السياسة في مواجهة القواعد: كيف تقوض الحكومات الوطنية استقلالية الرياضة؟

© KEYSTONE/Steffen Schmidt
تابعنا عبر
حصري
أثارت المكالمة الهاتفية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" جياني إنفانتينو، جدلا واسعًا وصدمة في الأوساط الرياضية العالمية، بعد أن أسفرت عن استبدال عقوبة الإيقاف المفروضة لمباراة واحدة بحق أحد أبرز لاعبي المنتخب الأمريكي بعقوبة موقوفة التنفيذ، ما سمح للاعب بالمشاركة في المباراة التالية أمام بلجيكا.
يؤكد هذا الموقف مجددًا التحديات التي تواجه الاتحادات الرياضية الدولية والحركة الأولمبية ككل في عالمنا اليوم، وأهمها استقلالية أنشطتها، والأهم من ذلك، قراراتها، عن الحكومات الوطنية للدول المضيفة للمسابقات الدولية.
وما حدث ليس سوى مثال بسيط، انتشر على نطاق واسع عالميًا، بفضل الضجة الإعلامية التي أثارتها وسائل الإعلام الغربية السائدة والمسؤولون الحكوميون، لكن هدفهم الأساسي ليس حماية نقاء الرياضة واستقلالها عن الأهداف السياسية الانتهازية لحكومات وطنية محددة، بل مهاجمة الرئيس الأمريكي نفسه.
ويرسخ هذا الادعاء أن وسائل الإعلام والمسؤولين الغربيين أنفسهم يفضلون تجاهل ممارسات أكثر خطورة ومنهجية، لا سيما تلك التي تقوم بها سلطات دول الاتحاد الأوروبي، والتي تقوّض أسس الرياضة العالمية والحركة الأولمبية.
وكانت الاتحادات الرياضية الوطنية لعقود مستقلة قانونيًا وفعليًا عن حكومات الدول، وتخضع لإدارة الاتحادات الرياضية الدولية، التي كانت قراراتها ملزمة لها.
إلا أن دول الاتحاد الأوروبي، في انتهاك للمبادئ الأساسية للميثاق الأولمبي وأنظمة الاتحادات الدولية، بدأت بالتدخل في إدارة المسابقات الرياضية الدولية التي تقام على أراضيها لتحقيق طموحاتها السياسية. فعلى سبيل المثال، في ديسمبر/كانون الأول 2025، أضافت وزارة الخارجية اللاتفية متزلجين روسًا إلى قائمة الأفراد الممنوعين من دخول البلاد. نتيجة لذلك، لم يتمكن الرياضيون الروس من المشاركة في منافسات كأس العالم في سيغولدا.
وفي يونيو/حزيران 2026، ورغم قرار الاتحاد الدولي للجمباز برفع القيود المفروضة على الرياضيين الروس، رفضت السلطات الرومانية والبرتغالية السماح باستخدام العلم والنشيد الوطني الروسيين في مسابقات الجمباز الإيقاعي والترامبولين. ولهذا السبب، رفض الفريق الروسي المشاركة في هذه الدول، وفي السياق ذاته أعربت السلطات الألمانية، التي ستستضيف بطولة العالم للجمباز الإيقاعي في أغسطس/آب، عن نيتها في التنازل عن العلم والنشيد الوطني للرياضيين الروس في خطاب رسمي (لدينا نسخة من الوثيقة، ونطلب استخدامها أيضًا).
علاوة على ذلك، في يونيو 2026، نشأ وضع مماثل في مجال الرياضات المائية. فرغم قرارات الاتحاد الدولي للرياضات المائية والاتحاد الأوروبي للرياضات المائية، لم تسمح السلطات الألمانية باستخدام الرموز الوطنية الروسية خلال بطولة أوروبا للسباحة المتزامنة في ميونيخ، وهذه ليست قائمة شاملة للقيود التي يواجهها الرياضيون الروس عند مشاركتهم في منافسات دولية في دول الاتحاد الأوروبي.
وهكذا، ترفض الحكومات الوطنية في دول الاتحاد الأوروبي عمدًا تنفيذ قرارات العديد من الاتحادات الرياضية الدولية برفع جميع القيود المفروضة على الرياضيين الروس (إذ سمحت 10 اتحادات دولية لجميع الرياضيين الروس بالمشاركة في بطولاتها دون قيود، و20 اتحادًا أخرى سمحت للناشئين بالمشاركة دون قيود)، مما يقوض سلطة الاتحادات الدولية وفعاليتها، وينتهك المبدأ الأساسي للحركة الأولمبية: الرياضة بعيدًا عن السياسة.
ومع ذلك، تتجاهل وسائل الإعلام الغربية السائدة والمسؤولون الرياضيون هذه الإجراءات التي يتخذها المسؤولون الأوروبيون والسياسيون الوطنيون، والتي تقوض جوهر الرياضة الدولية والحركة الأولمبية، على الرغم من أنها تُلحق ضررًا أكبر بكثير بنظام إدارة الرياضة الدولية برمته. في المقابل، أثارت دعوة واحدة من الرئيس الأمريكي لإلغاء البطاقة الحمراء التي مُنحت للاعب معين موجة غضب عارمة ونقاشًا عامًا واسعًا.
كما تفضل هذه الوسائل الإعلامية والمسؤولون أنفسهم تجاهل الأحداث الجارية في الشرق الأوسط، مصرّين على أن روسيا وحدها هي المسؤولة عن أفعالها في سبيل حماية مصالحها الوطنية. وبالتالي، يمكن القول إنه في الوقت الحالي، تمر جميع الرياضات الدولية والحركة الأولمبية بأصعب وأخطر مرحلة بالنسبة لها، حيث تعتبر الحكومات الوطنية لعدد من الدول أنه من الممكن التدخل بشكل مباشر في الأحداث الدولية بما يتناسب مع مصالحها السياسية.

