إعمار الجنوب الليبي: فرص واعدة وتحديات الهجرة العكسية

لطالما شكّل الجنوب الليبي عمقًا جغرافيًا واقتصاديًا مهمًا للبلاد، إلا أنه ظل لسنوات طويلة خارج أولويات التنمية والإعمار، الأمر الذي انعكس سلبًا على مستوى الخدمات الأساسية والبنية التحتية وفرص العمل.
Sputnik
ومع انطلاق مشاريع صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا في مدن ومناطق الجنوب، بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكل، عنوانها معالجة الاختلالات التنموية المتراكمة ومحاولة إنصاف منطقة عانت طويلًا من التهميش.
الهجرة غير النظامية في ليبيا.. بين الضغوط الدولية والواقع المحلي المعقد.. صور
وفي ظل هذا الحراك التنموي المتصاعد، تتزامن الجهود مع بروز ظاهرة الهجرة العكسية، حيث شرع عدد من السكان في العودة إلى مدنهم وقراهم، مدفوعين بتحسن الأوضاع الأمنية وبدء تنفيذ مشاريع الإعمار.
غير أن هذه التحولات تطرح تساؤلات جدية حول قدرة الدولة ومؤسساتها على استيعاب هذه العودة، وضمان استدامتها من خلال توفير مقومات الاستقرار، وفرص العمل، والخدمات، بما يسهم في معالجة جذور التهميش المزمن وتحقيق تنمية عادلة ومتوازنة في الجنوب الليبي.
انطلاقة جديدة

من جانبه، قال المحلل السياسي الليبي سالم أبو خزام، إن مظاهر تهميش الجنوب الليبي بدأت في التراجع خلال المرحلة الحالية، مع انطلاق مشاريع الإعمار التي تمثل ـ على حد وصفه ـ بداية الغيث قطرة، لكنها خطوة مهمة على طريق التصحيح.

واعتبر أبو خزام أن خروج التشكيلات المسلحة من مدن الجنوب شكّل نقطة تحول أساسية، تلاها دخول الجيش وبسط الأمن كخطوة مثلى، وصولًا إلى مناطق مرزق، ما ساهم في تعزيز الاستقرار وتهيئة مناخ للمصالحة المجتمعية.
ليبيا واليونان تبحثان تنسيقا عسكريا للحد من الهجرة غير النظامية وتفعيل التعاون المشترك بين البلدين
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك" أن استرداد البيوت والمزارع إلى أصحابها يعد عملًا فعّالًا وإجراءً جوهريًا أسهم في إعادة الحقوق وبناء الثقة، مؤكدًا أن بدء الإعمار والتنمية يمثل بالفعل خطوة أولى صحيحة على المسار الاستراتيجي للنهوض بالمنطقة.

وأوضح أن ما تحقق حتى الآن يحسب كنجاحات اقتصادية ملموسة في الجنوب، لا سيما مع تحسن فرص العمل مقارنة بالفترة السابقة، نتيجة توفر الأمن، الذي يُعد عاملًا حاسمًا في إعادة الثقة لدى المواطنين.

لكنه شدد في المقابل على أن الطريق لا يزال طويلًا وشاقًا، وما تحقق حتى الآن لا يتعدى كونه قطرات مؤثرة وفعّالة، في وقت ينتظر فيه المواطنون المزيد من الخطوات العملية.
وأكد أبو خزام أنه في حال سارت الأمور بشكل صحيح ومنهجي، فإن الجنوب الليبي قادر على التحول إلى جنة على وجه الأرض، نظرًا لما يزخر به من مشاريع حيوية وإمكانات استراتيجية كبيرة.
المنظمة الدولية للهجرة: إعادة 14 ألف مهاجر إلى ليبيا خلال 2025
وتطرق إلى الهجرة العكسية من الشمال إلى الجنوب، موضحًا أن ضغوط الحياة وغلاء المعيشة في المدن الشمالية تُعد من أبرز أسباب التفكير في العودة، لافتًا إلى أن التحسن الأمني والخدمي الملحوظ في الجنوب يشجع السكان على الرجوع إلى مناطقهم الأصلية، خاصة أن المواطن بطبيعته يألف مسقط رأسه، وهو من الاحتياجات الإنسانية الأساسية.
وأشار إلى أن تنمية الجنوب بشكل متكامل يمكن أن تحقق سبعة أهداف استراتيجية رئيسية، من بينها: إنشاء طريق مزدوج يربط الجنوب بالشمال طرابلس وبنغازي، بناء مطار دولي يربط الجنوب بالعالم الخارجي.
بالإضافة إلى إنشاء مركز طبي متكامل يخدم كامل إقليم الجنوب ويعزز الخدمات الصحية، تأسيس جامعة كبرى متكاملة تخدم أبناء الجنوب، وإنشاء مصرف زراعي ضخم يمنح قروضًا تنموية، باعتبار فزان سلة غذاء قادرة على دعم ليبيا وربما جزء من العالم، وبناء محطة كهرباء فعّالة في فزان، وإعداد محطات للطاقة الشمسية في صحارى فزان، مع توفر الدراسات اللازمة.
ترحيل 103 مصريين من ليبيا بسبب الهجرة غير الشرعية
إضافة إلى إنشاء مصفاة نفط كخيار استراتيجي لتجاوز المختنقات، خاصة في ظل ما تشير إليه الدراسات من وجود مدخرات نفطية هائلة في الإقليم، مؤكدًا على أن هذه المشاريع تمثل مدخلًا حقيقيًا لتنمية مستدامة في الجنوب، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية الشاملة.
موقع استراتيجي
فيما يرى المحلل السياسي الليبي إدريس أحميد، أن ليبيا مرت بمراحل طويلة عانت خلالها من المركزية المفرطة، وظلت تعتمد بشكل أساسي على عائدات النفط التي تُوجَّه للتنمية، إلا أن هذه الأخيرة تعثرت منذ ثمانينيات القرن الماضي، الأمر الذي خلّف تداعيات اقتصادية واجتماعية عميقة أثّرت بشكل مباشر على المجتمع الليبي.

واعتبر أحميد في تصريحات لـ"سبوتنيك"، أن الجنوب الليبي يعد منطقة مهمة وغنية بالثروات الطبيعية، فضلًا عن تمتعه بموقع جغرافي استراتيجي، إلا أنه ظل لفترة طويلة مهددًا أمنيًا.

غير أنه أكد أن القيادة العامة للجيش الليبي حققت إنجازًا كبيرًا تمثل في تأمين الجنوب وبسط السيطرة الأمنية عليه، إضافة إلى تأمين الحدود مع الدول الخمس المجاورة، وذلك في ظل أزمات وانقسام وفوضى سادت البلاد خلال السنوات الماضية.
ليبيا وتشاد تناقشان إعادة فتح الحدود وتعزيز التنسيق الأمني لمكافحة الهجرة والتهريب
وأوضح أنه عند الحديث عن التهميش، فإن الجنوب كان يعاني بالفعل من تهميش كبير، إلا أن الوضع تغيّر في المرحلة الحالية، حيث يشهد الجنوب حراكًا تنمويًا ونهضة في الإعمار بعد تحقق الاستقرار الأمني، وهو ما لقي قبولًا وترحيبًا واسعًا من أهالي المنطقة.
وأضاف أن هناك مشاريع تنموية كبرى يجري تنفيذها، من المتوقع أن يكون لها مردود اقتصادي إيجابي على الجنوب في حال استكمالها، خاصة في مجالات الطرق والمطارات والبنية التحتية.
وأشار أحميد إلى أن الجنوب الليبي يشهد اليوم تحولات لافتة وتغيرًا ملموسًا، مؤكدًا أن هذا الدور التنموي لا يقتصر على الجنوب فحسب، بل يشمل مختلف مناطق ليبيا.
ليبيا تستضيف مؤتمر قادة الاستخبارات لدول الجوار: تعاون إقليمي لمكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية
ولفت إلى أن هذه التنمية تفتح آفاقًا اقتصادية واعدة، من شأنها توفير فرص عمل جديدة وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، خاصة مع انطلاق الأنشطة السياحية الصحراوية، والمسابقات والفعاليات المختلفة، إلى جانب الاهتمام بالبنية التحتية الرياضية.
وأضاف أن الجنوب أصبح اليوم وجهة ومطمحًا للعديد من الليبيين، واصفًا ذلك بأنه مؤشر إيجابي يعكس تحسن الأوضاع. وبيّن أن المنطقة كانت قد شهدت في السابق هجرة واسعة نحو الشمال، إلا أن إطلاق حزمة من المشاريع التنموية، إلى جانب تحسن الوضع الأمني، أسهما في عودة عدد كبير من شباب الجنوب إلى مناطقهم، فضلًا عن استقطاب مواطنين من مناطق الشمال قصدوا الجنوب للعمل في مجالات الزراعة والاستثمار.
وأكد أحميد أن هناك توجهًا دوليًا متزايدًا نحو الاستثمار والمشاريع في الجنوب الليبي، مشيرًا إلى وجود ترحيب واسع بهذا التوجه، ومعتبرًا أن استتباب الأمن كان العامل الأساسي في ذلك، وهو ما يحسب بحسب تعبيره لجهود القيادة العامة للجيش الليبي في فرض الاستقرار وتعزيز الأمن.
مناقشة