ويرى خبراء أن هذه الخطوة تمثل تحديًا للقانون الدولي، الذي يرفض عمليات الاستيطان الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية بالضفة، مؤكدين أنها "تترجم التوجهات الحقيقية للإدارة الأمريكية، وتمثل طعنة في خاصرة كافة الدول العربية والإسلامية، التي اجتمعت مع ترامب حول خطته للسلام".
وكانت السفارة الأمريكية في إسرائيل، أعلنت الثلاثاء الماضي عبر منصة "إكس"، أنها ستبدأ غدا الجمعة، بتقديم خدمات قنصلية لمواطنيها في مستوطنات إسرائيلية بالضفة الغربية، في خطوة هي الأولى من نوعها.
وكانت هيئة البث الإسرائيلية (كان)، أفادت في وقت سابق، بأن الحكومة الإسرائيلية "وافقت على مبادرة قدمها عدد من الوزراء لإطلاق عملية تسجيل الأراضي في الضفة الغربية"، مشيرة إلى أن "هذا القرار هو الأول من نوعه منذ عام 1967، ويمثل خطوة أخرى نحو ضم الأراضي الفلسطينية".
وأثار هذا القرار موجة من الإدانات من المجتمع الدولي، إذ جدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، معارضته لتصرفات إسرائيل، كما أعرب الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وعدد من الدول العربية عن انتقاداتها.
اعتراف أمريكي
قال الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية الفلسطيني، إن "السفير الأمريكي الجديد في إسرائيل، ينتمي إلى تيار الإنجيليين المتطرفين، الذين يدعمون بشكل مطلق الاستيطان، ويساندون الدور التوسعي للاحتلال"، مشيرًا إلى أن "هذا السفير تحدث صراحة عن رغبتهم في دعم مشروع إسرائيل الكبرى".
وبحسب حديث الرقب لـ"سبوتنيك"، قيام القنصلية الأمريكية بتوسيع نطاق خدماتها لتشمل المستوطنات الإسرائيلية، "يمثل اعترافًا ضمنيًا ومباشرًا بضم المستوطنات إلى دولة الاحتلال"، معتبرًا أن "هذه الخطوات تترجم التوجهات الأمريكية على أرض الواقع".
وأضاف أستاذ العلوم السياسية أن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المعروفة بـ"صفقة القرن"، التي طرحت عام 2020، "نصّت بوضوح على ضم المستوطنات الكبرى لإسرائيل، وتوسيع دولة الاحتلال الإسرائيلي على حساب أراضي الضفة الغربية".
وشدد الرقب على أن "هذا المخطط يؤكد بشكل قطعي الرغبة الأمريكية في توسع دولة الاحتلال على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة".
وأشار أستاذ العلوم السياسية الفلسطيني إلى أن "الدلائل أصبحت واضحة تمامًا، حيث لم يعد الأمر يقتصر على مجرد تصريحات، بل انتقل إلى اعتراف فعلي بعملية ضم الضفة الغربية والمستوطنات الكبرى".
واعتبر الرقب أن "هذا التوجه الأمريكي يمثل طعنة في خاصرة كافة الدول العربية والإسلامية، التي اجتمعت مع ترامب سابقا، وحصلت منه على وعود بعدم السماح بتنفيذ عملية الضم".
"شرعنة الاستيطان"
في السياق، اعتبر ثائر نوفل أبو عطيوي، مدير مركز "العرب" للأبحاث والدراسات في فلسطين، أن "إقدام الإدارة الأمريكية على تقديم خدماتها القنصلية من داخل مستوطنة "إفرات"، التابعة لتجمع "غوش عتصيون" المقام على أراضي المواطنين الفلسطينيين في مدينة الخليل، يمثل خطوة فعلية لشرعنة الاستيطان ودعمه وتأييده".
وبحسب حديثه لـ"سبوتنيك"، هذا التوجه يختلف تمامًا عن الخطاب الإعلامي الرسمي للولايات المتحدة، ويسهم في تحويل الضفة الغربية إلى "أرض مستباحة لتعزيز الاستيطان وبناء البؤر، التي تهدد الواقع الجغرافي والسيادة السياسية الفلسطينية".
وشدد أبو عطيوي على أن "هذه الخطوة تضرب بعرض الحائط كافة الأعراف والمواثيق الدولية، وتعتبر تحديًا صريحًا لقرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة والمجتمع الدولي، الذي يرفض ويدين الاستيطان بكافة أشكاله".
وأضاف مدير مركز "العرب" للأبحاث والدراسات، أنه "على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يقدم نفسه كراعٍ للسلام، أن يتحمل مسؤولياته السياسية والقانونية عبر إلزام حكومة الاحتلال بوقف التوسع الاستيطاني بدلًا من منحه الشرعية من قبل إدارته".
وأشار إلى أن "تحقيق السلام الشامل والعادل يتطلب تنفيذ حل الدولتين، وضمان كافة الحقوق المشروعة والكاملة للشعب الفلسطيني".
تنديد "حماس"
وقالت حركة حماس الفلسطينية، في بيان، إن "الخطوة الأمريكية الخاصة بتقديم خدمات قنصلية داخل مستوطنة "إفرات"، الواقعة ضمن تجمع "غوش عتصيون" والمقامة على أراضي الضفة الغربية، تمثل تماهيًا سافرًا مع مخططات الاحتلال التهويدية"، وعدّتها "اعترافًا عمليًا بسيطرة إسرائيل على الضفة الغربية".
وأضافت الحركة أن "القرار يكشف تناقضًا صارخًا في الموقف الأمريكي، إذ تعلن واشنطن رفضها لضم الضفة الغربية، في حين تتخذ إجراءات ميدانية من شأنها تعزيز الضم وتكريس السيادة الإسرائيلية على الأراضي المحتلة".
واعتبرت "حماس" أن "تقديم خدمات رسمية أمريكية داخل المستوطنات يشكل انتهاكًا علنيًا للقانون الدولي، الذي يجرّم الاستيطان، ومحاولة لفرض وقائع سياسية جديدة تمهّد لتصفية الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني".
وختمت "حماس" بيانها بالتحذير من "تداعيات هذه الخطوة"، داعية إلى موقف دولي ضاغط لوقف ما وصفته بـ"التغول والعدوان" على الشعب الفلسطيني وأرضه، في ظل تصريحات أمريكية، قالت إنها "تشجع إسرائيل على توسيع سيطرتها".
وكانت الأمم المتحدة، سجّلت خلال أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وحده، رقمًا غير مسبوق بلغ 260 هجوما للمستوطنين ضد فلسطينيين. وارتفعت وتيرة العنف في الضفة الغربية، بعد اندلاع الحرب في قطاع غزة في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
ومنذ ذلك، قُتل ما لا يقل عن 1035 فلسطينيا على أيدي القوات العسكرية أو المستوطنين الإسرائيليين، وفق أرقام وزارة الصحة الفلسطينية.