اكتشف المساح، آلان داش، في عام 1975 نصوصاً حجرية منقوشة بالهيروغليفية المصرية في منطقة كاريونغ على الساحل الشرقي لأستراليا. أطلق عليها الباحثون اسم "هيروغليفيات كاريونغ" أو رموز جوسفورد، وتضم نحو 300 نقش تحاكي الطراز الفرعوني. ويقدّر بعض الخبراء عمر هذه النقوش بما يقارب خمسة آلاف عام، ويعتقد مؤيدو صحتها أنها ربما نتجت عن غرق سفينة مصرية قديمة قبالة السواحل الأسترالية قبل أكثر من 4,500 سنة.
لو صحت هذه الفرضية، فإنها ستعيد النظر جذرياً في التاريخ المعروف لأستراليا، الذي يشير إلى أول اتصال عالمي مع القارة في القرن السابع عشر على يد الملاح الهولندي ويليم جانزون عام 1606، ثم المستكشف البريطاني جيمس كوك عام 1770. وقد يشكل هذا الاكتشاف خطوة نحو إعادة كتابة فصول الاستكشاف البشري، مع الإقرار بوجود السكان الأصليين منذ عشرات الآلاف من السنين قبل أي من هذه الرحلات.
تحليل النقوش يشير إلى قصة بعثة مصرية قديمة وصلت إلى هذه الشواطئ البعيدة. الترجمة المقترحة تفيد بأن النقوش تحكي مصير شخصية فرعونية رفيعة، ربما أمير، قاد رحلة استكشافية ولقي حتفه نتيجة لدغة ثعبان سام، ثم قام رفاقه بتحنيط الجثمان ودفنه وفق التقاليد الجنائزية المصرية في أحد الكهوف القريبة.
لكن رغم هذه الرواية المثيرة، يرفض غالبية علماء المصريات والباحثين الرسميين الاعتراف بأصالة النقوش، معتبرين إياها خدعة حديثة. ويستندون إلى عدة حجج:
عدم الدقة الأسلوبية واختلاط رموز من فترات زمنية مختلفة.
نقش بعض الرموز بشكل معكوس.
تآكل الحجر الرملي في المنطقة بشكل أسرع مما تظهر عليه النقوش، مما يتناقض مع العمر المزعوم لها.
غياب أي آثار داعمة مثل الفخار أو الأدوات المعدنية أو البقايا البشرية.
كما يشير النقاد إلى صعوبة المسافة بين مصر وأستراليا، البالغة نحو 14 ألف كيلومتر، والتي كانت تبدو شبه مستحيلة لعبور المصريين القدماء بقوارب بسيطة. لكن تجربة المستكشف ثور هيردال عام 1970 على سفينة البردي "رع الثانية" أظهرت إمكانية الإبحار لمسافات طويلة باستخدام تقنيات قديمة مشابهة.
على الجانب الآخر، يصر بعض الباحثين مثل المصريين محمد إبراهيم ومحمد يوسف العويان على أصالة النقوش، مستدلين باستخدام رموز هيروغليفية قديمة وصيغ نحوية معقدة لم يفككها علماء المصريات إلا عام 2012، ما يقلل احتمال تزويرها في السبعينيات.
بعد كل هذا الجدل، تبقى رموز جوسفورد لغزاً قائماً بين الاكتشاف الثوري والمخيلة التاريخية، شاهدة على رحلة قد تكون أعظم منسية في التاريخ، أو واحدة من أكثر الخدع الأثرية إثارة. وفي كلتا الحالتين، تذكّرنا بحدود فهم الإنسان للماضي وشغفه الدائم باكتشاف المجهول.