حين يصنع التضامن فرحة العيد.. "نحب نعيد" مبادرة خيرية لإكساء أطفال في تونس

تتسارع وتيرة المبادرات الخيرية في تونس، خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان المبارك، حيث ينخرط متطوعون في حملات تضامن واسعة لتأمين ملابس العيد للأطفال من الأيتام والمرضى المقيمين في المستشفيات، إلى جانب أبناء العائلات محدودة الدخل، خاصة في المناطق الريفية التي يزداد فيها العوز.
Sputnik
وفي هذا السياق، برزت مبادرة "نحب نعيّد" كواحدة من التجارب الإنسانية التي سعت إلى تجاوز النمط التقليدي للعمل الخيري القائم على توزيع المساعدات بشكل مباشر، لتمنح الأطفال فرصة مرافقة أوليائهم إلى المحلات التجارية واختيار ملابسهم وأحذيتهم بأنفسهم، في خطوة تتجاوز تلبية الحاجة المادية، إلى جعل هؤلاء الأطفال يشعرون بفرحة العيد وبهجته، ومنحهم تجربة مماثلة لما يعيشه أقرانهم.
ولم تأت هذه المبادرة من فراغ، إذ سبق للمجموعة الشبابية المتطوعة أن أطلقت منذ بداية شهر رمضان حملات تضامن شملت توزيع مساعدات غذائية لفائدة المرضى المقيمين في المستشفيات وفاقدي المأوى.

كسوة العيد تتحول إلى عبء ثقيل

تعكس شهادات عدد من العائلات المحدودة الدخل في تونس حجم المعاناة التي تتجدد مع اقتراب عيد الفطر، حيث تتحول كسوة العيد من طقس احتفالي بسيط إلى عبء ثقيل يفوق قدرة الكثيرين، حيث تروي مريم، وهي ربة بيت وزوجة عامل يومي، في حديث لـ"سبوتنيك"، تفاصيل واقعها الصعب، مبينة أنها أم لثلاثة أطفال، ولم تتمكن خلال الأعياد الماضية من اقتناء ملابس العيد لهم"، مضيفة بأسى: "أبنائي لم يرتدوا ملابس جديدة في العيد منذ ولادتهم".
تقيم مريم في إحدى مناطق محافظة سليانة شمال غربي البلاد، وتعتمد أحيانا على العمل في المزارع بأجر يومي لا يتجاوز 10 دنانير، توجهه أساسا لتأمين مستلزمات الدراسة لأبنائها من كراسات وكتب، في محاولة لضمان استمرارهم في التعليم.
وتوضح أن أي إنفاق إضافي، مثل شراء ملابس العيد، يضعها أمام معادلة قاسية، إما إسعاد أطفالها مؤقتا أو توفير قوت يومهم، وتضيف: "لأول مرة يطرق الحظ باب منزلنا"، مشيرة إلى تلقيها اتصالا من متطوعة ضمن مبادرة "نحب نعيد"، للاستفسار عن مقاسات وأعمار أبنائها تمهيدا لشراء ملابس العيد لهم.
مع اقتراب عيد الفطر.. صناعة الحلويات التقليدية تستعيد حيويتها في تونس.. صور
وتتابع بابتسامة لم تخفِ عمق المعاناة: "هذا العيد سأرى أبنائي يرتدون ملابس جديدة مثل بقية الأطفال، ويخرجون للعب في الشارع بدل البقاء في المنزل خوفا من أسئلة الجيران المحرجة".
وروت أن اقتراب عيد الفطر كان يثير لديها في كل عام شعورا بالقلق والحزن، وهي ترى أبناءها محرومين من أبسط مظاهر الفرح، قبل أن تختم حديثها قائلة: "هذه السنة، أعادت مبادرة "نحب نعيد" الحياة والبهجة إلى منزلنا، ومنحت أطفالنا فرحة انتظرناها طويلا".
"قفة رمضان" وموائد إفطار... شهر الصيام يتحول إلى موسم للعطاء في تونس.. صور

مبادرة شبابية توسع دائرة الفرح

ويبرز العمل الميداني للمبادرات الشبابية كرافعة حقيقية للتخفيف من وطأة هذه المعاناة، حيث أفاد المتطوع مهدي بن عياد في حديثه لـ"سبوتنيك"، أن مبادرة "نحب نعيّد" جاءت امتدادا لنجاح مبادرة إفطار الصائمين التي أطلقتها المجموعة نفسها طيلة شهر رمضان واستهدفت دعم الفئات الهشة بالمساعدات الغذائية.
وأوضح أن الاحتكاك المباشر بالعائلات خلال تلك الحملة كشف حجم الاحتياجات، خاصة لدى الأرامل والعائلات محدودة الدخل، قائلا: "خلال شهر رمضان لاحظنا أن العديد من العائلات غير قادرة على تأمين كسوة العيد لأطفالها، وهو ما دفعنا إلى إطلاق هذه المبادرة لمساندتهم وإدخال الفرحة على أبنائهم".
وأضاف: "تستهدف المبادرة هذا العام نحو 250 طفلا من مختلف محافظات البلاد، سيتم تمكينهم من ملابس وأحذية جديدة بمناسبة عيد الفطر، في خطوة تسعى إلى تعميم فرحة العيد وتقليص الفوارق الاجتماعية، ولو بشكل رمزي".
تونس.. "دار سكرة" منزل يتحول إلى مطعم خيري في شهر رمضان.. فيديو وصور
وبين مهدي أن "الفريق اعتمد مقاربة منظمة في التنفيذ، انطلقت بجمع التبرعات المالية، ثم إعداد قاعدة بيانات للعائلات الأكثر احتياجا، قبل التنسيق مع عدد من المحلات التجارية، وقد تم تمكين بعض العائلات من التوجه مباشرة إلى هذه المتاجر لاختيار ما يناسب أطفالها من ملابس وأحذية، ضمانا لملاءمة المقاسات وإتاحة هامش من الحرية والكرامة في الاختيار".
وتابع: "أما بالنسبة للعائلات القاطنة في المناطق الريفية، فقد تم التواصل معها هاتفيا لجمع المعطيات اللازمة حول أعمار الأطفال واحتياجاتهم، على أن يتكفل المتطوعون بشراء الملابس وتوزيعها غدا الخميس".
وكشف مهدي أن "المبادرة، رغم حداثتها، نجحت إلى حد الآن في إدخال الفرحة على أكثر من 200 طفل، كما ساهمت في استقطاب تفاعل إيجابي من أصحاب المتاجر، الذين انخرطوا بدورهم في هذا الجهد التضامني عبر تقديم تخفيضات على الأسعار، بما يعزز من روح التكافل الاجتماعي ويكرّس ثقافة التضامن خلال المناسبات الدينية".
تونس.. امرأة تهب حياتها للعمل الخيري في رمضان بعد محنة مرض ابنها.. صور وفيديو

مبادرة تضامن تُطعم المئات يوميا

وفي امتداد لجهودها التضامنية، واصلت المجموعة الشبابية توسيع تدخلاتها لتشمل الدعم الغذائي خلال شهر رمضان، من خلال إطلاق مبادرة "نحب نشق فطري" التي استهدفت الفئات الأكثر هشاشة.
وفي هذا الإطار، أفادت المتطوعة أميمة قصير، في حديث لـ"سبوتنيك"، أن هذه المبادرة انطلقت من العاصمة تونس بمجهودات بسيطة، حيث بادرت إحدى المواطنات بفتح منزلها لتحويله إلى فضاء لإعداد وجبات الإفطار وتوزيعها على المحتاجين طيلة الشهر الكريم.
وأضافت: "انطلقنا في البداية بتوزيع نحو 20 وجبة يوميا، لكن مع تزايد الدعم والتطوع، تمكّنا من بلوغ 250 وجبة يومية، يتم توزيعها في المستشفيات وعلى مستحقيها في الشوارع".
مناقشة