وقال ترامب خلال كلمة ألقاها في ميامي: "ننفق مئات المليارات من الدولارات سنويًا على الناتو، ومئات المليارات لحمايتهم، كنا دائمًا نقف إلى جانبهم، لكن الآن، وبالنظر إلى تصرفاتهم، أعتقد أنه لم يعد من الضروري أن نقف إلى جانبهم، أليس كذلك؟".
وأعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أول أمس الخميس، عن ثقته بأن مضيق هرمز "سيبقى مفتوحًا" أمام الملاحة البحرية، مؤكدًا أن "ما جرى كان اختبارًا للناتو، ولن ننسى"، مضيفا أن "دول الناتو لم ترد الانجرار معنا ونحن أيضا لا نريد الانجرار إلى حروبها".
تعليقا على تصريحات الرئيس الأمريكي، يقول خبراء إن تداعيات الأزمة الراهنة تنعكس بشكل كبير على الحلف، خاصة أن ترامب يرى أن هناك ضرورة أن تدفع دول الحلف ثمن الحماية والمظلة الأمريكية، وفق منطق "العائد مقابل الكلفة".
وفق الخبراء فإن الناتو يتجه للاستقلالية عن الحماية الأمريكية، وأن الخطوة قد تدفع الدول في إعادة صياغة التحالفات، بما ينعكس على تغير طبيعة التوازنات القائمة في أوروبا منذ عقود.
في الإطار قال الأستاذ الدكتور إدريس عطية، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة الجزائر، إن خطاب ترامب تجاه حلف "الناتو" لم يعد مجرد تصريحات عابرة، بل هو امتداد لعقيدة سياسية واضحة تقوم على إعادة تعريف التحالفات وفق منطق "العائد مقابل الكلفة"، حيث ينظر ترامب إلى الحلفاء كأطراف يجب أن تدفع مقابل الحماية الأمريكية وليس كشركاء في منظومة قيمية.
انتقال صادم
وأضاف عطية في حديثه مع "سبوتنيك"، أن الانتقال الصادم في المطالب الأمريكية من إنفاق عسكري بنسبة 2% إلى 5% من الناتج المحلي، يمثل أداة ضغط تفاوضي ومساومة استراتيجية تهدف لإعادة توزيع الأعباء.
وأكد أن التهديد بالانسحاب أو عدم الدفاع عن الدول غير الملتزمة يضع الحلف على حافة أزمة ثقة غير مسبوقة، مما قد يفتح الباب أمام اهتزاز مبدأ "الدفاع الجماعي" ويدفع الاتحاد الأوروبي نحو البحث عن "استقلالية استراتيجية" بعيدا عن المظلة الأطلسية التقليدية.
وفي سياق التصعيد ضد طهران، قال عطية إن المواجهة العسكرية الأمريكية مع إيران لن تكون عامل توحيد للحلف، بل ستعمق الانقسامات داخله نظرا لاختلاف المقاربات الأوروبية وتخوفها من تداعيات الصراع على أسواق الطاقة والملاحة في مضيق هرمز.
توسع رقعة الصراع
وأشار إلى أن احتمال توسع رقعة الصراع عبر "حروب الوكلاء"، لا سيما مع دخول "أنصار الله" في العملية بشكل مباشر، سيضع مصالح دول الناتو تحت ضغط أمني متزايد في ظل غياب رؤية موحدة للتعامل مع هذه التحديات.
وأضاف أستاذ العلاقات الدولية أن الحلف يتجه اليوم نحو نموذج "الناتو الانتقائي"، حيث أصبحت الالتزامات الجماعية مرهونة بحسابات المصلحة الوطنية لكل دولة بدلا من الالتزام الصارم، وهو ما يعكس انتقال النظام الدولي من الهيمنة الأحادية إلى واقع متعدد الأقطاب تتراجع فيه صلابة التحالفات التقليدية لصالح ترتيبات براغماتية مرنة.
ولفت إلى أن تهديدات ترامب، وإن كانت محاولة لإعادة التفاوض على موقع واشنطن، إلا أنها كشفت عن هشاشة كامنة في بنية "الناتو" قد تتفاقم في حال اندلاع صراع مع إيران، مما يضع الحلف أمام اختبار وجودي يتعلق بقدرته على التكيف مع عالم لم تعد التحالفات فيه تُبنى على القيم بقدر ما تُصاغ وفق موازين القوة والمصالح.
حل حلف "الناتو"
فيما قال أكرم خريف الخبير الأمني الجزائري، إن ترامب يبدي رغبة في حل حلف الناتو أو خروج الولايات المتحدة منه، لأنه يعتبر أن مظلة الحماية الأمريكية لها ثمن، وهذا الثمن لا يدفع من طرف دول الحلف.
وأضاف في حديثه مع "سبوتنيك"، أن هذه الرغبة كانت لديه منذ عدة سنوات، حتى خلال فترته الأولى في واشنطن، حيث كان يبدي هذا الرأي، بالإضافة إلى رغبته في الخروج من أفريقيا وتقليص عدد القواعد العسكرية في الخارج، وهو أمر واقعي جدا ويجب أن يؤخذ بجدية من طرف الدول الأوروبية ودول الحلف.
وأوضح أن الانعكاسات ستكون خطيرة جدا على دول حلف الأطلسي، لأن أغلبهم سيفقد المظلة النووية والعسكرية الأمريكية، مما يعني أن فرنسا ستصبح الدولة الوحيدة التي تمتلك القنبلة الذرية في الاتحاد الأوروبي، مع بريطانيا كدولة ثانية في المنطقة.
ولفت إلى أن ألمانيا تبحث عن التسلح النووي، وهذا سيجر كل أوروبا إلى سباق للتسلح خلال العشرين سنة القادمة، مشيرا إلى أن آثار هذا القرار إذا تم اتخاذه ستكون جيدة جدا لروسيا التي ستنتصر على عدوها الأزلي في أوروبا دون إطلاق رصاصة واحدة.
ويرى أن هذا التوجه سيقوي من نفوذ روسيا ويمكنها من التوغل داخل أوروبا، عبر حلفائها مثل سلوفاكيا والمجر ومولدوفا وصربيا، مما يعني أن الخارطة السياسية في أوروبا ستعاد من الصفر.
وأضاف أن "الحرب على إيران تؤثر حاليا على دول الناتو من ناحية تقليص كميات الذخيرة والمعدات، بالإضافة إلى الخسائر المادية التي تخسرها الولايات المتحدة، مؤكدا أن نفاد الذخيرة سيقلل من فعالية الحلف مستقبلا إذا كان هناك حرب ضد روسيا أو الصين"، وفقا له.
وتواصل الولايات المتحدة وإسرائيل، منذ الـ28 من فبراير/ شباط الماضي، شنّ سلسلة من الغارات على أهداف في إيران، بما في ذلك العاصمة طهران، ما خلف أضرارا كبيرة وسقوط ضحايا مدنيين واغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، وعدد من قادة الحرس الثوري والجيش.
وردّت إيران بشن غارات صاروخية على الأراضي الإسرائيلية، وكذلك على منشآت عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، في الإمارات وقطر والبحرين والكويت والسعودية، وتوعدت بـ"رد غير مسبوق".