ما العقبات أمام دعوة "ترامب" لاستئناف مفاوضات "سد النهضة" بين إثيوبيا ومصر والسودان؟

وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الجمعة الماضية، رسالة مكتوبة إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أشاد فيها بدور القاهرة في التوسط للتوصل إلى وقف لإطلاق النار بين إسرائيل وحركة "حماس".
Sputnik
وأعرب ترامب في رسالته، التي نشرها الإعلام المصري، عن استعداده لاستئناف الوساطة الأمريكية بين مصر وإثيوبيا من أجل حسم ملف تقاسم مياه النيل وخفض التوتر المرتبط بسد النهضة، مشيرا إلى أن نسخا من الرسالة وجهت إلى قادة كل من السعودية والإمارات وإثيوبيا والسودان.
وشدد ترامب على أن الولايات المتحدة ترى أنه لا ينبغي لأي دولة أن تفرض سيطرة أحادية على موارد نهر النيل بما يضر بدول الجوار، معربا عن اعتقاده بإمكانية التوصل إلى اتفاق دائم عبر مفاوضات عادلة وشفافة، مدعومة بخبرة فنية ودور أمريكي فاعل في المراقبة والتنسيق بين الأطراف.
وأوضح أن أي نهج ناجح ينبغي أن يضمن تصريفات مائية منتظمة وقابلة للتنبؤ خلال فترات الجفاف لصالح مصر والسودان، مع تمكين إثيوبيا من توليد كميات كبيرة من الكهرباء، يمكن تخصيص جزء منها أو بيعها لمصر والسودان.
بدوره رد الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، على دعوة ترامب، معربا عن تقديره للرسالة التي تلقاها من الرئيس الأمريكي، مؤكدا على أهمية ما أبداه ترامب من اهتمام بقضية نهر النيل، باعتبارها قضية وجودية تمثل شريان الحياة للشعب المصري، مشددا على أن مصر تلتزم نهج التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل، وفق مبادئ القانون الدولي، وبما يحقق المصالح المشتركة ويمنع الإضرار بأي طرف.
من جانبه أعلن رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، السبت الماضي، دعمه لمبادرة ووساطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول مياه النيل.
وقال البرهان، عبر حسابه على منصة "إكس"، إن "الحكومة ترحب وتدعم مبادرة ووساطة الرئيس ترامب حول مياه النيل لإيجاد حلول مستدامة ومرضية تحفظ حقوق الجميع".
ترامب يبعث برسالة مكتوبة إلى الرئيس المصري بشأن سد النهضة

مخاوف مشروعة

بداية يؤكد، الأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية، الخبير المصري في القانون الدولي، الدكتور محمد محمود مهران، "إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يمتلك أوراق ضغط فاعلة وقوية على إثيوبيا قادرة على دفع أديس أبابا للتوقيع على اتفاق ملزم بشأن سد النهضة، لكنه شدد على أن تجنب تكرار سيناريو 2020 يتطلب شروط جديدة أهمها، صلابة الموقف المصري وسرعة التحرك قبل تزايد الأضرار".
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك": "أن توقيت طرح ترامب للوساطة ليس عشوائيا بل يأتي في لحظة حاسمة تتقاطع فيها عدة عوامل استراتيجية، أولها شكر ترامب العلني للرئيس السيسي على دوره المحوري في اتفاق غزة، وثانيها عقب إعلان إثيوبيا اكتمال بناء السد، وثالثها رغبة ترامب في تحقيق إنجازات دبلوماسية كبرى في بداية فترته الثانية لإثبات تفوقه على الإدارات السابقة".
وتابع مهران، "ترامب يمتلك ذاكرة حادة لما حدث عام 2020، عندما انسحبت إثيوبيا في اللحظة الأخيرة من التوقيع على اتفاق كان جاهزا تحت رعاية وزارة الخزانة الأمريكية، مشيرا إلى أن ترامب غضب شخصيا من هذا الانسحاب وحذر أديس أبابا بلغة قوية جدا، مؤكدا أن الرئيس الأمريكي لن يقبل بتكرار السيناريو نفسه وسيكون أكثر حزما هذه المرة".

أوراق ضغط

وحول أوراق الضغط الأمريكية، أكد مهران، "أن إثيوبيا تواجه حاليا أزمة اقتصادية خانقة وديونا سيادية غير مستدامة تتجاوز 70 مليار دولار"، موضحا أن أديس أبابا تحتاج بشكل يائس لدعم من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي، وجميعها مؤسسات تهيمن عليها الولايات المتحدة بشكل كبير وتستطيع واشنطن التأثير على قراراتها.
مصر تكشف عن خسائر "كارثية" بسبب سد النهضة و"تحتفظ بحق المطالبة بالتعويض عنها في المستقبل"
وأشار الخبير الدولي، إلى أن "إدارة ترامب لديها أيضا صندوق الفرص الأمريكية الأول المقترح في موازنة 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار، والذي يمكن استخدامه كورقة ضغط أو كحافز لإثيوبيا مقابل توقيع الاتفاق، لافتا إلى أن المساعدات الخارجية الأمريكية لإثيوبيا والتي تصل لمئات الملايين سنويا يمكن تعليقها أو ربطها بشروط واضحة".
واستطرد: "الولايات المتحدة تستطيع أيضا استخدام قانون النمو والفرص الأفريقية AGOA كورقة ضغط، موضحا أن هذا القانون يمنح الدول الأفريقية إعفاءات جمركية على صادراتها لأمريكا وأن تعليق إثيوبيا من هذا البرنامج سيكون ضربة قاسية لاقتصادها المتعثر أصلا".
وشدد مهران على أن العامل الأهم هو الضغط الزمني، موضحا أن "إثيوبيا أعلنت رسمياً تدشين السد وافتتاحه في سبتمبر الماضي، وأن هذا يعني أن نافذة التفاوض أصبحت ضيقة جدا، مشيرا إلى أن ترامب يدرك تماما أن تشغيل إثيوبيا السد دون اتفاق ملزم يعني تكريس أمر واقع لن يمكن تغييره لاحقا".

شروط حاسمة

وعن كيفية تجنب سيناريو 2020، يقول مهران، "إن هناك ثلاثة شروط حاسمة: الأول هو أن تدخل مصر المفاوضات بخطوط حمراء واضحة وغير قابلة للمساومة تتعلق بضمان حصتها المائية التاريخية 55.5 مليار متر مكعب وزيادتها، وآليات ملزمة لتشغيل السد في أوقات الجفاف، والثاني هو أن يكون هناك ضغط أمريكي حقيقي وليس مجرد وساطة شكلية، والثالث هو سرعة التحرك بحيث يتم التوقيع على اتفاق ملزم للحفاظ على حقوق دولتي الجميع".
رئيس الوزراء المصري: صبرنا مع إثيوبيا ليس ضعفا
وأكد الخبير الدولي، "أن الفارق الجوهري بين 2020 والآن، هو أن ترامب لديه رصيد مع مصر بعد نجاح الوساطة المصرية في غزة، وأنه عين رئيس المخابرات المصرية عضوا في المجلس التنفيذي لغزة، وهو ما يعني أن واشنطن مدينة لمصر وأن الوقت مناسب لرد الجميل"، لافتا إلى أن هذا "يمنح مصر موقفا تفاوضيا أقوى من 2020".

فرصة تاريخية

وحذر الخبير الدولي من أن، "إثيوبيا ستحاول مجددا المماطلة والتسويف، داعيا مصر إلى عدم قبول أي مفاوضات مفتوحة زمنيا وإلى الإصرار على جدول زمني محدد لا يتجاوز ثلاثة أشهر كحد أقصى للتوقيع على اتفاق نهائي، موضحا أن التفاوض الآن أصبح أكثر واقعية لأنه يتعلق بكيفية تشغيل سد موجود بالفعل وليس بمنع بنائه، وهو ما يعني أن إثيوبيا لم تعد قادرة على استخدام ورقة السيادة على بناء السد بل أصبحت ملزمة قانونيا بالتفاوض على قواعد التشغيل التي تحمي حقوق دول المصب".

وقال مهران، "إن تدشين السد في سبتمبر/أيلول 2025 لا يسقط حقوق مصر القانونية، لأن القانون الدولي واضح، بأن دولة المنبع ملزمة بالتفاوض مع دول المصب على قواعد تشغيل السد حتى لو اكتمل بناؤه وتدشينه، مؤكداً أن اتفاقية المجاري المائية الدولية لعام 1997 تلزم دول المنبع بعدم التسبب في ضرر ذي شأن لدول المصب، سواء أثناء البناء أو التشغيل، مشددا علي أن القانون الدولي يدعم بقوة الموقف المصري".

ونوه، إلى أن "المفاوضات الآن تتمحور حول ثلاث نقاط جوهرية: الأولى هي ضمان تدفق مياه كافية لمصر والسودان خاصة في سنوات الجفاف، والثانية هي إنشاء آلية رصد ومراقبة مشتركة لتشغيل السد، والثالثة هي الاتفاق على إجراءات تنسيق مسبقة في حال قررت إثيوبيا بناء سدود إضافية على النيل الأزرق".
ولفت مهران إلى أن "هذه الفرصة المتاحة الآن تاريخية، مشيرا إلى أنها لن تدوم طويلا، محذرا من أن تفويت هذه النافذة الضيقة قد يعني فقدان الخيار الدبلوماسي نهائيا، مؤكدا أن ترامب جاد في عرضه و لديه الأدوات اللازمة، لكن النجاح يتطلب من مصر صلابة وحزم ورفض أي حل لا يحمي حقوقها المائية التاريخية بالكامل، و أي تنازل اليوم سيكون ثمنه باهظا لأجيال قادمة من المصريين".
إثيوبيا ترد على اتهامات مصرية حول تسبب "سد النهضة" في فيضان النيل

مواقف سابقة

من جانبه يقول د.أحمد المفتي، عضو وفد السودان لمياه النيل ومستشاره القانوني السابق، "إن إعلان ترامب مؤخرا، بأنه سوف يتدخل لإقناع إثيوبيا بإبرام اتفاق عادل لسد النهضة، يحقق مصالح السودان، هذه ليست المرة الأولى التي تتوسط فيها أمريكا في أزمة سد النهضة، عندما تعثرت مفاوضات سد النهضة، بعد سنوات من التفاوض، دعت أمريكا الأطراف الثلاثة للمفاوضات في واشنطن بتسهيل منها".
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك": "استمرت تلك المفاوضات لمدة 4 شهور، وفي نهايتها قامت أمريكا بصياغة اتفاقية وطلبت من الأطراف الثلاثة التوقيع عليها، ولقد وقعت مصر عليها، لكن رفضت إثيوبيا التوقيع وانتهت تلك الوساطة الأمريكية، والسبب في هذا الفشل، أن إثيوبيا متمسكة بموقفها الذي أعلنته منذ بدء المفاوضات في العام 2011، وهو أنها صاحبة الحق في التصرف في المياه بمفردها، لأن النيل الأزرق مياه إثيوبية، وسد النهضة إثيوبي ومولته إثيوبيا بمالها الخاص".

وأشار المفتي إلى أن، "أمريكا حاولت الوساطة مرة أخرى بمبعوث خاص عينته، ولكن لم تنجح، لتمسك إثيوبيا بموقفها، ولقد تدخل مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، جميعهم طالبوا إثيوبيا بالتعاون مع السودان ومصر وعدم التصرف آحاديا، لكن لم تغير إثيوبيا موقفها حتى أكملت تشييد السد وملأته وقامت بتشغيله بشكل أحادي".

وتابع: "سبق أن أعلنت أمريكا وفي عهد ترامب، أنها مولت سد النهضة، وأنها بصدد التدخل لصالح مصر، ولكنها لم تفعل شيئا، وواصلت إثيوبيا تصرفاتها الآحادية الي اليوم، على الرغم من تصريحات أديس أبابا بأنها منفتحة على التفاوض، وعدم الإضرار بالسودان ومصر، وتلك كلمات غير جادة ظلت ترددها منذ بداية المفاوضات في العام 2011".

فرص نجاح ترامب

ويعتقد المفتي، "أن تصريح ترامب الأخير حول سد النهضة ومياه النيل وأنه سوف يتدخل للوصول إلى اتفاق يحقق مصالح الدول الثلاثة، ليس أمامه فرصة للنجاح، والحل الوحيد في اعتقادنا والذي ظللنا نردده، هو اتخاذ موقف قوي جدا من قبل السودان ومصر، يجبر اثيوبيا علي التفاوض، مثل المطالبة بالأرض التي يقام عليها السد، لأنها أرض سودانية منحت لإثيوبيا عام 1902، بشرط ألا تقيم عليها منشاة مائية، إلا بعد إخطار حكومة السودان، وإثيوبيا لم تفعل ذلك، لذا فإن الموقف القوي سوف يجبر مجلس الأمن ، على التدخل بموجب الفصل السابع".

البحر مقابل النهر

في المقابل يقول، ياسين أحمد رئيس المعهد الإثيوبي للدبلوماسية الشعبية، "حتى الآن ليس هناك تصريح رسمي من الحكومة الإثيوبية على مبادرة الوساطة الأميركية".
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك": "في ظل الأوضاع الحالية والمتغيرات الإقليمية والدولية، بتقديري أن مبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذه المرة، من الممكن أن تضع حلول جذرية للأزمة بين إثيوبيا ومصر والسودان، شريطة أن الوساطة الاميركية تكون محايدة ولا تنحاز لطرف من الأطراف، وأن تمارس ضغوطا على الدول الثلاث لتقديم تنازلات من أجل التوصل إلى تفاهمات مشتركة أو اتفاق يرضي الأطراف الثلاث، على أساس المصالح الإقليمية والدولية المشتركة".
ما الخطوات القادمة لمصر والسودان بعد إعلان إثيوبيا اكتمال "سد النهضة" ودعوتهما لحضور الافتتاح؟
وأشار أحمد إلى أن "مطلب إثيوبيا أن يكون لها منفذ بحري على البحر الأحمر، هذا بتقديري سيكون من أهم شروطها للدخول في أي مفاوضات من أجل التوصل إلى اتفاق يرضي الأطراف الثلاث".
وتساءل أحمد، "هل أثيوبيا ومصر أمام تفاهمات جديدة (منفذ بحري على البحر الأحمر مقابل مياه نهر النيل)، إذا أرادت مصر أن تحقق بعض المكاسب في ملف سد النهضة، فينبغي عليها أن تدعم مطالب أثيوبيا بالمنفذ البحري على البحر الأحمر أسوة بالإتفاق العراقي التركي (النفط مقابل المياه)، وعليه يمكن التوصل إلى تفاهمات بين أثيوبيا ومصر على أساس (البحر مقابل النهر)".
ويعد سد النهضة أكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ إثيوبيا، ويأتي تدشينه بعد سنوات من الجدل الإقليمي والدولي حول تداعياته على مياه نهر النيل.
وتعتبر مصر أن السد يؤثر سلبًا على حقها التاريخي في مياه النيل، فيما تقول الحكومة الإثيوبية إن "السد سيعزز خطط التنمية وتوليد الطاقة الكهربائية في البلاد".
مناقشة