هل يمكن للكهرباء أن تعلم الحبل الشوكي المشي من جديد؟ علماء وظائف الأعضاء الروس يجيبون

© Photo / unsplash/ Tegan Mierle
تابعنا عبر
أمضى باحثون في معهد "إيفان بافلوف" لعلم وظائف الأعضاء التابع للأكاديمية الروسية للعلوم عقودًا في الكشف عن الشبكات العصبية داخل الحبل الشوكي القادرة على توليد الإيقاع الأساسي للمشي حتى عند اضطراب الإشارات من الدماغ بشدة.
تُفعّل تقنية التحفيز الكهربائي غير الجراحية التي طوروها عدة مستويات من الحبل الشوكي في آنٍ واحد، وفي دراسات حديثة، تمكن حتى الأشخاص الذين يعانون من إصابات كاملة في الحبل الشوكي من أداء حركات خطو منسقة بأقل قدر من الدعم.
لا يُصلح هذا النهج الحبل الشوكي المتضرر، ولكن في حال بقاء الشبكات الحركية سليمة، يمكن أن يعمل التحفيز كـ"محرك إيقاع" اصطناعي، ما يفتح آفاقًا واعدة لإعادة التأهيل العصبي في المستقبل.
يبدأ المشي في الدماغ.. لكن للحبل الشوكي إيقاعه الخاص
يبدو المشي وكأنه حركة يتحكم بها الدماغ خطوة بخطوة، ومع ذلك، يحتوي الجهاز العصبي على درجة ملحوظة من الأتمتة.
حيث يحتوي الحبل الشوكي على شبكات من الخلايا العصبية البينية تُعرف باسم مولدات النمط المركزي (CPGs)، والتي تُنتج الأوامر الإيقاعية المتكررة اللازمة للمشي. لسنوات عديدة، ظل وجودها لدى البشر غير مؤكد، لأن معظم الأدلة المباشرة كانت مستمدة من الدراسات على الحيوانات.
وقد جعل "مختبر فسيولوجيا الحركة في معهد إيفان بافلوف لعلم وظائف الأعضاء التابع للأكاديمية الروسية للعلوم، والذي يرأسه منذ عام 1995 "يوري بتروفيتش غيراسيمينكو"، العضو المناظر في الأكاديمية الروسية للعلوم، الحاصل على دكتوراه في العلوم البيولوجية وأستاذ جامعي، هذه الشبكات الشوكية محورًا رئيسيًا لأبحاثه.
وظهرت نتيجة حاسمة في أواخر التسعينيات
ففي دراسة أجريت عام 1998، أظهر "غيراسيمينكو"، بالتعاون مع "ديميترييفيتش" و" بينتر"، أن التحفيز الكهربائي فوق الجافية لدى الأشخاص المصابين بإصابات في الحبل الشوكي يمكن أن يُحفز نشاطًا كهربائيًا شبيهًا بالخطوات في العضلات وأنماطًا حركية منسقة.
والمنطقة فوق الجافية، هي المكان خارج الغشاء الليفي السميك الخارجي الذي يغلّف النخاع الشوكي وداخل القناة الفقرية، غني بالأوعية الدموية والنسيج الدهني.
قدّم ذلك دليلاً قوياً على أن الشبكات العصبية الشوكية المسؤولة عن المشي قادرة على البقاء بعد الشلل، ويمكن تنشيطها اصطناعياً.
من الأقطاب المزروعة إلى التحفيز عبر الجلد
يُمكن للتحفيز فوق الجافية أن يُحدث تأثيرات مهمة، خاصةً عند دمجه مع تدريب الحركة، ولكنه يتطلب زرع أقطاب كهربائية، مما يجعل العملية مكلفة، ومعقدة تقنياً، وتعتمد على الجراحة. لذلك، سعى فريق معهد بافلوف إلى إيجاد بديل أقل توغلاً.
في عام 2014، وتحت قيادة غيراسيمينكو، ابتكر المختبر ما وصفه المصدر بأنه أول جهاز في العالم للتحفيز الكهربائي غير الجراحي عبر الجلد للحبل الشوكي، وبدلاً من زرع الأقطاب الكهربائية، يتم توصيل التحفيز من خلال أقطاب توضع على الجلد فوق العمود الفقري.
أظهر تطبيق التيار الكهربائي حول مستوى الفقرتين الصدريتين الحادية عشرة والثانية عشرة (T11-T12) تنشيط الشبكات العصبية الشوكية المسؤولة عن المشي، ما يوفر إشارة خارجية فعالة في المناطق التي فُقدت فيها الإشارات الطبيعية من الدماغ.
وصف جيراسيمينكو هذا التطور بأنه ثوري لأنه وفر أداة يمكن استخدامها لدراسة التنظيم الأساسي للحركة، ودعم إعادة التأهيل لدى الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات في الجهاز الحركي، وذلك من خلال الأطباء.
لماذا لم يكن تحفيز نقطة واحدة كافيًا؟
اكتشف الباحثون لاحقًا أن المشي المنسق يعتمد على أكثر من مجرد تنشيط منطقة واحدة في العمود الفقري.
يستخدم نهجهم الأحدث "تحفيزًا متعدد المستويات والأنماط"، حيث توضع أقطاب كهربائية على الجلد في أربعة مواقع رئيسية، يساهم كل مستوى بشيء مختلف:
مستوى"C3-C4 في منطقة الرقبة" يساعد على استعادة التواصل مع مستويات العمود الفقري الأعلى ويدعم التنسيق بين الأطراف.
مستوى"T11-T12" ينشط الشبكة المركزية التي تولد إيقاع الخطوة.
مستوى"L2" يساعد على تنظيم النشاط المتناوب لعضلات الثني والبسط خلال مراحل مختلفة من الخطوة.
مستوى "Co1" بالقرب من العصعص، يعمل كمنظم قوي للنظام ككل.
أتاح دمج هذه الإشارات للباحثين تجاوز الانقباضات العضلية المنفردة، وإنتاج أنماط حركية أكثر اكتمالًا وتناسقًا وسلاسة.
تُجرى حاليًا تجارب سريرية على هذه التقنية، بما في ذلك على المتعافين من السكتة الدماغية، كما تمكن الباحثون من دمج تحفيز الحبل الشوكي وجذور الأعصاب والعضلات للتأثير على المشي.
ظهور خطوات متناسقة دون أشهر من التدريب المسبق
جاءت بعض النتائج اللافتة للنظر من أشخاص مصابين بإصابات كاملة في الحبل الشوكي، وهي فئة كان يُعتقد سابقًا أن فرص استعادة الحركة الإرادية لديهم محدودة للغاية.
أفادت دراسة نُشرت في مجلة "ناشيونال ساينس ريفيو" صيف عام 2025 أن التحفيز متعدد المستويات يمكن أن يُحفز النشاط الحركي فورًا، بدلًا من الانتظار لفترات طويلة من التدريب الحركي المتكرر، حيث تمكن المرضى الذين لم يخضعوا لتدريب حركي من قبل، أثناء تلقيهم التحفيز الكهربائي، من أداء حركات خطو منسقة بأقل قدر من الدعم.
لا يعني هذا أن التحفيز الكهربائي يشفي الحبل الشوكي المقطوع أو يعيد المشي الطبيعي فورًا. تكمن أهميته في أن الآلية العصبية اللازمة لتنظيم الخطو قد تبقى أحيانًا فعّالة أسفل موضع الإصابة، حتى عندما يعجز الشخص عن تنشيطها إراديًا، ويمكن للتحفيز الكهربائي أن يساعد في تنشيط هذه الشبكة.
الشلل الكامل لا يعني بالضرورة تدمير جميع المسارات العصبية
غيّر هذا التمييز طريقة تفكير الباحثين في إصابات الحبل الشوكي الشديدة، في الماضي، كان يُفسَّر عدم القدرة على تحريك الساقين إراديًا على أنه دليل على انقطاع الحبل الشوكي بشكل كامل.
يؤكد الباحثون الآن أن الانقطاع، في كثير من الحالات، قد يكون وظيفيًا أو فسيولوجيًا وليس تشريحيًا بالكامل. قد تبقى بعض المسارات الناقلة سليمة ولكنها غير نشطة، ويمكن للتورم الشديد أن يعيق انتقال الإشارات عبر الحبل الشوكي مؤقتًا
لذا، قد يُساعد التحفيز الكهربائي في إعادة تنشيط المسارات والشبكات العصبية السليمة التي لم يعد الدماغ قادرًا على الوصول إليها بكفاءة بمفرده.لكن تعتمد هذه الطريقة على سلامة الشبكة العصبية الحركية نفسها.
في حال حدوث إصابة في النخاع الشوكي العنقي أو الصدري، قد تبقى الشبكات في التضخم القطني سليمة رغم فقدان التواصل مع الدماغ، مما يسمح للتحفيز بالعمل كمحفز إيقاع اصطناعي، لكن إذا أدت الإصابة إلى تدمير البنى العصبية القطنية المسؤولة عن الحركة بشكل مباشر، فإن فرص استعادة الحركة عبر هذه الآلية تكون أقل بكثير.
اتجاه جديد لإعادة التأهيل العصبي
يُبدي غيراسيمينكو تفاؤلًا بشأن هذه التقنية، ولا سيما قدرتها على تنشيط التآزر العضلي المنسق وبدء حركات كاملة، ولكنه يُشدد أيضًا على أن اعتمادها سريريًا على نطاق أوسع يتطلب تأكيدًا وفقًا لمعايير الطب المبني على البراهين.
وتعتبر النتائج إثبات أن البرنامج البيولوجي للمشي قد يظل موجودًا داخل الحبل الشوكي لدى بعض الأشخاص الذين يعانون من إصابات شديدة فيه، وإن كان منفصلًا ولكنه ليس بالضرورة مدمرًا، ومن خلال تعلم كيفية تنشيط وتنسيق هذه الشبكات المتبقية من خارج الجسم، يبني الباحثون أساسًا جديدًا لإعادة التأهيل العصبي، حيث لا تحل الكهرباء محل الجهاز العصبي، بل تساعده على استخدام القدرات التي قد لا تزال موجودة.



