"حرب المسيرات".. هل تحسم الصراع أم تفاقم الأوضاع المأساوية للمدنيين في السودان؟

رغم مساعي ومبادرات السلام، فإن حدة الحرب تصاعدت خلال الأيام الماضية في السودان، تزامنا مع استخدام المسيرات بكثافة، التي غالبا ما يكون ضحاياها من المدنيين والأعيان المدنية دون أن تحقق نصرا عسكرا يحسم المواجهة.
Sputnik
أفادت قوات "الدعم السريع" قبل ساعات، بإسقاط طائرة مسيرة من طراز "بيرقدار" في منطقة الفرشاية بولاية جنوب كردفان، مؤكدة عزمها الثابت على حماية المدنيين والتصدي بحزم للاعتداءات عبر الغارات الجوية باستخدام الطائرات المسيرة، والتي تستهدف المناطق السكنية والمرافق العامة والبنية التحتية، في انتهاك صارخ للقوانين والأعراف الدولية "، بحسب بيانها.
في المقابل وبحسب ما نقلته صحيفة" المشهد" السودانية، عن مصادر ميدانية، فإن "وحدات الدفاعات الأرضية التابعة للجيش السوداني تمكنت من اعتراض وإسقاط طائرة مسيرة انتحارية كانت في طريقها لاستهداف مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان، في محاولة جديدة لتهديد المناطق السكنية".
بدورها دعت قوات الدعم السريع مجددا، المجتمع الدولي والمنظمات الإقليمية والهيئات المعنية بحقوق الإنسان إلى "إدانة هذه الجرائم الممنهجة بحق المواطنين العزل، والتحرك الفوري لوقف الاعتداءات المتكررة على المناطق المأهولة بالسكان".

ضحاياها من المدنيين

بداية يقول رئيس منظمات المجتمع المدني السودانية، عادل عبد الباقي: "تلعب المسيرات دورا فعالا في المعارك المحتدمة في السودان، حيث ظلت الأطراف المتنازعة تعول على الأسلحة الجوية بنسبة كبيرة لإنجاح عملياتها العسكرية، في البداية استطاعت القوات المسلحة السودانية استخدامها بكثافة عالية في الخرطوم و الجزيرة و دارﻓﻮر و كردفان".
السودان يسجل أطول فترة إغلاق للمدارس بسبب الحرب وملايين الأطفال بلا تعليم
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك": "بعد تطور قوات الدعم السريع عسكريا في نهايات 2025 استطاعت تدريب قوات جوية تحت مسمى (صارس) التي أبرزت كفاءاتها في استهداف منشآت الجيش، لا سيما اجتماع سنجة في ولاية سنار في الأسبوعين الماضين، علاوة على إسقاط مسيرة في منطقة الفرشاية بجنوب كردفان"، مشيرا إلى أن "حرب المسيرات أصبحت ضرورة ملحة للقوات المسلحة السودانية والدعم السريع لتجنب الاستنزاف العسكري المباشر".
وأشار عبد الباقي إلى أن،"التدفق العشوائي للأسلحة في السودان يعقد المشهد الجيوسياسي و الإنساني مع فشل كل المبادرات السلمية لإنهاء الصراع، حيث أن 66 في المئة من ضحايا المسيرات والطيران في السودان هم من المدنيين، لذا على الدول الراعية للسلام في السودان أن تتحرك بشكل عاجل لوقف التدفق العشوائي للأسلحة من أجل تقصير زمن الحرب".

لا تحسم المعارك

من جانبه يقول رئيس المركز العربي لثقافة السلام والديمقراطية بالسودان، محمد مصطفى: "حرب المسيرات تطيل أمد الحرب، لأنها تؤخر عملية الحسم، والمسيرات لا تتأثر بمساحة السيطرة بل تتمدد لتشكل تهديدا مباشرٱ لكل بقعة في الأراضي السودانية".
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك": "أن أغلب المسيرات التي تطلق لا تكون دقيقة، فهي تتخطى هدفها لتصيب أعيان مدنية ومناطق مكتظة بالمدنيين، لذلك أحدثت خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات الخاصة بالمدنيين".
الصحة العالمية: احتجاز أكثر من 70 عاملا في مجال الصحة ونحو 5 آلاف مدني في دارفور
وأشار مصطفى إلى أن، "تأثير حرب المسيرات على المدنيين والأعيان المدنية، أكبر بكثير من تأثيرها على العساكر والمناطق والمعدات العسكرية، في الحقيقة المسيرات لا تحسم حرب ولا حتى معركة، لكنها تحقق خسائر فادحة وتخلق عدم إستقرار وتؤثر في الوضع الأمني والاقتصادي بدرجة كبيرة".

تعميق المأساة

بدورها تقول الباحثة في الشأن السوداني، فاطمة لقاوة: "في ظل التصعيد المتسارع لإستخدام الطائرات المسيّرة في الحرب الدائرة بالسودان، بات واضحا أن ما يعرف بـ"حرب المسيرات" أصبحت أحد السيناريوهات الرئيسية في هذا الصراع، لما لها من قدرة على إحداث اختراقات نوعية وضرب الخصم في العمق، سواء على مستوى البنية العسكرية أو الرمزية السياسية".
وأضافت في حديثها لـ"سبوتنيك": "رغم أن حرب المسيرات تسهم بلا شك في ترجيح كفة مرحلية وإرباك الخصم ورفع كلفة الحرب عليه، إلا أنها لن تحسم المعارك عسكريا، ولن تنهي الحرب، التجربة السودانية، كما التجارب الإفريقية والعالمية، تؤكد أن الحروب المعقدة ذات الجذور السياسية والاجتماعية العميقة لا تحسم بالتفوق التقني وحده، بل غالبا ما تنتهي على طاولة التفاوض".
الكتلة المدنية للسلام والتنمية بالسودان لـ"سبوتنيك": لابد من كشف الطرف الذي يقف أمام مساعي وقف الحرب
وتابعت لقاوة:"إن حروب الجنوب ودارفور، وغيرها من النزاعات الطويلة، تمثل شواهد حية على فشل الرهان على الحسم العسكري، مهما تنوعت أدوات القتل وتطورت وسائله".
وأشارت الباحثة السودانية إلى أن، "المدنيين يدفعون اليوم الثمن الأكبر لهذا التصعيد، حيث أسهمت حرب المسيرات في تعميق المأساة الإنسانية عبر استهداف مناطق مأهولة، وتدمير البنية التحتية، وتوسيع رقعة النزوح والمعاناة، حيث أن إصرار الحكومة على مواصلة الحرب وتمسكها بخيار التصعيد، لا يمكن فصله عن محاولات فرض عودة المؤتمر الوطني وفلول النظام السابق إلى واجهة السلطة، وهو مشروع مرفوض جملة وتفصيلا من الشعب السوداني الذي ثار أصلًا ضد هذا النظام وأسقطه".
وأكدت لقاوة "أن مستقبل السودان لن يرسم بالمسيرات ولا بالمدافع، بل بإرادة شعبه الحرة، وبحل سياسي شامل يعالج جذور الأزمة، ويضع حدا للحرب، وينهي استخدام المدنيين وقودا لصراع السلطة".

مأساة الإنسانية

وترى لنا مهدي، الخبيرة السودانية في الشؤون الأفريقية، والمستشار في الإعلام الدولي وفض النزاعات، "أن حرب المسيرات ينظر لها البعض كتحول عسكري بريء ولكنها في الحقيقة يجب النظر لها كعلامة إضافية على عجز النظام عن حسم الصراع أو حماية المدنيين، فحين تتحول السماء الى ساحة قتل عشوائي يصبح المدني هدفا سهلا ويغدو النزوح قدرا يوميا، وتزداد المأساة الإنسانية اتساعا وعمقا، بينما يواصل الخطاب الرسمي إنكار الواقع والاحتماء بشعارات السيادة".
وأضافت في حديثها لـ"سبوتنيك": "الطرف الرسمي يدير حربا بلا أفق سياسي وبلا حس إنساني مستخدما تقنيات تفتقر للتمييز بين هدف عسكري وحي سكني، فالمسيرات في هذا السياق لم تكن على الإطلاق أداة توازن قوى، بل هي وسيلة ترهيب جماعي تعكس ارتباكا استراتيجيا وتفككا في القرار، وتكشف أن الكلفة تدفعها القرى والمدن أولا وأخيرا قتلا وتشريدا ودمارا متراكما".
غوتيريش: مقتل 6 أفراد من قوات حفظ السلام في هجوم بطائرة مسيرة استهدف منشأة أممية بالسودان
وحول ما إذا كانت المسيرات قادرة على قلب الموازين العسكرية، تقول مهدي، "المسيرات تعقد المشهد أكثر وتطيل أمد النزيف؟ الجواب يتبدى في الواقع وليس أبدا في البيانات، إذ أن استمرار هذا النهج يرسخ لدولة العنف، ويقوض أي أمل في انتقال مدني حقيقي ويضع الجيش في مواجهة تاريخية مع شعب يدفع ثمنا فادحا يوميا، ثمنا باهظا إنسانيا وأخلاقيا وسياسيا".
ويتبادل طرفا الحرب في السودان الاتهامات بالمسؤولية عن سقوط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين جراء تصاعد وتيرة الهجمات التي تستهدف البنى التحتية المدنية والسكان في مختلف الولايات.
وفي نيسان/ أبريل عام 2023، اندلعت اشتباكات عنيفة وواسعة النطاق بين قوات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، في مناطق متفرقة من السودان، حيث يحاول كل من الطرفين السيطرة على مقار حيوية.
وتوسطت أطراف عربية وأفريقية ودولية لوقف إطلاق النار، إلا أن هذه الوساطات لم تنجح في التوصل لوقف دائم لإطلاق النار.
مناقشة