حيث اعتبروا أن هذه الخطوة من شأنها تعزيز تدفقات التجارة والخدمات اللوجستية بين ضفتي البحر المتوسط والسوق الليبية، إلى جانب دعم تموقع تونس كمحور عبور إقليمي بين أوروبا وإفريقيا.
وشهد ميناء جرجيس، جنوب شرقي البلاد، في السادس والعشرين من الشهر الماضي، رسو أول سفينة حاويات إيذانًا بإطلاق أول خط بحري دولي منتظم لنقل البضائع، يربط بين مينائي جرجيس ورادس، إلى جانب مينائي جويا تاورو الإيطالي وطرابلس الليبي.
واستقبل الميناء نحو 407 حاويات فارغة سيتم تسليمها للحرفاء، على أن يعاد شحنها عبر الميناء قبل منتصف الشهر الجاري، في خطوة اعتُبرت مؤشرا أوليا على انطلاق نشاط تجاري ولوجستي جديد بالمنطقة.
وكان وزير النقل التونسي، رشيد عمري، قد أعلن في كلمة ألقاها مؤخرا أمام البرلمان، عن بدء تشغيل الخط البحري الرابط بين تونس وليبيا وإيطاليا يوم السادس والعشرين من أبريل/نيسان الماضي، مشيرا إلى أن هذه الخطوة تندرج ضمن إستراتيجية تونس لتنويع موانئها التجارية وتقليص الضغط على الموانئ الرئيسية، وخاصة ميناء رادس الذي يعاني منذ سنوات من الاكتظاظ وتأخيرات في مناولة البضائع.
وتسعى الحكومة التونسية إلى استغلال الموقع الجغرافي الاستراتيجي لمدينة جرجيس، القريبة من ليبيا والواقعة على مفترق طرق بحرية مهمة، لتحويلها إلى بوابة لوجستية نحو الأسواق الليبية والإفريقية، بما يدعم حركة التبادل التجاري الإقليمي ويعزز تنافسية الموانئ التونسية في المنطقة المتوسطية.
وحدة مغاربية بحرية
وفي هذا السياق، أكدت رئيسة الكتلة البحرية التونسية آمنة السحلبجي، في حديث مع "سبوتنيك"، أن "الكتلة البحرية التونسية ترتبط بعديد الاتفاقيات مع الكتلتين البحريتين الليبية والموريتانية، موضحة أن "التوجه البحري التونسي هو توجه مغاربي بالأساس ويهدف إلى تكريس التعاون البحري الإقليمي والانفتاح على الشراكات الأوروبية".
وأضافت أن الخط البحري الرابط بين تونس وإيطاليا وليبيا جاء بطلب من التجار في مدينة جرجيس، بهدف تسهيل تصدير السلع والانفتاح على الأسواق الخارجية، مشيرة إلى أن الخط سيعتمد رحلات منتظمة بمعدل رحلة أسبوعية كل يوم أحد.
كما بينت أن المشروع يركز أساسًا على نقل الحاويات، غير أن الرؤية، وفق تعبيرها، "تتجاوز مجرد النقل البحري التقليدي لتشمل سلسلة لوجستية متكاملة، قادرة على خلق ديناميكية اقتصادية وتجارية جديدة".
وأعربت السحلبجي عن أملها في أن تتحول هذه الخطوط إلى شبكات بحرية إقليمية تربط بين عدد من بلدان المنطقة، بما يسهم في تسهيل المبادلات التجارية وتطوير الاقتصاد البحري المغاربي.
ولفتت إلى وجود نقاشات متواصلة مع الجانب الليبي لإطلاق خطوط بحرية جديدة، مع مراعاة قدرات البنية التحتية للموانئ التونسية ومدى جاهزيتها لاستقبال تجهيزات ومعدات إضافية.
وترى رئيسة الكتلة البحرية أن تطوير الخطوط البحرية يجب أن يتم في إطار رؤية شاملة ومنتظمة حتى يساهم فعليًا في خلق "حركة تجارية نشطة ومستدامة".
نحو تحويل الجنوب التونسي إلى منصة لوجستية
من جانبه، اعتبر الخبير الاقتصادي ماهر قعيدة، في تصريح لـ"سبوتنيك"، أن إطلاق هذا الخط البحري الدولي المنتظم الذي يربط جرجيس بليبيا وإيطاليا يمثل "تحولا هيكليا" يتجاوز مجرد إضافة مسار شحن جديد.
وقال: "نحن أمام محاولة لكسر مركزية الموانئ في تونس وتحويل الجنوب الشرقي من منطقة عبور إلى منصة لوجستية دولية قادرة على استقطاب الاستثمارات والأنشطة التجارية".
وأضاف أن تفعيل "المثلث الاقتصادي الناشئ" الرابط بين جرجيس جنوبي تونس وزوارة وطرابلس والموانئ الإيطالية، يهدف إلى خلق تكامل اقتصادي جديد يقلل من الاعتماد على ميناء رادس الذي يعاني باستمرار من الاكتظاظ وتعطل الخدمات.
وأشار قعيدة، إلى أن الخط الجديد من شأنه تقليص مخاطر النقل البري وخفض تكاليف التأمين والشحن، فضلًا عن تحويل جرجيس إلى "ميناء خلفي" لتزويد السوق الليبية بالسلع الأوروبية والتونسية.
ويرى الخبير الاقتصادي، أن التحولات التي شهدتها التجارة الدولية بعد الأزمات العالمية الأخيرة دفعت نحو تعزيز التجارة القائمة على المسافات القصيرة وسلاسل التوريد القريبة، معتبرا أن "هذا الخط يضع تونس في قلب هذا التوجه، خاصة في ظل مكانة إيطاليا كشريك تجاري أول لتونس".
جذب الاستثمارات وتنشيط التصدير
وأوضح الخبير الاقتصادي، ماهر قعيدة، أن إطلاق الخط البحري الدولي يأتي أيضا في إطار تنشيط الحركة التجارية ودعم النشاط الاقتصادي في الجنوب الشرقي لتونس، استجابة لاحتياجات الشركات المصدرة العاملة بالمنطقة.
وبحسب الخبير الاقتصادي، فإن المشروع يعزز دور تونس كمركز عبور إقليمي بين أوروبا وإفريقيا، كما سيساهم في تخفيض ما يعرف بـ"تكلفة الميل الأخير" بنسبة قد تصل إلى ما بين 15 و20 بالمائة بالنسبة للمصدرين في الجنوب التونسي، باعتبار أنهم لن يضطروا إلى نقل بضائعهم نحو موانئ الشمال مثل سوسة أو رادس.
وأضاف أن الخط الجديد قد يحول ميناء جرجيس من "ميناء خدمات" إلى منطقة لوجستية حقيقية قادرة على استقطاب صناعات تحويلية ومشاريع مرتبطة بالنقل والتخزين والتصدير.
كما اعتبر قعيدة أن هذه الخطوة تمثل "رسالة طمأنة" للمستثمرين الليبيين الباحثين عن قواعد لوجستية مستقرة وآمنة في تونس لإدارة عملياتهم التجارية والدولية.
وأشار كذلك إلى أن هذا "الإنجاز البحري" سيساعد على تسهيل تصدير المنتجات الفلاحية، مثل زيت الزيتون والتمور، إضافة إلى المنتجات المنجمية القادمة من الجنوب التونسي، نحو الأسواق الأوروبية بشكل مباشر، ودون المرور بمسارات لوجستية معقدة أو مكلفة.