حوض قابس- طرابلس... هل تفتح عطاءات 2026 باب الاستثمار في الثروة النفطية؟

© Photo / Unsplash/ David Thielen
تابعنا عبر
حصري
لم يعد التحرك الطاقي في منطقة الجرف القاري حكرا على الحقول الليبية الخالصة، بل يمتد اليوم إلى آفاق أرحب من التعاون الثنائي مع تونس، عبر إطلاق جولة عطاءات دولية ضخمة للتنقيب والتطوير في حوض "قابس-طرابلس" الاستراتيجي.
وتقود هذا التحرك شركة الاستكشاف والاستغلال والخدمات البترولية المشتركة "جوينت أويل" (Joint Oil) المملوكة مناصفة بين المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية (ETAP) وشركة "أولى إنرجي القابضة" الليبية.
وتستهدف هذه الخطوة جذب كبرى الشركات العالمية لاستغلال المربع الاستكشافي المشترك الذي يمتد على مساحة شاسعة تصل إلى 3 آلاف كيلومتر مربع، ويضم 5 مواقع واعدة وعالية المؤشرات الجيولوجية، من أبرزها مواقع "فيصل"، "هدف"، و"سراج"، بإجمالي موارد محتملة ضخمة تفوق 1.6 مليار برميل من النفط و3.1 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي.
وفي سياق التحضيرات اللوجستية والفنية لتأمين نجاح هذه الخطوة الاستثمارية، أعلنت شركة "جوينت أويل" عن التحديث الرسمي للجدول الزمني المنظم لتلقي العروض وفرزها. وحسب الأجندة المعتمدة، فمن المقرر أن يُفتح باب تقديم العروض رسميا أمام الشركات الدولية في السابع من أيلول/سبتمبر المقبل، على أن تستمر فترة استقبال الملفات وتقييمها حتى إغلاق الباب في نهاية الشهر.
وتمنح هذه النافذة الزمنية المستثمرين فرصة كافية لدراسة البيانات الجيوفيزيائية المتاحة، تمهيدا للإعلان عن النتائج الرسمية والترسية النهائية للعقود بحلول 30 أبريل/نيسان 2027، مما يمهد الطريق لبدء عمليات الحفر الفعلي والتطوير مع مطلع النصف الثاني من العام نفسه.
وتتجه بوصلة الاهتمام التونسي ضمن جولة العطاءات الحالية نحو حقل "الزارات" المشترك، الذي يربط جغرافيا وهيكليا الحدود البحرية بين تونس وليبيا.
وتُعول الدوائر الاقتصادية التونسية على هذا الحقل غير المطور كطوق نجاة حقيقي لتخفيف معاناتها المزمنة من التبعية الطاقية وعجز الموازنة العامة. إذ تشير التقديرات الفنية إلى احتواء الحقل على قدرات كامنة تُقدر بنحو 266 مليون برميل من النفط والمكثفات، إضافة إلى 1.1 تريليون قدم مكعبة من الغاز.
ورغم أن الجدوى الاقتصادية لتطوير هذا الحوض تتطلب ضخ استثمارات رأسمالية ضخمة تتراوح بين مليار وملياري دولار، إلا أن نجاح الشراكة مع المستثمرين الدوليين سيضمن لتونس تأمين إنتاج يومي مستقر يُناهز 20 ألف برميل، وهو ما يمثل تحولا جذريا لملف الجرف القاري من مربع النزاع القانوني القديم إلى واحة استثمارية تحقق التنمية المستدامة والسيادة الطاقية لكلا البلدين الجارين.
خطوة جدية لتطوير الاستكشاف
ويؤكد الخبير والمحكم الدولي في الطاقة والثروات الباطنية رضا مأمون، في تصريح لـ"سبوتنيك"، أن أهمية هذه الجولة لا تنبع فقط من كونها فرصة استثمارية جديدة، وإنما من المؤشرات التي راكمتها أعمال الاستكشاف السابقة في منطقة الجرف القاري وخليج قابس.
وأوضح مأمون، أن المنطقة التي تشرف عليها الشركة التونسية الليبية وتضم حقل "الزارات"، سبق أن شهدت عمليات استكشاف ورخصا نفطية تولتها شركات دولية معروفة، من بينها شركة "كوسموس"، قبل أن تنسحب لأسباب فنية. ويرى أن هذه الأعمال الاستكشافية أكدت وجود مؤشرات مهمة على الموارد الهيدروكربونية في المنطقة، سواء من النفط أو الغاز.
وأضاف مأمون إن "الإمكانات متوفرة، لكن تطويرها يتطلب استثمارات كبرى"، باعتبار أن الأمر يتعلق بالتنقيب والاستغلال في منطقة بحرية، وهو ما يفرض تقنيات متقدمة وكلفة أعلى مقارنة بالحقول البرية.
وفي هذا السياق، يعتبر الخبير أن إطلاق جولة العطاءات يمثل "خطوة جدية لتطوير الاستكشاف"، إذ من المنتظر أن تفتح المنافسة أمام شركات تمتلك الإمكانات المالية والفنية الضرورية للعمل في المياه البحرية، وخاصة الشركات التي راكمت خبرة في مجال التنقيب والحفر في البحر.
ويشير مأمون إلى أن نجاح هذه المرحلة لن يرتبط فقط بتمويل عمليات الحفر، بل يتطلب أيضا توفير تقنيات متخصصة في البحث والاستكشاف، والحفر والصيانة، إلى جانب التجهيزات اللازمة لمعالجة أي تداعيات محتملة للعمليات في البيئة البحرية.
وبحسب تقديره، فإن المؤشرات المتوفرة تجعل المنطقة ذات أهمية استراتيجية بالنسبة إلى تونس وليبيا، قائلا إن "المنطقة غنية وتحتوي على احتياطيات نفطية هائلة تبلغ مليارات البراميل وتريليونات الأقدام المكعبة من الغاز". لكنه يلفت في المقابل إلى أن وجود الموارد المحتملة لا يعني بالضرورة سهولة استخراجها، فالتحدي الحقيقي، وفق رأيه، يكمن في تحويل هذه الإمكانات الجيولوجية إلى إنتاج تجاري فعلي.
ويخلص مأمون إلى أن العامل الحاسم في المرحلة المقبلة سيكون قدرة المستثمرين على توفير التكنولوجيا والتمويل والخبرة اللازمة لتطوير الحقول البحرية، خاصة أن الانتقال من مرحلة الاستكشاف إلى الإنتاج يتطلب استثمارات طويلة الأمد وبنية تقنية متخصصة.
وفي المقابل، يلفت الخبير في الطاقة والمحروقات محمد غازي بن جميع، في تصريح لـ"سبوتنيك"، إلى أن الصورة تبدو أكثر تعقيدا عند الانتقال من الحديث عن الإمكانات الجيولوجية إلى إمكانية تطوير الحقل فعليا.
وأوضح بن جميع أن المنطقة المعنية تقع ضمن الجرف القاري، وأن الحقل اكتُشف منذ أكثر من 20 عاما، لكنها بقيت إلى اليوم في حاجة إلى مزيد من أعمال الاستكشاف لتحديد حجمها الحقيقي ومدى جدواها الاقتصادية.
وتتوزع المنطقة، وفق الخبير، بين رخصتين: الأولى تعود إلى شركة "جوينت أويل"، وهي الشركة المشتركة بين تونس وليبيا، والثانية هي رخصة "زارات" التابعة للمؤسسة التونسية للأنشطة البترولية.
وأضاف: "هذا يعني أن جولة العطاءات لا تتعلق بمجرد البحث عن مستثمر، وإنما تهدف إلى استقطاب شركات أجنبية قادرة على تولي مرحلتين مترابطتين :استكشاف الحقل ثم تطويره في حال ثبوت جدواه الاقتصادية".
ويؤكد بن جميع أن حجم الحقل لا يزال غير محسوم بشكل نهائي، باعتبار أن الأمر يتطلب حفر آبار إضافية للتأكد من امتداده وحجم احتياطياته. لذلك، فإن المعطيات المتداولة حول وجود احتياطات ضخمة، وإن كانت تستند إلى مؤشرات استكشافية، لا تكفي وحدها، وفق تقديره، للجزم بالحجم التجاري النهائي للحقل.
ويشير الخبير إلى أن المنطقة سبق أن استقطبت اهتمام عدد من الشركات خلال جولات وعروض سابقة، إلا أن الإشكال الأساسي "يتمثل في كون الحقل يمتد بين رخصتين مختلفتين". ولذلك، يرى بن جميع أن أي مستثمر يريد تطويره سيكون مطالبا بالتعامل مع الرخصتين معا، أي "جوينت أويل" ورخصة "زارات"، حتى يتمكن من استغلال الحقل كوحدة متكاملة.
ويعتبر بن جميع أن هذه الوضعية تمثل أحد أبرز العوائق أمام تطوير الحقل، خاصة أن الرخصتين تخضعان لأطر قانونية مختلفة، بالنظر إلى ارتباطهما بمنطقة تتقاسمها دولتان، تونس وليبيا. ويقول إن هذا التعقيد القانوني والمؤسساتي، إلى جانب عوامل أخرى، ساهم في تأخير الانتقال من مرحلة الاستكشاف إلى مرحلة التطوير.
إمكانات مالية ضخمة
ولا يقتصر التحدي، بحسب الخبير غازي بن جميع، على الجانب القانوني، إذ إن تطوير حقل بحري بهذا الحجم يحتاج إلى استثمارات ضخمة، مشيرا إلى أن كلفة المرحلة الأولى من التطوير تقدر بنحو 1.5 مليار دولار، مع الحاجة إلى اعتمادات إضافية لاستكمال المراحل اللاحقة، وهو ما يجعل المشروع رهينا بقدرة المستثمرين على تحمل كلفة طويلة الأمد واستثمارات مرتفعة المخاطر.
أما بشأن التقديرات التي تتحدث عن احتياطات تصل إلى مليارات البراميل من النفط وتريليونات الأقدام المكعبة من الغاز، فيرى بن جميع أن هذه الأرقام تعكس الإمكانات التي يمكن أن تراهن عليها الدول، لكن "على أرض الواقع"، كما يوضح، تبقى عملية الاستخراج نفسها مكلفة للغاية بسبب الموقع البحري للحقل.
ويضيف أن "وجود الحقل في منطقة حدودية تتقاسمها رخصتان يزيد من تعقيد عملية تطويره"، معتبرا أن الجمع بين ارتفاع كلفة الاستغلال البحري وتعقيد الوضع القانوني للرخص يمثلان عاملين حاسمين في تحديد مستقبل المشروع. وبالتالي، فإن التحدي بالنسبة إلى تونس وليبيا لا يتمثل فقط في إثبات وجود النفط والغاز، وإنما في إيجاد الصيغة القانونية والمالية والتقنية التي تسمح بتحويل هذه الإمكانات إلى مشروع قابل للتطوير والإنتاج.







