فموسكو التي ارتبطت بليبيا بعلاقات تعود إلى عقود من الزمن تسعى اليوم إلى مقاربة سياسية تقوم على دعم مؤسسات الدولة ورفض الحلول المفروضة من الخارج والتأكيد على الحوار كمدخل أساسي للاستقرار هذه الرؤية تعكسها مواقف وتصريحات عدد من المحللين السياسيين الذين يرون في الدور الروسي عنصر توازن في المشهد الليبي.
وحول هذا الموضوع، قال المحلل السياسي، العربي الورفلي، في تصريحات خاصة لوكالة "سبوتنيك"، إن العلاقات الليبية الروسية علاقات قديمة ومتطورة تعود إلى عدة عقود حيث بدأت منذ خمسينيات القرن الماضي خلال الحقبة السوفييتية وشهدت تطورا ملحوظا في مجالات متعددة.
وأوضح الورفلي أن الاتحاد السوفييتي كان شريكا أساسيا للدولة الليبية لا سيما في المجال العسكري إذ اعتمد الجيش الليبي خلال فترة النظام السابق اعتمادا شبه كامل على السلاح الروسي إلى جانب تطور التعاون في مجالات اقتصادية أخرى خاصة في قطاعي النفط والطاقة.
وأشار إلى أنه مع اندلاع ثورة فبراير امتنعت روسيا عن التصويت في مجلس الأمن لصالح التدخل العسكري الدولي في ليبيا، وذلك انطلاقا من سياستها القائمة على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
وأضاف أنه بعد التغيير الذي شهدته ليبيا، حرصت روسيا على الحفاظ على علاقاتها مع الدولة الليبية، وعملت على بناء قنوات تواصل جديدة، حيث عينت مبعوثا خاصا لتقديم الدعم السياسي والدبلوماسي والمساهمة في إيجاد حل للأزمة السياسية التي تمر بها البلاد ولا تزال مستمرة حتى اليوم.
وبيّن الورفلي أن موسكو كانت داعمة لجميع الحوارات السياسية التي عقدت بشأن ليبيا وشاركت فيها عبر مبعوثها السياسي معتبرا أن أحد أبرز أوجه الدعم الروسي تمثل في مساندة الجيش الليبي في حربه ضد الإرهاب وهي الحرب التي استمرت لسنوات حيث كانت روسيا ترى أن الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر يخوض حربا نيابة عن العالم في ظل تنامي ظاهرة الإرهاب العابر للحدود التي عانت منها العديد من الدول.
وأكد أن روسيا، اليوم، تسعى إلى نسج علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف الليبية وتتطلع إلى دخول السوق الليبية والمساهمة في تطوير قطاعات النفط والطاقة انطلاقا من رؤيتها لليبيا باعتبارها بوابة لإفريقيا وسوقا اقتصاديا واعدا.
وختم بالقول، إن الدولة الروسية تحرص على تعزيز حضورها الاقتصادي وبناء شراكات اقتصادية مع ليبيا، متوقعًا أن تشهد هذه العلاقات مزيدا من التطور في المرحلة المقبلة بالتوازي مع الجهود المبذولة لحلحلة الملف السياسي والمساعدة في الوصول إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية إذ تعتبر موسكو أن تحقيق الاستقرار السياسي يمثل المدخل الأساسي لأي شراكة اقتصادية ناجحة مع السلطات الليبية.
وفي ذات السياق، قال الباحث في شؤون الأمن القومي، فيصل أبو الرايقة، في تصريح خاص لوكالة "سبوتنيك"، إن موسكو لم تتعامل مع ليبيا يوماً باعتبارها ساحة نفوذ تقليدية بل رأت فيها حلقة مفقودة في منظومة إقليمية اختل توازنها منذ عام 2011 ووفق هذا التصور تنطلق السياسة الروسية من قناعة راسخة بأن الحلول المفروضة من الخارج مهما بدت ناجعة في ظاهرها تظل قصيرة العمر إذ أثبتت التجارب أن ما يفرض بالقوة يفتقر إلى الاستدامة السياسية.
وأوضح أبو الرايقة أن الرؤية الروسية للأزمة الليبية لا تختزلها في صراع أشخاص أو تنافس قوى محلية ودولية بل تنظر إليها كنتيجة مباشرة لانهيار مؤسسات الدولة في ظل غياب إطار مؤسسي جامع قادر على إدارة الخلافات واحتواء التباينات ومن هذا المنطلق تمسكت موسكو بمبدأ الحوار الليبي الليبي لا بوصفه موقفاً حيادياً شكلياً وإنما انطلاقاً من إيمان بأن تحقيق التوازن بين الأطراف يمثل شرطاً أساسياً لأي استقرار حقيقي.
وأشار إلى أن روسيا لم تراهن على حكومة بعينها أو قائد محدد بقدر ما راهنت على فكرة الدولة الليبية نفسها باعتبارها الإطار الوحيد القادر على إنتاج حل دائم ومستقر لافتا إلى أن موسكو ترى في الانتخابات عملية سياسية معقدة تتجاوز مجرد صندوق الاقتراع إذ تمثل عقداً سياسياً لم تتوافر شروط صياغته بعد ويحتاج إلى توافق وطني شامل يسبقه ويمهد له.
وأضاف أن الرؤية الروسية تنظر إلى السلاح باعتباره عاملاً يقوض الشرعية ولا يصنعها ويعمق الانقسام بدل أن يحسم الصراع، مؤكدًا أن استخدام القوة لا يمكن أن يكون بديلاً عن التوافق السياسي.
وشدد على أن ليبيا من منظور موسكو ليست دولة معزولة بل تمثل عقدة أمنية تربط بين المتوسط ومنطقة الساحل وهو ما يفسر رفض روسيا تحويلها إلى ساحة صراع بالوكالة بين القوى الدولية.
وختم أبو الرايقة، بالقول إن روسيا سعت طوال مسار الأزمة إلى لعب دور الشاهد الضابط لا الفاعل المتهور في أزمة طال أمدها وتشعبت مساراتها إيماناً بأن إدارة الصراع بعقلانية تظل أقل كلفة من المغامرة بتعقيداتها
وفي المحصلة، تؤكد المعطيات أن السياسة الروسية تجاه ليبيا تقوم على رؤية طويلة الأمد تراهن على استعادة الدولة ومؤسساتها وربط الاستقرار السياسي بفرص الشراكة الاقتصادية وبين دعم المسار السياسي والحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف وترسيخ حضورها كطرف داعم للاستقرار لا كقوة صراع