"فيتش" تثبت تصنيف تونس عند "بي" وتسحبها من قائمة المراقبة.. ما دلالات القرار؟

أثار قرار وكالة التصنيف الائتماني "فيتش رايتينغ" تثبيت تصنيف تونس عند مستوى "بي" مع آفاق سلبية، وسحب البلاد من قائمة الدول الخاضعة للمراقبة الخاصة، تساؤلات واسعة في الأوساط الاقتصادية حول دلالات هذا التطور وما إذا كان يعكس تحسنا فعليا في الوضع المالي للبلاد.
Sputnik
كما أعاد النقاش بشأن ما إذا كان هذا التصنيف يمثل إشارة أولية إيجابية لاستعادة قدر من ثقة المؤسسات الدولية في الاقتصاد التونسي، بعد سنوات من الضغوط المالية وتفاقم المديونية.
وفي مذكرة حديثة صدرت يوم الجمعة الماضي، أكدت "فيتش رايتينغ" الإبقاء على تصنيف الدين السيادي لتونس على المدى الطويل عند مستوى "ب" مع نظرة مستقبلية سلبية، مع إسناد تصنيف استرجاع الديون "RR4"، وهو ما يشير إلى تقديرات متوسطة لمعدلات الاسترداد في حال التعثر.
تونس تواجه تحديات العنف الرقمي واستغلال الأطفال على منصات التواصل الاجتماعي
وفي الوقت ذاته، قررت الوكالة سحب تونس من قائمة المراقبة الخاصة، وهي القائمة التي تُدرج فيها الدول التي تواجه مخاطر تصنيف وشيكة أو تغييرات محتملة في آجال قصيرة.
وأوضحت الوكالة أن تصنيفات الديون القديمة غير المضمونة وذات الأولوية في السداد وطويلة الأجل تتطابق مع تصنيف إصدار السندات بالعملة الأجنبية، وهو المؤشر الذي يقيس قدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها المالية واحتمال تخلّفها عن السداد، ما يجعل هذا التقييم عنصرا أساسيا في تحديد كلفة الاقتراض وثقة المستثمرين في السوق التونسية.

تحسن الثقة في الاقتصاد التونسي

ولقي قرار وكالة "فيتش رايتينغ" ترحيبا من بعض المنظمات الاقتصادية، التي اعتبرت أن سحب تونس من قائمة المراقبة وتثبيت تصنيفها الائتماني يحملان مؤشرات مشجعة، ولو بحذر، بشأن نظرة الأسواق والمؤسسات المالية الدولية للاقتصاد التونسي. فقد عبّرت المنظمة الوطنية لرواد الأعمال، في بيان تحصلت سبوتنيك على نسخة منه، عن ترحيبها بالإبقاء على تصنيف تونس عند مستوى "B-" مع نظرة مستقبلية مستقرة، معتبرة أن هذا التطور يمثل "إشارة إيجابية أولية على تحسّن الثقة الدولية في الاقتصاد التونسي" بعد سنوات اتسمت بتصاعد الضغوط المالية وتراجع معدلات النمو.
مسؤولون ليبيون يكشفون لـ"سبوتنيك" موقف ليبيا من المبادرة التونسية
وترى المنظمة أن هذا التصنيف لا ينبغي أن يُفهم باعتباره إنجازا في حد ذاته، بل كفرصة يجب استثمارها لدفع الإصلاحات المؤجلة، داعية الحكومة وصنّاع القرار إلى تسريع وتيرة التغييرات الاقتصادية وإعادة توجيه النموذج التنموي نحو الإنتاج والابتكار.
وأكدت أن المرحلة المقبلة تقتضي الانتقال من اقتصاد يقوم أساسا على الاستهلاك إلى اقتصاد يرتكز على خلق الثروة، ودعم المؤسسات الناشئة، وتشجيع ريادة الأعمال كمحرّك أساسي للنمو.
وفي تصريح لـ"سبوتنيك"، اعتبر رئيس المنظمة الوطنية لرواد الأعمال، ياسين قويعة، أن تصنيف تونس عند حدود "B-" يمكن قراءته "بنظرة أكثر تفاؤلا"، موضحا أنه يعكس قدرة الدولة على الصمود وتفادي سيناريوهات التعثر، رغم صعوبة الظرف الاقتصادي.
وقال إن "هذا التصنيف يعكس حفاظ تونس على حدّ أدنى من الاستقرار المالي والقدرة على الإيفاء بالتزاماتها في المدى القصير، ويوجّه رسالة مفادها أن البلاد لا تزال تملك هامش تحرّك وفرصة حقيقية لتصحيح المسار".
الرئيس التونسي يعلن تمديد حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد
غير أنه شدّد في المقابل على أن هذه المؤشرات الإيجابية تظل مشروطة بإصلاحات فعلية، مضيفا أن "هذا التقييم الإيجابي يبقى مرتبطا بتسريع الإصلاحات الهيكلية، ودعم المؤسسات المنتجة، وتحسين مناخ الاستثمار، حتى يتحول من مجرد صمود ظرفي إلى مسار تعافٍ اقتصادي فعلي ومستدام".
ولفت إلى أن الوضع المالي لا يزال هشا، ما يستوجب الإسراع في تنفيذ إصلاحات عميقة من شأنها تعزيز ثقة المستثمرين، ودعم الاستثمار المحلي والأجنبي، وتوفير أرضية أكثر صلابة للنمو في المرحلة المقبلة.

تحسن مشروط بإصلاحات عميقة

ورغم القراءات المتفائلة نسبيا، يحذّر عدد من الخبراء من المبالغة في تفسير القرار باعتباره مؤشرا على تعافٍ فعلي، معتبرين أن ما تحقق إلى حد الآن يظل هشا ومشروطا بإصلاحات عميقة.
وفي هذا السياق، أكد الخبير الاقتصادي أمجد القلسي، في تعليق لـ"سبوتنيك"، أن التصنيف الحالي لتونس يظهر أن البلاد "تقاوم لكنها تقف على حافة التوازن".
تونس تهزم الجزائر وتضرب موعدا مع مصر في نهائي كأس أمم أفريقيا لكرة اليد
وأوضح القلسي، أن أي تأخير إضافي في تنفيذ الإصلاحات قد يعيد الوضعين الاقتصادي والمالي إلى مستويات أكثر خطورة، مفسرا النظرة المستقبلية السلبية للتصنيف بالقول: "الآفاق سلبية لأن الدولة تعيش مشاكل هيكلية عميقة، مع ضبابية في مسار الإصلاحات الاقتصادية، وضغط كبير على ميزانية الدولة، إضافة إلى ضعف نسب النمو وصعوبة النفاذ إلى التمويل الخارجي".
وفي المقابل، لفت القلسي إلى أن تونس تمكنت، إلى حد الآن، من الإيفاء بالتزاماتها وسداد ديونها في آجالها، مع تسجيل تحسن نسبي في بعض المؤشرات، مثل مداخيل السياحة وتحويلات التونسيين بالخارج، معتبرا أن الدولة "نجحت نسبيا في تدبير المرحلة الحالية وتفادي سيناريوهات أكثر تعقيدا".
غير أنه حذر من أن "أي مخاطر مرتفعة أو هزة اقتصادية مفاجئة يمكن أن تخلق مشاكل في البلاد"، ما يجعل استدامة الاستقرار المالي رهينة إصلاحات سريعة.

اختبار حاسم

وفي قراءة أكثر تفاؤلا، اعتبر الخبير في الشأن الاقتصادي راشد العبيدي، في تصريح لـ"سبوتنيك"، أن تثبيت التصنيف الائتماني لتونس يعكس تحسنا نسبيا في عدد من المؤشرات الاقتصادية، لا سيما ما يتعلق بتدفقات العملة الصعبة، مدفوعا بأداء قطاعي الفلاحة والسياحة.
مبادرة تونسية جديدة بشأن ليبيا تصطدم بحسابات الدول الكبرى
وأوضح العبيدي أن انتعاش هذين القطاعين أسهم في دعم المداخيل الخارجية وتخفيف الضغوط على ميزان المدفوعات، وهو ما منح الاقتصاد هامشا من الاستقرار خلال الفترة الأخيرة.

وأضاف أن "الإبقاء على التصنيف عند مستوى "بي" سلبي يظل مشروطا بقدرة تونس على الإيفاء بالتزاماتها المالية، خاصة سداد ديون سندات الدين المستحقة في جويلية/يوليو 2026"، معتبرا أن احترام آجال السداد سيكون اختبارا حاسما لمصداقية الدولة أمام المقرضين والأسواق الدولية.

ويرى العبيدي أن التحسن المسجل لا يقتصر على المؤشرات المالية فحسب، بل يتصل أيضا بدخول استثمارات جديدة خلال السنة الماضية، وهو ما ساهم، وفق تقديره، في خلق ديناميكية اقتصادية أفضل نسبيا مقارنة بالسنوات السابقة، ومهّد لقدر من الاستقرار في نسب النمو.
وأشار إلى أن تسوية الالتزامات المالية في مواعيدها قد تدفع وكالات التصنيف الائتماني إلى مراجعة تصنيف تونس نحو الترفيع، بما ينعكس إيجابا على كلفة الاقتراض وثقة المستثمرين.
منتدى "دافوس"... أي مكاسب حققتها المشاركة التونسية؟
كما رجّح أن يسهم هذا التحسن في تقليص معدلات البطالة، من خلال توفير مواطن شغل إضافية نتيجة تركيز عدد من الاستثمارات الأجنبية في البلاد، بما يعزز النشاط الاقتصادي ويحفّز الدورة الإنتاجية.
وأكدت وكالة "فيتش" أن أي تحسين مستقبلي في التصنيف السيادي لتونس يظل رهين تحقيق تقليص مستدام في عجز الميزانية وخفض نسبة الدين العمومي إلى الناتج المحلي الإجمالي، وذلك عبر تعزيز مصداقية السياسات العمومية وتسريع تنفيذ الإصلاحات الهيكلية، إلى جانب دعم احتياطي النقد الأجنبي من خلال الحد من عجز الحساب الجاري وتحسين النفاذ إلى مصادر تمويل خارجية مستقرة.
وأوضحت الوكالة أن التحسن المسجل يعود أساسا إلى تطور المؤشرات الخارجية، خاصة تراجع عجز الحساب الجاري، وزيادة تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة، فضلا عن مواصلة تعزيز احتياطي البلاد من العملة الصعبة، وهي عوامل اعتبرتها مؤشرات إيجابية، لكنها لا تزال بحاجة إلى تثبيت واستدامة لضمان استقرار اقتصادي طويل الأمد.
مناقشة