وفي الآونة الأخيرة، برزت على مواقع التواصل الاجتماعي حملة مواطنية، تطالب بترحيل المهاجرين غير النظاميين وترفض أي توجه نحو توطينهم داخل البلاد، حيث عبر عدد من النشطاء عن مخاوفهم مما يعتبرونه "تهديدا للأمن القومي والسلم الأهلي".
وفي هذا السياق، اعتبرت الناشطة سعاد غواني، في تصريح لـ"سبوتنيك"، أن ترحيل المهاجرين الذين دخلوا إلى تونس بطريقة غير شرعية يمثل "واجبا وطنيا ومطلبا شعبيا"، مؤكدة أن الترحيل الطوعي غير كاف، وأن الحل يكمن في الترحيل القسري، مبررة ذلك بكون هؤلاء المهاجرين "يشكلون خطرا داهما على الأمن القومي".
من جهته، وصف سفيان المناعي، في تصريح لـ"سبوتنيك"، المهاجرين غير النظاميين بأنهم "يتسللون إلى تونس سرا بأعداد متزايدة يوميا"، معتبرا أن البلاد تواجه "وضعا حدوديا هشا"، وأن هؤلاء باتوا يشكلون خطرا على الأمن القومي، داعيا مؤسسات الدولة إلى التدخل العاجل وترحيلهم بشكل فوري.
وفي سياق متصل، دعا نشطاء إلى تنظيم وقفات احتجاجية سلمية يوم 9 أبريل في مختلف المحافظات التونسية، للمطالبة بترحيل المهاجرين غير النظاميين، في تحرك يعكس انتقال هذا الجدل من الفضاء الرقمي إلى الشارع.
على الجهة المقابلة، نبّه نشطاء حقوقيون من تنامي خطاب الكراهية والتحريض ضد المهاجرين، معتبرين أن مثل هذه المواقف قد تؤدي إلى مزيد من التوترات والعنف، ومشددين على ضرورة احترام كرامة المهاجرين وحقوقهم الأساسية.
وأشار هؤلاء إلى أن عددا كبيرا من المهاجرين غادروا بلدانهم الأصلية بسبب النزاعات المسلحة أو الأوضاع الأمنية الهشة أو الأزمات الاقتصادية الحادة، وهو ما يستدعي التعاطي مع الملف من زاوية إنسانية وقانونية توازن بين سيادة الدولة والتزاماتها الدولية.
وكانت العاصمة تونس قد شهدت يوم السبت 28 آذار/مارس الجاري تحركا احتجاجيا نظمه نشطاء مدنيون، عبّروا خلاله عن رفضهم لما وصفوه بـ"توطين المهاجرين"، مطالبين بتنظيم قانوني لوضعيتهم، ورافضين أي ترتيبات أو اتفاقيات قد تؤدي إلى استقرارهم بشكل دائم في البلاد.
ويأتي هذا الحراك في سياق انتقادات متصاعدة للاتفاقيات المبرمة بين تونس وعدد من الدول الأوروبية، وخاصة إيطاليا، في ملف الهجرة، حيث يرى منتقدون أن هذه الترتيبات ساهمت في تحويل تونس من بلد عبور إلى بلد استقرار، بل و"شرطي حدود" لصالح أوروبا.
"لا لتوطين المهاجرين في تونس"
وفي هذا السياق، يؤكد الناشط علي الجلولي، أحد أبرز الداعين إلى هذه التحركات، أن الحراك "انطلق من شعور متزايد لدى فئات من التونسيين بأن ملف المهاجرين صار يشكل ملفا معقدا، معتبرا أن المسألة تجاوزت بعدها الإنساني لتطرح، وفق تعبيره، "إشكالا سياديا يستوجب نقاشا وطنيا واسعا".
ويشير الجلولي، في تصريح لـ"سبوتنيك"، إلى أن الاتفاقيات المبرمة مع الجانب الأوروبي، وخاصة مذكرة التفاهم المتعلقة بالهجرة، "أسهمت في تغيير موقع تونس من بلد عبور إلى فضاء استقرار للمهاجرين"، معتبرا أن هذا التحول "لم يكن محل توافق داخلي كاف"، وأنه يطرح تحديات جديدة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي.
ويرى المتحدث، أن تونس تواجه أصلا ضغوطا داخلية كبيرة، موضحا أن "البلاد تعاني من نسب فقر وبطالة مرتفعة، إلى جانب أوضاع اجتماعية هشة تشمل فئات واسعة من الشباب". ويضيف أن الأولوية "يجب أن تعطى لتحسين أوضاع التونسيين داخل البلاد، بالتوازي مع معالجة ملف الهجرة في إطار واضح ومنظم".
كما يلفت الجلولي إلى ما يعتبره "تباينا في التعاطي الدولي مع الهجرة"، مشيرا إلى أن عددا من الدول الأوروبية تعتمد سياسات ترحيل صارمة، في حين "تجد تونس نفسها مطالبة بإدارة تدفقات بشرية متزايدة مع إمكانيات محدودة"، وفق تقديره.
ويرى أن هذا الوضع يفرض "إعادة تقييم المقاربة الحالية بما يضمن التوازن بين الالتزامات الدولية ومصالح الدولة".
وختم الجلولي تصريحه بالدعوة إلى تنظيم وقفة احتجاجية سلمية يوم 9 أبريل في مختلف محافظات الجمهورية، معتبرا أنها "فرصة للتعبير عن موقف مدني يطالب بسياسات أكثر وضوحا في إدارة ملف الهجرة، بما يحفظ مصلحة تونس ويحترم في الآن ذاته الأطر القانونية المنظمة".
أصوات حقوقية تندد بخطاب الكراهية
في المقابل، أكد عماد السلطاني، الناشط الحقوقي ورئيس جمعية "الأرض للجميع"، أن "هذه الحملات لا تعبر عن فئة واسعة من الشعب التونسي"، مشيرا إلى أن التحركات الأخيرة "لم تشهد مشاركة كبيرة، حيث لم يتجاوز عدد المحتجين عشرات الأشخاص".
وأضاف السلطاني، في تعليق لـ"سبوتنيك"، أن هذه الدعوات "تندرج ضمن خطاب عنصري وتحريضي ضد المهاجرين"، معتبرا أن هذا الخطاب "تغذيه مواقف رسمية وهو ما يراه "طرحا خطيرا يساهم في تأجيج التوتر داخل المجتمع".
وأعلن المتحدث عن تنظيم تحرك احتجاجي جديد، حيث أوضح أنه "سيتم تنظيم وقفة أمام سفارة إيطاليا يوم الخميس المقبل، لرفض ما يعتبر تصديرا لأزمة الهجرة إلى تونس"، مؤكدا أن هذا التحرك سيحمل أيضا رسالة واضحة مفادها "ضرورة احترام حقوق المهاجرين وضمان معاملتهم بكرامة، وفقا لما تنص عليه المواثيق الدولية لحقوق الإنسان".
كما أشار السلطاني إلى ما وصفه بـ"تزايد الانتهاكات في حق المهاجرين"، معتبرا أن انتشار خطاب الكراهية "بلغ مستويات مقلقة وصلت أحيانا إلى العنف"، مضيفا أن النشطاء الحقوقيين كانوا "ينتظرون من السلطات خطابا مغايرا يساهم في تهدئة الأوضاع"، غير أنه يرى أن "التعاطي الرسمي مع هذا الملف لا يزال دون المطلوب".
وشدد في السياق ذاته على أن "المهاجر غير النظامي يتمتع بحقوق أساسية لا يمكن المساس بها، كما أن عليه واجبات بدوره"، داعيا إلى مقاربة متوازنة تحترم القانون وتحفظ الكرامة الإنسانية.
وختم السلطاني بالتذكير بأن "معظم المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء قدموا إلى تونس هربا من أوضاع صعبة في بلدانهم، مثل الحروب أو الفقر أو التهديدات الأمنية"، مشبها ذلك بوضعية العديد من التونسيين الذين غادروا بلادهم نحو أوروبا "بحثا عن حياة أفضل وكرامة إنسانية".
انعكاسات مباشرة لسياسات الهجرة
وفي سياق الجدل القائم حول ملف المهاجرين غير النظاميين في تونس، يرى الناطق الرسمي باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، رمضان بن عمر، أن ما تشهده البلاد لا يمكن فصله عن سياسات الهجرة المعتمدة خلال السنوات الأخيرة، مشيرا إلى وجود تحولات لافتة في مقاربة الاتحاد الأوروبي لهذا الملف وما ترتب عنها من انعكاسات مباشرة على الواقع التونسي.
وأوضح بن عمر، أن "الاتحاد الأوروبي تبنى مؤخرا مسارا متكاملا يقوم على تصنيف ما يسمى بالدول الثالثة الآمنة"، مشيرا إلى أن تونس أدرجت ضمن هذا التصور، وهو ما أدى إلى تخصيص إمكانيات أوروبية متزايدة لتكريس هذا التوجه وتنفيذه على أرض الواقع.
ويرى المتحدث أن "الاتحاد الأوروبي يعد من أكثر الأطراف المستفيدة مما جرى في تونس خلال السنوات الأخيرة"، موضحا أنه "تمكن من تحقيق أهداف لم ينجح في فرضها سابقا، حتى قبل الثورة"، وذلك "بفضل مذكرة التفاهم والتعاون القائم مع السلطات التونسية".
وأضاف أن هذا المسار أسهم في "تحويل تونس إلى نقطة حدودية متقدمة تساهم في تأمين الفضاء الأوروبي، عبر الحد من وصول المهاجرين، بمن فيهم ضحايا الأزمات الاقتصادية والتغيرات المناخية".
كما أشار بن عمر إلى أن هذه المقاربة "لم تقتصر على تونس، بل تحولت إلى نموذج تم تعميمه على دول أخرى مثل موريتانيا ولبنان"، معتبرا أن ذلك "خدم صعود التيارات اليمينية داخل أوروبا، التي قدمت هذه السياسات كدليل على قدرتها على حماية الحدود الأوروبية".
وفي توصيفه للوضع الحالي، يقول بن عمر إن "الاتحاد الأوروبي بات يعتمد بشكل متزايد على شركاء خارجيين لإدارة حدوده”، مضيفا أن هذا التوجه "خفف من الحاجة إلى وسائل تقليدية مثل الدوريات البحرية المكثفة أو الحواجز الحدودية"، في مقابل "تعزيز دور دول مثل تونس في الحد من تدفقات الهجرة، سواء عبر المنع أو عبر التعاون في إعادة المهاجرين إلى بلدانهم".
ويعتبر المتحدث أن تونس "أصبحت اليوم نموذجا في هذا الإطار"، مشيرا إلى أنها "من بين أكثر الدول انخراطا في سياسات صدّ المهاجرين، وكذلك في استقبال مواطنيها المرحلين من عدة دول أوروبية".
وختم بن عمر تصريحه بالإشارة إلى أن "بعض المسؤولين الأوروبيين كانوا أكثر وضوحا في توصيف هذا الوضع"، موضحا أن الخطابات الموجهة إلى الداخل التونسي "تختلف في مضمونها عن السياسات المتفق عليها مع الشركاء الأوروبيين".