تونس والانتقال الطاقي.. لماذا أثارت اتفاقيات الكهرباء مع شركات أجنبية جدلا واسعا؟

تعيش تونس، منذ أيام، على وقع جدل وسجال سياسي متصاعد أثارته مصادقة البرلمان على 5 اتفاقيات لإنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة لصالح شركات أجنبية، بين من يرى فيها منفذًا لتحقيق الانتقال الطاقي وتنويع مصادر إنتاج الكهرباء، وبين من يراها "تنازلًا" عن استقلالية البلاد الطاقية.
Sputnik
وتسمح الاتفاقيات المصادق عليها لشركات أجنبية (4 فرنسية وشركة نرويجية) بإنشاء محطات لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية موزّعة على محافظات سيدي بوزيد (الوسط الغربي)، وقفصة وقابس (الجنوب التونسي)، واستغلالها لمدة 25 سنة، باستثناء واحدة تم التمديد فيها لـ30 سنة، وذلك بكلفة استثمارية تناهز 1.6 مليار دينار وبطاقة إنتاجية إجمالية تقارب 598 ميغاواط، على أن تُباع حصرًا للشركة التونسية للكهرباء والغاز "الستاغ".
وأثارت هذه الاتفاقيات انتقادات واسعة داخل البرلمان وخارجه، حيث تمحور جانب كبير من الجدل حول الامتيازات التي ستُمنح للمستثمرين الأجانب، على غرار استئجار الأراضي بأسعار اعتبرها منتقدون "بخسة"، ومنح الشركات حق إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية لمدة ربع قرن، إلى جانب تمكينها من الاستفادة من "سندات الكربون"، التي تعد من الأصول التابعة للشركة الوطنية للكهرباء والغاز.
ما ارتدادات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط على الاقتصاد التونسي؟
وتقدّم الحكومة هذه الاتفاقيات باعتبارها "خطوة ضرورية" لتسريع الانتقال الطاقي وتحقيق التنمية والتقليص من الانبعاثات الكربونية، كما تروج لها أيضًا كخيار إستراتيجي لتعزيز الأمن الطاقي وتقليص التبعية المتزايدة لواردات الغاز الجزائري، الذي تعتمد عليه تونس بشكل كبير في إنتاج الكهرباء، فضلاً عن خفض كلفة الإنتاج في ظل الأزمة المالية التي تعيشها الشركة التونسية للكهرباء والغاز وارتفاع عجز الميزان التجاري الطاقي لتونس إلى 1676 مليون دينار، وتراجع الاستقلالية الطاقية للبلاد إلى 36%.
في المقابل، تصاعدت الأصوات المعارضة لهذه الاتفاقيات، سواء من داخل البرلمان أو خارجه، محذرين من احتكار الشركات الأجنبية لإنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة في تونس خلال العقود المقبلة.
كما نبّه المعارضون إلى خطورة بعض البنود الواردة في الاتفاقيات، خاصة تلك المتعلقة بفرض اللجوء إلى التحكيم الدولي في حال نشوب خلافات، معتبرين أن ذلك قد يضع الدولة التونسية تحت ضغوط قانونية ومالية مستقبلية، فضلًا عن تكريس تهميش المستثمرين المحليين وإقصاء الشركة التونسية للكهرباء والغاز من لعب دور محوري في تطوير مشاريع الطاقات المتجددة.
العقود تمنح أفضلية للشركات الأجنبية

وفي الإطار، عبّر عضو الجامعة العامة للكهرباء والغاز إلياس بن عمار، في تصريح لـ"سبوتنيك"، عن رفضه للاتفاقيات التي صادق عليها البرلمان، معتبرًا أنها تتضمن "امتيازات واسعة جدًا" لفائدة المستثمرين الأجانب على حساب الشركة التونسية للكهرباء والغاز والمالية العمومية.

وقال بن عمار إن "الدولة التونسية قدمت العديد من الامتيازات لهذه الشركات الأجنبية على غرار التفويت في سندات الكربون، التي تصل قيمتها إلى 40 مليون دينار لكل مشروع، وإمكانية التمديد في مدة اللزمات إلى ثلاثين سنة".
رئيس المنظمة التونسية للدفاع عن المستهلك: إلغاء الرسوم الصينية فرصة لتعزيز التعاون الاقتصادي
وأضاف أن "العقود المبرمة تمنح أفضلية كبيرة للشركات الأجنبية والممولين"، موضحًا أن "سعر بيع الكهرباء إلى الشركة التونسية للكهرباء والغاز لن يكون ثابتًا، بل سيبقى مرتبطًا بنسبة التضخم في أوروبا وبسعر صرف الدينار"، وفق تعبيره.

وانتقد المتحدث ما وصفه بـ"التفويت في آلاف الهكتارات من الأراضي الدولية بأسعار بخسة جدًا للمستثمرين الأجانب"، معتبرًا أن هذه الأراضي "كان من الأولى أن تمنح للمستثمرين المحليين أو للشركة التونسية للكهرباء والغاز لإنجاز مشاريع وطنية في مجال الطاقات المتجددة".

وشكك بن عمار في المعطيات التي تم تقديمها بشأن انخفاض كلفة إنتاج الكهرباء عبر هذه المشاريع، موضحًا أن "الكلفة الحقيقية لإنتاج الكهرباء عبر هذه اللزمات تتجاوز 340 مليمًا للكيلوواط الواحد، وليس 100 مليم كما تم الترويج له"، مشيرًا إلى أن المقارنة المعتمدة "غير دقيقة"، على حد قوله.
الصين تجهز اتفاقية تبادل حر مع تونس.. ما تداعياتها على الاقتصاد الوطني؟
وشدد عضو الجامعة العامة للكهرباء والغاز في تونس إلياس بن عمار، على أنه "لا يمكن المقارنة بين منشأة عمومية (الستاغ) قادرة على توفير الكهرباء على امتداد نحو 8700 ساعة سنويًا ومحطات فولطاضوئية لا يتجاوز معدل إنتاجها 2700 ساعة في أفضل الحالات".

كما تحدث عن ما وصفه بـ"الكلفة الخفية"، التي لم يقع التنصيص عليها في الاتفاقيات، والمتمثلة في لجوء الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى تشغيل التوربينات الغازية لتعويض النقص في الإنتاج عند غياب أشعة الشمس، وهو ما سيحمّل المؤسسة أعباء إضافية.

وأكد بن عمار أن موقف النقابة "لا يعارض الانتقال الطاقي ولا إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية"، لكنه شدد على أن "الاعتراض يتركز أساسًا على بنود الاتفاقيات التي تسمح للمستثمرين الأجانب باحتكار إنتاج الكهرباء وبيعها بأسعار أعلى مما كان يمكن أن تنتجه "الستاغ" لو أُسندت هذه المشاريع إلى الهيكل العمومي".
هل يمكن للشراكة السعودية أن تعيد رسم خارطة الاقتصاد التونسي؟
"تهديد" للسيادة الطاقية
من جهته، عبّر النائب في البرلمان التونسي بلال المشري، عن رفضه للاتفاقيات التي تمت المصادقة عليها، معتبرًا أنها "تهدد السيادة الطاقية"، قائلًا إنه "لم تكن هناك أي مبررات موضوعية لتمريرها بهذه الصيغة".

وأوضح المشري، في تعليق لـ"سبوتنيك"، أن "هذه الاتفاقيات تتعلق بمنح لزمات لشركات أجنبية قصد إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية عبر إنشاء محطات فولطاضوئية في تونس"، مشيرًا إلى أن "المستثمرين الأجانب سيحصلون على امتيازات واسعة جدًا تشمل الإعفاء الكامل من الضرائب والمعاليم الديوانية والأداء على الاستهلاك".

كما تحدث النائب عن تمكين هذه الشركات من استغلال الأراضي الدولية التونسية، قائلًا إنها ستتمتع "بحق التخصيص وحتى التملك"، إلى جانب التنصيص على اللجوء إلى التحكيم الدولي في جنيف في حال عدم التوصل إلى تسوية للنزاعات داخل تونس.
توافق اقتصادي سياسي بين الجزائر وتونس خلال الدورة 23 للجنة المشتركة للتعاون
خطوة ضرورية نحو الانتقال الطاقي

في المقابل، دافع النائب في البرلمان وعضو لجنة الطاقة محمد علي فنيرة، عن الاتفاقيات المتعلقة بإنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة، معتبرًا أنها "مكسب لتونس وخطوة ضرورية لتعزيز الأمن الطاقي، خاصة في ظل الأزمة التي يعيشها قطاع الطاقة في البلاد".

وقال فنيرة، في تصريح لـ"سبوتنيك"، إن تونس تواجه اليوم "أرقامًا حمراء" على مستوى الطاقة، موضحًا أن "العجز الطاقي بلغ نحو 65 بالمئة، في حين لا يغطي الإنتاج المحلي سوى 35 بالمئة من حاجيات البلاد".

وأضاف أن "المشاريع التي تمت المصادقة عليها ستوفر نحو 600 ميغاواط من الكهرباء، وهو ما سيمكّن من تغطية حوالي 6.6 بالمئة من الاستهلاك الوطني للطاقة، وذلك في إطار خطة أوسع تستهدف بلوغ 35 بالمائة من الطاقات المتجددة بحلول سنة 2030، سواء عبر الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح".
البنك المركزي التونسي يعزز شراكته مع البنك الأفريقي للتصدير.. هل تنعكس هذه الخطوة على الاقتصاد؟
واعتبر النائب التونسي أن "هذه الاتفاقيات لا تمثل تفريطًا في السيادة الطاقية كما يروج البعض، بل تهدف على العكس إلى تحقيق استقلالية تونس الطاقية وتقليص الارتهان لمصدر وحيد لإنتاج الكهرباء يتمثل في الغاز الطبيعي، الذي تقدر مساهمته في إنتاج الكهرباء بنحو 94 بالمئة، جزء مهم منه يتم استيراده من الجزائر".

كما أكد فنيرة أن "هذه المشاريع ستسمح بإنتاج الكهرباء بكلفة أقل"، موضحًا أن "سعر الكيلوواط المنتج عبر هذه المشاريع يناهز 100 مليم، في حين أن كلفة إنتاجه من قبل الشركة التونسية للكهرباء والغاز تصل إلى نحو ثلاثة أضعاف"، وفق تعبيره.

ونفى المتحدث "وجود إقصاء للمستثمرين التونسيين أو للشركة التونسية للكهرباء والغاز"، مشيرًا إلى أن الوضعية المالية لـ"الستاغ" لا تسمح لها حاليًا بإنجاز مشاريع بهذا الحجم، باعتبار أنها تتطلب تمويلات وقروضًا ضخمة تتراوح، بحسب تقديره، بين 250 و300 مليون دينار لإنتاج 100 ميغاواط فقط.
وأوضح، في السياق ذاته، أن "البنوك المحلية تفرض نسب فائدة مرتفعة تصل إلى 10 بالمائة، في حين ستتمكن الشركات الأجنبية المستثمرة من الحصول على تمويلات من بنوك خارجية بفوائد لا تتجاوز 3.5 بالمئة، وهو ما يجعل كلفة الاستثمار أقل".

ولفت إلى أن "هذه المشاريع ستسمح أيضاً للـ"ستاغ" بتوفير ما يقارب 50 مليون دينار سنويًا كانت تخصص لتوريد الغاز الطبيعي المستخدم في إنتاج الكهرباء".

وانتقد فنيرة ما وصفه بـ"حملات التخوين والتحريض"، التي استهدفت النواب الذين صوّتوا لصالح الاتفاقيات، مؤكدًا أن التصويت بـ"نعم" كان "بهدف حماية مصلحة تونس" بعد مشاورات ونقاشات مع أطراف متدخلة عدة، من بينها الشركة التونسية للكهرباء والغاز نفسها، على حد قوله.
مناقشة