وقد أعادت هذه الحادثة تسليط الضوء على هشاشة البنية التحتية النفطية، وتأثير الاضطرابات الأمنية والفنية على استقرار الإنتاج.
حوكمة القطاع
من جهته، قال المستشار في قطاع النفط عبدالجليل معيوف إن المرحلة الراهنة تتطلب اهتمامًا جادًا بالبنية التحتية لقطاع النفط والغاز، مشددًا على ضرورة تجديد وتحديث كافة المعدات السطحية وتحت السطحية، إلى جانب تعزيز مبادئ الحوكمة والشفافية داخل القطاع، واختيار القيادات الإدارية على أساس الكفاءة والاستحقاق.
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك"، أن أي مشكلات تواجه الحقول النفطية، وعلى رأسها حقل الشرارة، سيكون لها تأثير مباشر على العمليات التكريرية، لا سيما في مصفاة الزاوية، باعتبار أن الحقل يمثل مصدرًا رئيسيًا لإمدادات النفط الخام للمصفاة، ما قد ينعكس سلبًا على الإنتاج والتزويد.
وأكد معيوف أن الخروج من الاقتصاد الريعي في ليبيا يتطلب تبني استراتيجية واضحة للتنويع الاقتصادي، تقوم على تقليل الاعتماد على الموارد الطبيعية كمصدر أساسي للدخل، من خلال دعم وتطوير قطاعات حيوية مثل الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات.
وأشار إلى أهمية تحفيز القطاعات الإنتاجية، عبر منح المشاريع الاستثمارية في المجالات غير النفطية حوافز إضافية، تشمل التسهيلات الائتمانية والضريبية، والدعم الحكومي في مجالات الترويج والتسويق، إضافة إلى منحها الأولوية في تخصيص الأراضي والخدمات، بما يعزز من قدرتها على النمو والاستدامة.
كما دعا إلى إنشاء صندوق خاص لدعم التنويع الاقتصادي، يتم تمويله من جزء من إيرادات الموارد الطبيعية، بهدف دعم المشاريع التنموية والإنتاجية في مختلف المناطق، بما يسهم في خلق فرص عمل وتعزيز التنمية المحلية المستدامة.
وفي سياق متصل، شدد على ضرورة تعزيز الابتكار والتكنولوجيا، من خلال تشجيع الاستثمار في هذا المجال ودعم البحث العلمي، بما يساهم في تحويل الاقتصاد الوطني من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج قائم على المعرفة، وقادر على مواجهة التحديات المستقبلية.
انقسامات وتجاذبات
من جانبه، قال الأكاديمي والخبير الليبي محمد درميش إنّ الظروف التي يمر بها القطاع النفطي، وفي مقدمتها شُحّ التمويل والاستثمار، إلى جانب الانقسامات والتجاذبات السياسية، تُلقي بظلالها بشكل مباشر على أعمال الصيانة واستمرارية الإنتاج.
وأوضح في تصريح خاص لـ"سبوتنيك" أن ليبيا تعتمد بشكل شبه كلي على إيرادات النفط في تمويل نفقاتها العامة ومدفوعاتها، ما يجعل أي تراجع في صادرات النفط ينعكس بصورة مباشرة على الدخل القومي. وأضاف أن هذا التراجع قد يدفع الدولة إلى اللجوء إلى مصادر تمويل بديلة أو السحب من الاحتياطيات لتغطية العجز.
وأشار درميش إلى أن تجاوز هذه التحديات يتطلب رؤية اقتصادية أكثر تنوعًا، تقوم على استثمار كافة الموارد المتاحة وغير المستغلة. فليبيا، بحسب قوله، تمتلك إمكانات طبيعية كبيرة، إلى جانب رأس مال عامل يُقدّر بعشرات المليارات من الدولارات، ومثله بالعملة المحلية، وهو ما يمكن توظيفه لخلق بدائل اقتصادية حقيقية تسهم في تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط.
وأكد أن تحقيق هذا الهدف يظل مرهونًا بوجود استقرار سياسي وإرادة حقيقية لتنفيذ إصلاحات اقتصادية شاملة، تفتح المجال أمام الاستثمار وتدعم القطاعات الإنتاجية المختلفة.
تحسن هش
فيما قال الأكاديمي علي الغويل إن قطاع النفط في ليبيا يشهد تحسنًا نسبيًا خلال الفترة الأخيرة، إلا أنه يظل تحسنًا هشًا وقابلًا للتأثر السريع، موضحًا أن الإنتاج وصل مع بداية عام 2026 إلى أكثر من 1.2 مليون برميل يوميًا، مع وجود خطط لرفعه إلى نحو 1.6 مليون برميل يوميًا.
وأضاف أن هذا التحسن يرتبط بشكل وثيق بحالة الاستقرار السياسي والأمني في البلاد، حيث تظل الاضطرابات الفنية والأمنية من أبرز عوامل التأثير، مشيرًا إلى أن أي حادث مثل التسربات أو الحرائق أو الاحتجاجات، كما حدث في حقل الشرارة، يمكن أن يؤدي إلى انخفاض فوري في الإنتاج. واستشهد بتحويل الإنتاج في الحقل عقب حادث الحريق مؤخرًا لتفادي خسائر أكبر.
وأشار الغويل في تصريحات لـ"سبوتنيك" إلى أن البنية التحتية لقطاع النفط تعاني من التهالك، ما يستدعي استثمارات عاجلة تُقدّر ما بين 3 إلى 4 مليارات دولار لإعادة التأهيل، لافتًا إلى أن العامل السياسي يظل مؤثرًا رئيسيًا، حيث أدت الانقسامات والاحتجاجات خلال السنوات الماضية إلى إغلاقات متكررة للحقول النفطية.
وأوضح أن التوقعات تشير إلى إنتاج متذبذب على المدى القصير، مع احتمالية حدوث ارتفاعات تتخللها انقطاعات مفاجئة، بينما يمكن على المدى المتوسط تحقيق نمو في الإنتاج بشرط توفر الاستقرار، أما على المدى الطويل فتمتلك ليبيا القدرة للوصول إلى نحو 2 مليون برميل يوميًا، إلا أن ذلك يظل غير مضمون في ظل الظروف الحالية.
وأكد الغويل أن حقل الشرارة يُعد من أهم الحقول النفطية في ليبيا، حيث ينتج ما بين 300 إلى 320 ألف برميل يوميًا، ما يمثل نسبة كبيرة من إجمالي الإنتاج، مشددًا على أن أي اضطراب في هذا الحقل ينعكس بشكل مباشر على الإيرادات العامة للدولة.
وبيّن أن النفط يمثل نحو 95% من الصادرات، وحوالي 80% من إيرادات الدولة، ما يعني أن أي انخفاض في الإنتاج، خاصة من حقل الشرارة، يؤدي إلى تراجع مباشر في الإيرادات. وأشار إلى أن ليبيا حققت نحو 22 مليار دولار من عائدات النفط في عام 2025، ما يجعل أي تراجع في الإنتاج مؤثرًا بشكل فوري على الخزينة العامة.
وأضاف أن هذا التراجع يفاقم العجز المالي ويزيد الضغط على العملة المحلية، في ظل وجود فجوة بين الإيرادات والإنفاق، كما يؤثر بشكل مباشر على الخدمات العامة، حيث تعتمد الرواتب والدعم والاستيراد، خاصة الغذاء، بشكل أساسي على الإيرادات النفطية.
وخلص إلى أن حقل الشرارة لا يمثل مجرد حقل نفطي، بل ركيزة أساسية في الاقتصاد الليبي، وأن أي خلل فيه قد يؤدي إلى اهتزاز الميزانية العامة بالكامل.
وفيما يتعلق بالبدائل، شدد الغويل على ضرورة تبني سياسات حقيقية لتنويع الاقتصاد، من خلال تطوير القطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها القطاع الزراعي، نظرًا لاعتماد ليبيا على استيراد نحو 75% من احتياجاتها الغذائية، ما يشكل ضغطًا على العملة الأجنبية.
كما دعا الاكاديمي الليبي إلى التوسع في الصناعات التحويلية بدلًا من تصدير النفط الخام، عبر إنتاج المشتقات النفطية وتطوير صناعات مرتبطة بها، إلى جانب تنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية، تشمل إعادة هيكلة نظام الدعم، خاصة دعم الوقود الذي يتسبب في عمليات تهريب وخسائر كبيرة، وتحسين النظام الضريبي وتوسيع مصادر الإيرادات غير النفطية.
مشيرا الى ان تهريب تهريب الوقود كلف الدولة مليارات الدولارات، بالإضافة إلى ضرورة جذب الاستثمارات، وفتح المجال أمام الاستثمار الأجنبي، كما هو الحال حاليا في قطاع النفط.
ومؤكدا على أهمية تطوير قطاعات واعدة مثل السياحة على المدى البعيد، والخدمات اللوجستية، مستفيدا من الموقع الاستراتيجي لليبيا، بما يعزز من تنويع مصادر الدخل، وتقليل الاعتماد على النفط.