المحكمة الجنائية الدولية بين مبدأ العدالة والاتهامات الانتقائية

أعادت قضية الرئيس الفلبيني السابق رودريغو دوتيرتي، الجدل مجددًا حول دور المحكمة الجنائية الدولية وحدود ولايتها، ليس فقط من زاوية قانونية، بل من زاوية سياسية وأخلاقية تتعلق بمدى حيادها وانتقائيتها في ملاحقة بعض الزعماء حول العالم دون غيرهم.
Sputnik
وقررت المحكمة التي بدأت محاكمة دوتيري، الجمعة الماضية، الإبقاء عليه قيد الاحتجاز، رافضة طلب الإفراج عنه لأسباب صحية، في إطار اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال ما عُرف بـ"الحرب على المخدرات".
ووفق الادعاء، فقد أذن دوتيري بعمليات قتل واختار بعض الضحايا شخصيًا، بينما يؤكد دفاعه أن احتجازه غير قانوني، وأن المحكمة لا تملك ولاية قضائية على الفلبين بعد انسحابها من نظام روما عام 2019.
تركي الفيصل: المحكمة الجنائية الدولية ليس لديها القدرة ولا الإمكانات لملاحقة المجرمين
وبعيدًا عن تفاصيل القضية ذاتها، تطرح هذه التطورات سؤالًا جوهريًا، هل تطبق المحكمة معايير موحدة في ملاحقة المسؤولين المتهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة، أم أنها تمارس "عدالة انتقائية" تخضع لموازين القوى الدولية؟
منتقدو المحكمة يرون أن سجلها العملي يكشف تركيزًا ملحوظًا على دول بعينها، في حين تغيب عن لوائح الاتهام شخصيات وزعماء متهمون بانتهاكات جسيمة في مناطق أخرى من العالم، بعضها موثق من منظمات دولية مستقلة. ويشير هؤلاء إلى أن تحريك الدعاوى غالبًا ما يكون ممكنًا حين لا تعترض قوى كبرى، بينما يتعثر أو يتجمد عندما تمسّ الاتهامات مصالح دول نافذة أو حلفاء استراتيجيين لها.
هذا الواقع يثير تساؤلات حول مدى استقلالية القرار داخل المحكمة، وحول قدرة المؤسسة على العمل بعيدًا عن الضغوط السياسية، فبينما يؤكد الادعاء أن "النافذين ليسوا فوق القانون"، يرى منتقدون أن بعض النافذين تحديدًا لا تصل إليهم يد المحكمة أصلًا.
بين العدالة والسياسة... المحكمة الجنائية الدولية تفقد ثقة العالم تدريجيا
ويرى محللون أن قضية دوتيرتي تسلط الضوء على مفهوم "ازدواجية المعايير" في القانون الدولي، فهناك قادة متهمون بجرائم حرب أو بدعم جماعات مسلحة مصنفة إرهابية أو بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق، ومع ذلك لا تُفتح بحقهم ملفات جدّية، إما بسبب غياب الولاية القضائية أو بسبب اعتبارات سياسية معقدة أو نتيجة عدم تعاون الدول الكبرى.
في المقابل، تمضي المحكمة بحزم في قضايا أخرى، ما يعزز الانطباع لدى شريحة واسعة من الرأي العام العالمي بأن العدالة الدولية لا تُطبق بمعزل عن التوازنات الجيوسياسية.
من الناحية النظرية، تأسست المحكمة الجنائية الدولية لتكون آلية مستقلة لمحاسبة مرتكبي أخطر الجرائم وهي الإبادة الجماعية، الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب، وجريمة العدوان، غير أن التطبيق العملي يصطدم بواقع النظام الدولي القائم على سيادة الدول، وبحقيقة أن بعض القوى الكبرى ذاتها ليست أطرافًا في نظام روما، ما يحدّ من شمولية العدالة الدولية.
الجنائية الدولية تحيل إيطاليا "للمساءلة"... عندما تنظر المحكمة أبعد من قدراتها التنفيذية والقضائية
كما أن تنفيذ مذكرات التوقيف يعتمد على تعاون الدول، وهو تعاون تحكمه اعتبارات سياسية بالدرجة الأولى، لا قانونية فقط، وهذا ما يجعل المحكمة في نظر البعض أداة تُستخدم أحيانًا في سياق صراعات دولية، بدل أن تكون مرجعية محايدة فوق الخلافات.

بالمحصلة، يقول محللون إنه قد تمثّل محاكمة دوتيرتي، من منظور أنصار المحكمة، رسالة واضحة بأن لا أحد فوق القانون، مهما كان موقعه. لكنها في الوقت ذاته تعيد طرح تساؤلات مشروعة حول اتساق المعايير، وشمولية المساءلة، ومدى تحرر العدالة الدولية من الانتقائية السياسية.

فإما أن تكون العدالة عالمية تطال الجميع بلا استثناء، أو تتحول، في نظر منتقديها، إلى أداة ضغط تُفعَّل حيثما تسمح موازين القوى، وتُعطَّل حيثما تتعارض مع مصالح دول نافذة.
مناقشة