيرة، رغم أنه جاء متأخرًا نسبيا، خاصة بعد ما تعرضت له هذه الموارد من استغلال مكثف خلال السنوات الأخيرة، لاسيما من قبل ليبيا والجزائر"، معتبرًا أن "الاتفاقية جاءت في توقيت دقيق تعيش فيه الدول الثلاث مستويات مرتفعة من الشح المائي".
وأشارإلى أن "هذه المائدة الجوفية يمكن أن تمثل موردا استراتيجيا مستقبليا، شرط إعادة تنظيم طرق الاستغلال والضخ، بما يسمح بتحقيق قدر أكبر من الاستدامة ويفتح المجال أمام مشاريع تنموية مشتركة بين البلدان الثلاثة".
ويرتكز "إعلان طرابلس" على مبدأ الاستغلال "الرشيد والعادل" للمياه الجوفية الأحفورية، وهي موارد غير متجددة تُعرف بـ"الذهب الأزرق"، نظرا لقيمتها الاستراتيجية في منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم تعرضًا للإجهاد المائي.
ويهدف الاتفاق إلى ضمان استدامة هذه الثروة المائية عبر تنسيق السياسات، وتبادل البيانات والخبرات الفنية، وتعزيز آليات المتابعة المشتركة بين الدول الثلاث.
وفي هذا السياق، جرى تفعيل "آلية التشاور" التي أُقرّت سابقا خلال قمة 2024، باعتبارها هيئة دائمة تُعنى بتسيير هذا المورد المشترك، مع إسناد رئاستها الدورية إلى الجزائر لمدة ثلاث سنوات.
وتتولى هذه الآلية إعداد سياسات مندمجة لإدارة المياه الجوفية، وتحديد مستويات الاستغلال لكل دولة، إلى جانب مراقبة تطور المخزون المائي ومخاطر التلوث، بالاعتماد على نماذج علمية وأنظمة رصد ومتابعة دقيقة.
دعوات إلى إستراتيجية مائية طويلة المدى
من جهته، قال المختص في السياسات البيئية والتنمية المستدامة عامر الجريدي، في حديث لـ"سبوتنيك": "ملفا المياه والطاقة أصبحا من أبرز القضايا الاستراتيجية في تونس، بالنظر إلى ارتباطهما المباشر بالأمن القومي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية".
وأضاف الجريدي: "المرحلة المقبلة تفرض على الدولة وضع إستراتيجيات واضحة وطويلة المدى لضمان حسن استغلال الموارد الطبيعية، خاصة في ظل التسارع المتواصل للتغيرات المناخية وتفاقم الضغوط على الموارد المائية".
وأشار الجريدي إلى أن "تونس تمتلك تجربة متقدمة نسبيا في مجال إدارة المياه، من خلال وزارة الفلاحة والموارد المائية وهياكلها المختصة، التي راكمت خبرات في مجال التصرف الرشيد في الموارد المائية".
ويأتي ذلك في وقت أكد فيه وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري التونسي عزالدين بالشيخ، خلال الاجتماع الوزاري المنعقد في طرابلس، حرص تونس على مزيد دعم الشراكة الإقليمية في مجال إدارة الموارد المائية، بما يخدم أهداف الأمن المائي ويعزز مسارات التنمية المستدامة في المنطقة.
كما شدد الوزير على أهمية التسريع في استكمال إجراءات توقيع مذكرة التفاهم بين البلدان المعنية، بما يفتح آفاقا أوسع للتعاون الفني والاستثماري، ويدعم التنمية المستدامة للقطاع البحري، إلى جانب تعزيز الأمن الغذائي في المنطقة.
رهان على إنقاذ الفلاحة وتحقيق الأمن الغذائي
وفي السياق ذاته، أكد الخبير في المجال الفلاحي أنيس بن ريانة، في حديث لـ"سبوتنيك"، أن "تأمين مستقبل الموارد المائية عبر استغلال هذا الخزان الجوفي المشترك يجب أن يتم وفق مقاربة مستدامة، تراعي الحاجيات المائية المحددة لكل دولة من الدول الثلاث وتضمن عدم استنزاف هذه الثروة الاستراتيجية".
وأضاف: "تونس يمكنها توظيف هذا التعاون المائي لتعزيز قطاعها الفلاحي، باعتباره من أبرز القطاعات الحيوية في البلاد وأكثرها ارتباطًا بالأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي".
وأشار بن ريانة إلى أن "الكثير من الدراسات تُظهر أن نحو 60 بالمائة من صغار الفلاحين في المناطق الداخلية يواجهون صعوبات كبيرة بسبب نقص المياه، وهو ما يتسبب في خسائر متكررة على مستوى الإنتاج ويؤثر في مردودية القطاع الزراعي".
وبحسب بن ريانة، "الدول الثلاث مطالبة اليوم بتحويل هذه الخطوة إلى مسار فعلي للتعاون والتخطيط المشترك، خاصة أنها تواجه تحديات متشابهة تتعلق بالجفاف وارتفاع الطلب على المياه وتراجع الموارد المائية التقليدية".
ووفق تقرير صادر عن البنك الدولي عام 2024، يستهلك القطاع الفلاحي نحو 80 في المئة من الموارد المائية في تونس، في حين تسببت الصناعات الاستخراجية في منطقة الحوض المنجمي في تلوث ما يقارب 15 في المئة من المياه الجوفية.