كيف تستفيد تونس من زيادة إمدادات الغاز الجزائري نحو أوروبا؟

© Photo / Unsplash/ Wolfgang Weiser
تابعنا عبر
حصري
في كل مرة تتغيّر فيها خرائط الطاقة في أوروبا تعود تونس إلى الواجهة، ليس بوصفها منتجا رئيسيا لهذه الطاقة الأحفورية، بل بوصفها معبرا حيويا لأنبوب الغاز الذي يربط الجزائر بإيطاليا.
الزيارات الأخيرة التي قامت بها رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، ووزير خارجية إسبانيا خوسيه مانويل ألباريس، إلى الجزائر، تعيد طرح هذا الدور في سياق مختلف يتجاوز مجرد العبور التقني إلى رهانات جيوسياسية واقتصادية أوسع، خاصة مع سعي روما إلى تعزيز إمدادات الغاز الجزائري لتعويض اضطرابات التزود من قطر، التي كانت تؤمن نحو 10% من حاجياتها عبر الشحن البحري.
هذا التحول في بوصلة التزود الأوروبي لا يعكس فقط بحثا عن بدائل أكثر استقرارا، بل يكشف أيضا عن إعادة ترتيب موازين الطاقة في حوض المتوسط، حيث تبرز الجزائر كمزود رئيسي مدعومة بشراكات مع شركات كبرى، في حين تظل تونس في موقع الوسيط الجغرافي الذي تمر عبره هذه التدفقات نحو الضفة الشمالية.
زيادة في حجم العائدات المالية
وفي السياق، أوضح الخبير الدولي في الطاقة، رضا مأمون، في حديث لـ"سبوتنيك"، أن "الربط الطاقي بين الجزائر وإيطاليا يقوم أساسا خط "ترانسميد" الذي تصل طاقة استيعابه إلى نحو 30 مليار متر مكعب سنويا، وهو ما يجعل هذا المسار أحد أهم شرايين الغاز في الضفة الجنوبية للمتوسط".
وأضاف مأمون: "تستفيد تونس من عبور الغاز الجزائري عبر أراضيها عبر نظام مزدوج للإتاوة، يتمثل في حصة عينية تقارب 5.25% من الكميات العابرة نحو إيطاليا، إضافة إلى إتاوة نقدية تتغير قيمتها وفق تطورات أسعار النفط في الأسواق العالمية، وتُوجَّه إلى ميزانية الدولة".
وأشار إلى أن "ارتفاع كميات الغاز المارة عبر الخط يعني بشكل مباشر زيادة في العائدات المالية التي تتحصل عليها تونس"، موضحًا أن "هذه الإتاوات تكتسي أهمية خاصة بالنسبة لتونس، باعتبارها تساهم في دعم توازناتها الطاقية، خاصة وأن تونس تعتمد على الغاز الجزائري لتغطية ما يقارب 48% من استهلاكها المحلي".
ولفت مأمون إلى أن "أوروبا، في سياق التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، تبحث اليوم عن مسارات آمنة ومستقرة لتأمين حاجياتها من الغاز، بعيدا عن بؤر الصراع والتقلبات، وهو ما يمنح خط الأنابيب المار عبر الأراضي التونسية أهمية إضافية باعتباره مسارا أقل عرضة للمخاطر".
وتابع: "الدور الذي تضطلع به تونس في هذه المنظومة يظل، في الوضع الراهن، محصورًا في إطار الوساطة مقابل عائد مالي، دون أن يتجاوز ذلك نحو أدوار أكثر تعقيدا داخل سوق الطاقة".
وختم مأمون حديثه، بالقول: "تمتلك الجزائر اليوم إمكانيات حقيقية لمضاعفة صادراتها نحو السوق الأوروبية، في ظل المنافسة الدولية القائمة"، مشيرًا إلى أن "هذا الرهان يبدو قابلا للتحقق بالنظر إلى وجود فائض في الإنتاج لدى الجزائر، ما يعزز من مكانتها كمزود موثوق في سوق طاقي يشهد تحولات متسارعة".
ومع اعتماد إيطاليا على الغاز الجزائري لتغطية أكثر من 30% من احتياجاتها، يكتسب خط الأنابيب العابر للأراضي والمياه التونسية أهمية مضاعفة، باعتباره شريانا حيويا في معادلة أمن الطاقة الأوروبي.
ويعود تاريخ هذا الخط، المعروف بخط "ترانسميد"، إلى ثمانينيات القرن الماضي، حيث ينطلق من حقول الغاز في الجزائر، ويمر عبر الأراضي التونسية قبل أن يصل إلى جزيرة صقلية في إيطاليا، ومنها إلى الشبكة الأوروبية الأوسع، وهو ما يجعل تونس حلقة عبور أساسية في هذا المسار الممتد عبر المتوسط.
وبموجب هذا الموقع، تستفيد تونس من عائدات مالية مرتبطة بحق العبور أو "الاتاوة"، إضافة إلى جزء من الغاز الموجه للاستهلاك المحلي، وهو ما يمثل أحد أوجه استفادتها المباشرة من هذا الخط.
استفادة غير ثابتة
من جانبه، يؤكد الخبير في الطاقة والمحروقات محمد غازي بن جميع، في حديث لـ"سبوتنيك"، أن "أبرز مكسب يمكن أن تحققه تونس من ارتفاع تدفقات الغاز يتمثل أساسا في زيادة قيمة الإتاوة، باعتبارها الآلية المباشرة التي تربط حجم العبور بالعائدات المالية التي تستفيد منها الدولة."
وأضاف: "هذه المعادلة لا تظل ثابتة بالضرورة، نظرا لتوفّر بدائل متعددة أمام السوق الأوروبية لتأمين حاجياتها من الغاز الجزائري"، وتابع: "في حين يظل خط "ترانسميد" المار عبر الأراضي التونسية خيارا محوريا، لا يمكن إغفال وجود خط آخر لا يقل أهمية، وهو خط "ميدغاز" الذي يربط الجزائر بإسبانيا عبر البحر، بطاقة استيعاب تقارب 12 مليار متر مكعب سنويا، ما يمنح الجزائر وأوروبا هامشا إضافيا في تنويع مسارات التزود".
وشدد الخبير على أن "استفادة تونس من الإتاوة تبقى رهينة استمرار تدفق الغاز عبر خط "ترانسميد"، إذ إن أي توجه نحو تعزيز المسارات البديلة أو تطوير قنوات أخرى قد يؤثر بشكل مباشر على حجم العائدات المتأتية من العبور".
والخيار الثالث المطروح في سوق الطاقة، بحسب بن جميع، يتمثل في "نقل الغاز الجزائري في شكله المسال عبر السفن، وهو خيار يُستخدم على نطاق واسع دوليا، ويوفر بدوره بدائل مرنة للدول المستهلكة، بما يقلص من الاعتماد الحصري على خطوط الأنابيب، ويزيد من مستوى التنافس بين مختلف مسارات الإمداد في حوض المتوسط".
وشهدت الجزائر في الفترة الأخيرة حراكا دبلوماسيا لافتا مع شركائها الأوروبيين، يعكس تنامي الاهتمام بموقعها كمصدر رئيسي للطاقة. فقد استقبلت خلال أسبوع واحد فقط وفودا رفيعة المستوى، من بينها زيارة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، تلتها زيارة وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، في تحرك يعكس تقاطعا واضحا في المصالح بين ضفتي المتوسط.
وتمحورت هذه الزيارات حول هدف مشترك يتمثل في تعزيز إمدادات الغاز الجزائري نحو أوروبا، خاصة في ظل التحديات التي تواجه أسواق الطاقة العالمية. وتكتسب هذه الديناميكية أهمية إضافية بالنظر إلى أن الجزائر تعد من أبرز المنتجين في القارة الأفريقية، وتحتل موقعا متقدما ضمن كبار المنتجين عالميا، بما يجعلها شريكا استراتيجيا لا غنى عنه في معادلة الأمن الطاقي الأوروبي.
أين تقف مكاسب تونس؟
وفي السياق ذاته، يرى المستشار الدولي في الطاقة عز الدين خلف الله، أن "التحولات الجارية في إمدادات الغاز نحو أوروبا، وخاصة نحو إيطاليا، ترتبط بإعادة توجيه وسائل النقل أكثر من ارتباطها بزيادة مطلقة في الكميات".
وقال لـ"سبوتنيك": "تمتلك إيطاليا بواخر لنقل الغاز كانت تعتمد عليها لاستيراده من قطر، وستتجه اليوم لتعويض جزء من هذه الإمدادات بالغاز الجزائري، ولكن ليس بالكامل، باعتبار أن جزءا من الكميات سيتم تأمينه عبر الأنابيب".
ويضيف خلف الله: "خطوط الأنابيب، وعلى رأسها خط "ترانسميد"، لم تبلغ بعد طاقتها القصوى، غير أنه يلفت إلى محدد أساسي في هذه المعادلة، يتمثل في أن إيطاليا لا يمكن لها أن تشتري الغاز بما يتجاوز طاقة استيعاب هذه الأنابيب، والتي تبلغ في حدود 33 مليار متر مكعب سنويا، ما يجعل سقف الإمدادات مرتبطا بالقدرات التقنية للبنية التحتية القائمة".
وفي ما يتعلق بانعكاسات ذلك على تونس، أوضح أن "حجم الإتاوة التي تتحصل عليها البلاد يظل متغيرا تبعا للكميات العابرة سنويا، إذ "ليست هناك كمية قارة من الغاز الذي تتزود به إيطاليا كل سنة، وهو ما يفسر تذبذب العائدات".
وبيّن خلف الله، أن "نسبة الإتاوة ترتفع تدريجيا مع زيادة التدفقات، حيث تقدر بنحو 5.25% عندما تبلغ الكميات العابرة 12 مليار متر مكعب، لترتفع إلى 5.75% عند حدود 16 مليار متر مكعب، وتصل إلى 6.25% إذا تجاوزت هذه العتبة".
وأشار إلى أن "إيطاليا ليست المستورد الوحيد للغاز الجزائري عبر خط "ترانسميد"، إذ توجد أطراف أخرى تستفيد من هذا المسار، ما يعني أن تونس تتحصل على نصيبها من الإتاوة على كامل الكميات الموجهة إلى مختلف المشترين، وليس فقط تلك المتجهة إلى السوق الإيطالية".
وخلص خلف الله إلى أن "تونس ستستفيد بالضرورة من أي زيادة في حجم الغاز العابر لأراضيها، خاصة في ظل ارتفاع الطلب المحلي على هذه المادة الحيوية"، مرجحا أن يتم "توجيه العائدات الإضافية أساسا نحو تمويل واردات الغاز من الجزائر. ويبرز في هذا السياق أن سنة 2025 شهدت توجيه كامل عائدات الإتاوة تقريبا لاقتناء الغاز، في ظل تراجع الإنتاج الوطني".








