ويرى مؤرخون أن أحداث 9 أبريل لم تكن مجرد احتجاج عابر، بل كانت تتويجا لمسار طويل من التراكم النضالي، حيث أسهمت في توحيد مختلف مكونات الحركة الوطنية حول هدف الاستقلال، كما أفرزت هذه الأحداث قيادات سياسية لعبت لاحقا دورا محوريا في قيادة البلاد نحو التحرر.
وفي مثل هذا اليوم من كل عام، يستعيد التونسيون دلالات هذه المناسبة التي تتجاوز بعدها التاريخي المتجسد في تخليد أرواح الذين ارتقوا دفاعا عن الوطن وترسيخ قيم التضحية والحرية في الوجدان الجماعي، لتطرح تساؤلات راهنة حول معاني السيادة والعدالة والكرامة الوطنية.
أول مواجهة دموية مع الاستعمار الفرنسي
يؤكد أستاذ التاريخ المعاصر عادل بن يوسف، في حديث لوكالة "سبوتنيك"، أن "هذه المحطة مثّلت أول مواجهة دموية مباشرة بين السلطات الاستعمارية الفرنسية والمواطنين التونسيين بعد الحرب العالمية الأولى"، مذكّرا بأنها جاءت "امتدادا لمحطات نضالية فارقة، على غرار أحداث "الجلاز "سنة 1911 وأحداث "الترامواي" سنة 1912، قبل أن يتوقف نسبيا بفعل ظروف الحرب وما رافقها من إجراءات استثنائية".
ويشير إلى أن "وصول حكومة الجبهة الشعبية إلى الحكم في فرنسا سنة 1936، جاء بعد مرحلة من التضييق، شهدت نفي عدد من القيادات الوطنية، من بينهم الحبيب بورقيبة، إلى جانب نقابيين وشيوعيين بقرار من المقيم العام مارسال بيروتون منذ سبتمبر 1934. ورغم أن هذه الحكومة اليسارية أطلقت سراح "الوطنيين" ورفعت شعارات تدعو إلى حق الشعوب في تقرير مصيرها، فإن تلك الوعود "بقيت في حدود التصريحات ولم تتحول إلى إجراءات فعلية على أرض الواقع".
وبحسب عادل بن يوسف، برز تباين في المواقف داخل القيادات السياسية بين تيار يدعو إلى التصعيد، يقوده عدد من رموز الديوان السياسي على غرار الحبيب بورقيبة والطاهر سفر والهادي نويرة وسليمان بن سليمان، وآخر يفضل التريث ومتابعة التطورات في فرنسا وفي مقدمتهم المحامي حسونة العياشي ومحمود الماطري.
ويضيف: "في خضم هذا التباين، انعقد مؤتمر نهج التريبينال أواخر سنة 1937، حيث تمت الدعوة إلى إضراب عام والانطلاق في عملية حشد واسعة شملت مختلف أنحاء البلاد، لتتسارع بعدها وتيرة الأحداث مع إيقاف عدد من القيادات يوم 6 أبريل 1938، دعا على إثرها الديوان السياسي إلى تنظيم مسيرتين يوم 8 أبريل تتجهان نحو مقر الإقامة العامة، الأولى انطلقت من باب سويقة بالعاصمة يقودها الزعيم المنجي سليم والثانية من ساحة رحبة الغنم بالعاصمة يقودها الزعيم علي البلهوان".
ويشير إلى أن "هذه التحركات جاءت وسط مناخ مشحون، خاصة بعد إيقاف الحبيب بورقيبة واتهامه بالتحريض، بالتوازي مع خطابات تعبئة، من أبرزها خطاب زعيم الشباب "علي البلهوان" الذي هاجم فيه المقيم العام الفرنسي بلهجة حادة ونعته بالجبن، مستعملا توصيفات لاذعة للاستعمار"، وهو ما تزامن مع إجراءات استباقية من قبل السلطات الاستعمارية، في ذلك الوقت من بينها "منع رفع الراية التونسية حتى داخل الإدارات، تحسبا لخروج المظاهرات".
الشرارة التي فجرت الاحتجاجات
ويضيف عادل بن يوسف: "كان قرار إيقاف الزعيم الوطني علي البلهوان يوم 9 أبريل، هو الشرارة التي فجّرت الاحتجاجات على نطاق واسع، وقد واجهت السلطات الاستعمارية الزخم الشعبي باستدعاء أكبر فرقها العسكرية، مع إصدار أوامر بإطلاق الرصاص الحي، ما أسفر عن سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى".
وأكد أن تلك الأحداث تحولت إلى "هبة شعبية غير مسبوقة، حيث احتشد المتظاهرون أمام مقر الإقامة العامة رافعين شعارات من قبيل "تسقط الامتيازات" و"لا بد من حكومة وطنية" و"لا بد من برلمان تونسي"، كما شاركت النساء بدور لافت، إذ تشير بعض التقارير إلى مشاركة أكثر من 50 امرأة، رفعن الأعلام ورددن شعار "تونس مستقلة".
ويختم عادل بن يوسف حديثه بالتأكيد أن "عودة النشاط السياسي لم تتحقق إلا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، حيث تم عقد مؤتمر الاستقلال في أغسطس/اَب 1946، الذي جمع مختلف القوى الوطنية، وطرح لأول مرة بشكل صريح مطلب الاستقلال، في امتداد مباشر لأحداث 9 أبريل 1938"، مشددا على أن "إحياء هذه الذكرى يندرج ضمن الحفاظ على الذاكرة الجماعي"، حتى لا تندثر تضحيات الشهداء مع تعاقب الأجيال".
منعرج مهم في تاريخ الحركة الوطنية التونسية
بدوره، يقول المؤرخ رياض مرابط، في حديث لـ "سبوتنيك": "يعتبر 9 أبريل منعرجا مهما جدا في تاريخ الحركة الوطنية التونسية، وهو أول المنعرجات المصيرية بعد نشأة الحزب الحر الدستوري الجديد"، مؤكدا أنه "من المستحيل فهم هذه الأحداث خارج سياقها العام".
ويشرح مرابط أن "هذا السياق ارتبط بصعود اليسار الفرنسي إلى السلطة سنة 1936، مع وصول حكومة الجبهة الشعبية، وهو ما دفع جزءا من القيادات الشابة داخل الحزب الحر الدستوري الجديد، ومن بينهم الحبيب بورقيبة، إلى الرهان على أصدقائهم في اليسار الفرنسي، بحكم علاقات سابقة جمعتهم خلال فترات الدراسة والتكوين، فضلا عن مواقف بعض مكونات هذا اليسار الرافضة للاستعمار".
ويضيف: "تمحورت المطالب في البداية حول تحقيق المساواة بين التونسيين والأجانب في إطار نظام الحماية، لتبدأ بذلك ما عُرف بـ"تجربة الحوار" مع السلطات الفرنسية سنة 1936، غير أن هذه التجربة اصطدمت بالأجنحة المتشددة داخل اليسار الفرنسي، إلى جانب التيار الاستعماري الصلب، ما دفع الوطنيين إلى استنتاج أن القضية ليست قضية يسار أو يمين، بل قضية استعمار بالأساس".
وبيّن مرابط أن "هذا التحول تجسد ميدانيا من خلال المسيرة التي قادها "زعيم الشباب" علي البلهوان، والتي انطلقت من الحلفاوين في باب سويقة بالعاصمة باتجاه مقر الإقامة العامة، رُفع خلالها لأول مرة شعار "برلمان تونسي"، وهو ما لم يكن وليد الصدفة، إذ تُظهر الصور الموثقة آنذاك لافتات أُعدت مسبقا تحمل عبارة "لا بد من برلمان تونسي"، بما يعكس انتقالا نوعيا في مطالب الحركة الوطنية من مجرد المساواة إلى المطالبة بتمثيلية سياسية فعلية عبر مجلس منتخب، ما يعد تحولا مفصليا في مسار النضال الوطني التونسي في تلك الفترة".
ويبرز مرابط أن "ما ميّز هذه الأحداث هو أن الحركة الوطنية تعمّدت لأول مرة بالدماء تحت يافطة مطالب سياسية منظمة"، مفرقا بين هذه اللحظة وما سبقها من مواجهات، إذ أن دماء الشهداء "سُفكت هذه المرة في إطار عمل سياسي منظم تقوده هياكل حزبية واضحة، وهو ما جعل الحزب الحر الدستوري الجديد يقدم لأول مرة شهداء في معركة ذات مطالب سياسية صريحة."
ويختم مرابط حديثه: "هذا التحول فتح الباب لاحقا، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، أمام رفع سقف المطالب إلى الاستقلال التام"، مشددا على "ضرورة استحضار هذه الأحداث بعيدا عن أي توظيف سياسي ضيق، باعتبار أن الشهداء "سقطوا في إطار رؤية وطنية واضحة، وليس في سياق ردود فعل عفوية أو لحظات غضب عابرة".