مسار التوحيد الأمني والعسكري في ليبيا... تقدم حذر وعقبات تهدد العودة إلى نقطة الصفر

في ظل استمرار الانقسام السياسي والأمني في ليبيا، تتواصل الجهود الدولية لدفع مسار توحيد المؤسستين العسكرية والأمنية باعتباره أحد أبرز مفاتيح الاستقرار وإنهاء حالة التشظي التي تعيشها البلاد منذ سنوات.
Sputnik
وتبرز مجموعة العمل الأمنية المنبثقة عن "عملية برلين" كأحد أبرز الأطراف الدولية الساعية إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية، عبر دعم الحوار الأمني، وتقديم المقترحات الفنية والقانونية، وتشجيع خطوات بناء الثقة بين المؤسسات العسكرية والأمنية في شرق البلاد وغربها.
ليبيا: "الطاولة المصغرة" بين التسوية والانقسام.. أزمة تمثيل تضرب المجلس الأعلى للدولة
مسارات مهمة
قال أستاذ القانون والباحث السياسي الليبي رمضان التويجر إن المسار الأمني والعسكري يعد من أهم المسارات المطروحة في الملف الليبي، بل "المسار الأهم" مقارنة ببقية المسارات السياسية والاقتصادية، باعتبار أن جوهر الأزمة الليبية يتمثل في غياب سلطة سياسية موحدة تمتلك مؤسسات أمنية وعسكرية قادرة على فرض الأمن والاستقرار في كامل البلاد.

وأضاف التويجر في تصريح خاص لـ"سبوتنيك"، أن الدولة، وفق المفهوم الدستوري والمؤسساتي، يفترض أن تمتلك أذرعًا أمنية وعسكرية موحدة تعمل تحت سلطة مركزية واحدة، بما يضمن تطبيق القانون وحماية مؤسسات الدولة، مشيرًا إلى أن استمرار الانقسام في المؤسستين الأمنية والعسكرية انعكس بشكل مباشر على حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني التي تعيشها ليبيا منذ سنوات.

وأضاف أن ملف توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية "لم يأخذ حقه الحقيقي" خلال مختلف جولات الحوار والمباحثات السياسية، سواء تلك التي رعتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، أو المبادرات التي قادتها الأطراف الليبية داخليًا، رغم أن نجاح أي تسوية سياسية يبقى مرتبطًا بوجود مؤسسات أمنية وعسكرية موحدة وقادرة على تنفيذ مخرجات الاتفاقات.
ليبيا… مصفاة "الزاوية" تعلن توقفها عن العمل جراء الاشتباكات في المدينة وسقوط قذائف داخل مجمعها
وأكد التويجر إيمانه بأن توحيد المؤسستين الأمنية والعسكرية في عموم ليبيا سيسهم بشكل إيجابي على العملية السياسية والديمقراطية، وسيسهم في تهيئة بيئة مستقرة لإجراء الانتخابات وضمان التداول السلمي على السلطة، من خلال وجود مؤسسة أمنية وعسكرية موحدة تخضع لسلطة واحدة وتعمل وفق أحكام الدستور والقانون.
جهود دولية

من جانبه، قال المحلل السياسي الليبي معتصم الشاعري، إن الدور الذي تؤديه مجموعة برلين في ملف توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية الليبية يظل دورًا تيسيريًا وضاغطًا أكثر من كونه دورًا تنفيذيًا مباشرًا، موضحًا أن المجموعة، التي تضم الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وإيطاليا وفرنسا وتركيا وعددًا من الأطراف الدولية، تتابع تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار عبر اللجنة العسكرية المشتركة 5+5، وتسعى إلى مساعدة الأطراف الليبية في الدفع نحو توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية.

وأضاف في تصريحات لـ"سبوتنيك"، أن المجموعة تعمل كذلك على دعم الجهود الرامية إلى إخراج المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا، إلى جانب تشجيع بناء مؤسسات أمنية وعسكرية موحدة تخضع لسلطة مركزية واحدة، بما يساهم في إنهاء حالة الانقسام التي تعيشها البلاد منذ سنوات.
وأشار الشاعري إلى أن لجنة 5+5 لا تزال تواصل اجتماعاتها وتحركاتها بالتعاون مع البعثة الأممية، إلا أن عملها شهد خلال الفترة الأخيرة حالة من الركود النسبي، خاصة فيما يتعلق بخطوات التوحيد العسكري الفعلية، رغم استمرار المساعي الدولية والإقليمية لإيجاد حلول توافقية بين مختلف الأطراف.
البعثة الأممية في ليبيا لـ"سبوتنيك": لا بد من إطار قانوني ومؤسسي موحد يضمن حياد المؤسسة العسكرية
وفي المقابل، اعتبر أن هناك مؤشرات إيجابية بدأت تظهر على الأرض، من بينها التحركات التي تقودها القيادة العامة للجيش الليبي، عبر نائب القائد العام صدام حفتر، إلى جانب اللقاءات التي جمعته مع مسؤولين عسكريين من حكومة الوحدة الوطنية، وآخرها لقاءات ومناورات سرت العسكرية، التي وصفها بأنها تمثل خطوة متقدمة نحو بناء الثقة بين المؤسستين العسكريتين في شرق البلاد وغربها.
وأكد أن توحيد المؤسسة العسكرية سيمثل مدخلًا رئيسيًا لتوحيد بقية مؤسسات الدولة، باعتبار أن المؤسسة الأمنية والعسكرية تشكل العمود الفقري لاستقرار الدولة وفرض سلطتها على كامل التراب الليبي.
وحول أبرز العوائق التي تعرقل عمل اللجنة العسكرية، أوضح الشاعري أن تضارب المصالح الخارجية والتدخلات الدولية المتنافسة لا تزال تمثل أحد أبرز أسباب تعثر المسار، إضافة إلى استمرار نفوذ الجماعات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة، خاصة في المنطقة الغربية، فضلًا عن غياب سلطة تنفيذية موحدة واستمرار حالة الشك وعدم الثقة بين القيادات العسكرية والسياسية.
وأضاف أن خطاب التخوين المتبادل والانقسام السياسي الحاد يعرقلان أي تقدم حقيقي نحو توحيد المؤسسات، مشددًا على أن بناء الثقة بين جميع الأطراف يمثل شرطًا أساسيًا للمضي قدمًا نحو إقامة سلطة أمنية وعسكرية وسياسية موحدة.
رئيس "الوحدة الوطنية" في ليبيا يوجه بالتنسيق مع إسبانيا والتحقيق في شحنة كوكايين متجهة إلى بلاده
وأشار إلى أن الحوارات التي شهدتها ليبيا خلال عام 2025 حققت نجاحًا نسبيًا في خفض مستوى التوتر، إلا أن بناء الثقة الكاملة لا يزال يواجه تحديات كبيرة.
ولفت إلى أن اجتماعات بنغازي وسرت، واللقاءات التي جمعت صدام حفتر بعدد من المسؤولين العسكريين، ساهمت في خلق حالة من التقارب الميداني، وهو ما تحاول البعثة الأممية البناء عليه وتحويله إلى خطوات عملية ملموسة على أرض الواقع.
وأوضح أن البعثة الأممية تواصل جهودها لدفع مسار توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية من خلال الحوار المهيكل، إلا أن هذا المسار لا يزال هشًا، وقد يتراجع في حال حدوث أي توتر سياسي جديد يعيد الأطراف إلى نقطة الصفر.
ضخ الدولار وبيعه عبر المصارف في ليبيا .. بين اختبار الوقت وضغوط السوق الموازية
وأكد أن توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية تحت قيادة واحدة من شأنه أن يمهد لتوحيد السلطة السياسية وإنهاء حالة الانقسام، موضحًا أن نجاح أي عملية انتخابية مستقبلية، وتأمين الحدود، ومكافحة التهريب، والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، جميعها ملفات ترتبط بشكل مباشر بوجود مؤسسات أمنية وعسكرية موحدة وقادرة على فرض الاستقرار في البلاد.
حصري
وكانت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا قد ناقشت مسار الأمن ضمن أعمال الحوار المهيكل الذي تُسيِّره بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، خلال الأسبوع الأخير من اجتماعاته الحضورية أمس الخميس بمدينة بنغازي، جملة من المقترحات الرامية إلى معالجة التحديات القانونية والعملياتية والسياسية المرتبطة بتوحيد المؤسستين العسكرية والأمنية في ليبيا.
وركزت النقاشات على أبرز العوائق التي تعرقل مسار التوحيد، وفي مقدمتها وجود تشكيلات مسلحة موازية، وضعف آليات الإنفاذ، والهشاشة الأمنية على الحدود، إلى جانب التدخلات الأجنبية وما تسببه من دعم وتمويل للجماعات المسلحة والأطراف السياسية المتنافسة، فضلًا عن استمرار وجود المقاتلين الأجانب والمرتزقة.
وفي تصريح سابق لـ"سبوتنيك"، قال مدير الإعلام والاتصال في بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، محمد الأسعدي، إن أعضاء مسار الأمن خلصوا إلى أن انقسام منظومة الحوكمة الأمنية يعود أساسًا إلى الانقسام السياسي، وليس إلى نقص في القدرات الفنية أو المهنية.
وأوضح الأسعدي أن المشاركين شددوا على أن الإرادة السياسية، وربط الإصلاحات الأمنية بالمسار السياسي الشامل، يمثلان عاملين حاسمين لتحقيق توحيد المؤسستين العسكرية والأمنية، مؤكدين أن إنهاء الانقسام السياسي وتشكيل سلطة مدنية موحدة يعدان شرطين أساسيين لا يمكن تجاوزهما.
تونس وليبيا والجزائر تراهن على إدارة مشتركة لأكبر خزان جوفي في العالم
وأضاف أن أعضاء المسار دعوا إلى إنشاء قيادة عسكرية موحدة عبر اتفاق سياسي جامع، مع تفعيل آليات تنسيق مرحلية، من بينها غرف العمليات المشتركة، لتسهيل التعاون الميداني وتعزيز الثقة بين الأطراف.
كما اتفق المشاركون، بحسب الأسعدي، على ضرورة توسيع صلاحيات اللجنة العسكرية المشتركة "5+5" لتشمل ملف توحيد المؤسسة العسكرية، ومنحها دورًا أكبر في دعم جهود الدمج والإصلاح وإعادة الهيكلة بصورة شاملة ومتوازنة جغرافيًا.
وشدد أعضاء المسار كذلك على أهمية وجود إطار قانوني ومؤسسي موحد يضمن حياد المؤسسة العسكرية، ويكرّس مبادئ الرقابة المدنية والمساءلة واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون.
وفي هذا السياق، طُرحت مقترحات لإجراء مراجعة شاملة للتشريعات الأمنية القائمة وتحديثها بما يتناسب مع التهديدات الأمنية الراهنة والمستجدة.

ودعا المشاركون أيضًا إلى تنفيذ برامج متكاملة لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، إلى جانب إصلاح قطاع الأمن، واعتماد تدابير لبناء الثقة، وإطلاق مبادرات للتواصل الاستراتيجي بهدف تعزيز التماسك المؤسسي واستعادة ثقة الشارع الليبي.

وخلال الاجتماعات، قدّم أعضاء مسار الأمن إلى فريق العمل الأمني المنبثق عن "مسار برلين" مجموعة من المقترحات الأولية التي جرى تطويرها منذ انطلاق الحوار المهيكل في ديسمبر الماضي، وشملت ملفات أمن الانتخابات، ومنع النزاعات، وحوكمة القطاع الأمني.
بنغازي تحتضن حراكا أمنيا دوليا لدعم توحيد المؤسسات وتأمين الانتخابات في ليبيا
ويهدف الحوار المهيكل، بشكل عام، إلى صياغة توصيات عملية تسهم في تهيئة الظروف المناسبة لإجراء الانتخابات، ومعالجة التحديات السياسية والأمنية الراهنة، بما يدعم مسار الإصلاح وتعزيز مؤسسات الدولة، وصولًا إلى بناء توافق وطني يمهّد لتحقيق الاستقرار والسلام في ليبيا.
وتعاني ليبيا من أزمة سياسية معقدة، في ظل وجود حكومتين متنافستين، الأولى في الشرق بقيادة أسامة حماد، المكلف من قبل مجلس النواب، والثانية في الغرب بقيادة عبد الحميد الدبيبة، الذي يرفض تسليم السلطة إلا من خلال انتخابات.
وكان من المقرر إجراء انتخابات رئاسية في ليبيا، في 24 ديسمبر/ كانون الأول 2021، إلا أن الخلافات السياسية بين الأطراف المتنازعة، إضافة إلى النزاع حول قانون الانتخابات، حالت دون إتمامها.
مناقشة