من بينها تونس ..لماذا علق ترامب تأشيرات الهجرة من 75 دولة وماهي الانعكاسات المحتملة لهذا القرار؟

في خطوة تعيد إلى الواجهة الجدل القديم المتجدد حول سياسات الهجرة الأمريكية، أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعليق جميع إجراءات منح تأشيرات الهجرة لمواطني 75 دولة، من بينها تونس، في قرار أثار تساؤلات واسعة بشأن خلفياته السياسية والأمنية، وانعكاساته المحتملة على الدول المعنية وعلى صورة الولايات المتحدة نفسها كوجهة تقليدية للهجرة.
Sputnik
القرار، الذي كشف عنه متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، لا يشمل تأشيرات السياحة أو الأعمال قصيرة الأمد، بل يقتصر على تأشيرات الهجرة الدائمة، ما يعكس وفقًا لمراقبين توجهًا انتقائيًا يسعى إلى تشديد الخناق على مسارات الاستقرار النهائي داخل الأراضي الأمريكية، دون المساس الكامل بحركية العبور المؤقت التي تخدم مصالح اقتصادية وسياحية واضحة.
ترامب يعلق على مقتل امرأة حاولت دهس ضابط بدائرة الهجرة
ويعوّل قطاع السياحة الأمريكي بشكل كبير على تدفق مئات الآلاف من المشجعين الأجانب خلال الصيف المقبل، لمواكبة فعاليات كأس العالم، في وقت يتوقع فيه الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" أن تساهم البطولة في رفع الناتج الاقتصادي الأمريكي بنحو 30.5 مليار دولار، مع توفير ما يقارب 185 ألف فرصة عمل، ما يفسر حرص الإدارة الأمريكية على تحييد هذا الحدث الرياضي العالمي عن قيود الهجرة الجديدة.
وبحسب الشبكة، سيدخل قرار تعليق منح تأشيرات الهجرة حيز التنفيذ ابتداءً من 21 جانفي/كانون الثاني الجاري، دون تحديد سقف زمني واضح لانتهائه، وهو ما يزيد من حالة الغموض التي تحيط بمصير آلاف الملفات العالقة.
وتشمل قائمة الدول المعنية، التي نشرتها شبكة "فوكس نيوز"، دولًا من إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية، من بينها تونس، الجزائر، مصر، المغرب، لبنان، ليبيا، السودان، سوريا، إضافة إلى دول أخرى مثل روسيا، إيران، العراق، ونيجيريا.
وتشير مذكرة صادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية إلى توجيه السفارات برفض منح التأشيرات وفقًا للقانون الحالي، في انتظار إعادة تقييم شاملة للإجراءات، دون الإشارة إلى جدول زمني محدد لهذه المراجعة.
المزيد من الوظائف للأمريكيين... ترامب يفتخر بأول "هجرة عكسية من البلاد منذ نصف قرن
ويأتي هذا القرار في سياق حملة واسعة ضد الهجرة ينتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ توليه منصبه في يناير/جانفي من العام الماضي، وفاء لتعهدات انتخابية صريحة تبناها خطاب متشدد تجاه ما يسميه "الهجرة من دول العالم الثالث".
وكان ترامب قد جدد هذا التوجه في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، متعهدًا بوقف الهجرة من هذه الدول "على الدوام"، عقب حادثة إطلاق نار قرب البيت الأبيض نفذها مواطن أفغاني، وهي حادثة استثمرها سياسيًا لتعزيز مقاربته الأمنية الصارمة، التي تواصل اليوم إعادة رسم ملامح سياسة الهجرة الأمريكية.
سياسة إقصاء

وحول خلفيات هذا القرار، أوضح الوزير الأسبق وأستاذ علم اجتماع الهجرة مهدي المبروك، في تصريح لـ"سبوتنيك"، أن تعليق الولايات المتحدة منح تأشيرات الهجرة لمواطني 75 دولة يندرج ضمن السياسة الشعبوية التي ينتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي تقوم، بحسب تعبيره، على تضخيم هواجس الخطر وإحياء خطاب المؤامرة، عبر تصوير الأجانب باعتبارهم تهديدًا مباشرًا لأمن الوطن واستقراره.
واعتبر المبروك أن هذا القرار لم يكن مفاجئًا، بل جاء منسجمًا مع تصريحات ترامب خلال حملته الانتخابية، حيث استهدف بشكل مباشر الأجانب، بمن فيهم المقيمون داخل الولايات المتحدة، وهو خطاب تُرجم لاحقًا إلى ممارسات ميدانية من خلال حملات ملاحقة للمهاجرين في المدن الكبرى.
ترامب يعلن تعليق الهجرة من جميع "بلدان العالم الثالث"
وأضاف أن "ترامب دأب على وصم القادمين، خاصة من دول أمريكا اللاتينية، بتجارة المخدرات والاعتماد على المساعدات الاجتماعية، رغم إقدامه في الوقت نفسه على إلغائها، مقدمًا إياهم للرأي العام الأمريكي باعتبارهم عبئًا يثقل كاهل الدولة ويستنزف مواردها".
وأشار أستاذ علم اجتماع الهجرة إلى أن تونس ليست الدولة الوحيدة المعنية بهذا القرار، لافتًا إلى أن القائمة تضم أيضًا المغرب، رغم ما يربطها بالولايات المتحدة من علاقات قوية ومتينة، ما يؤكد، وفق رأيه، أن الاعتبارات الدبلوماسية لم تكن حاسمة في هذا التوجه.
كما شدد على أن هذه السياسة لم تبدأ مع هذا القرار فقط، بل سبقته إجراءات أخرى من بينها قطع المنح عن الطلبة الأجانب وإلغاء الصناديق التي كانت تموّل هجرة الطلاب.
ويرى المبروك أن هذه المقاربة تنطوي على بعد إقصائي واضح، موضحًا أن استهداف ما يُعرف بدول العالم الثالث يعكس تصورًا انتقائيًا للهجرة، قائلاً: "لو كان المهاجرون من الأثرياء أو من دول غنية لما تم اتخاذ مثل هذا القرار".
ترامب: مداهمات الهجرة لم تكن كافية بسبب قيود القضاة الليبراليين
وأضاف أن ترامب ينطلق من فرضية مفادها أن المهاجرين القادمين من دول فقيرة يمثلون عبئًا اقتصاديًا واجتماعيًا، ولذلك ركز على الدول العربية ذات الأوضاع الاقتصادية الهشة، خاصة وهو الذي لطالما رفع شعارات من قبيل "أمريكا قوية بلا مهاجرين" و"أمريكا للأمريكيين فقط".
منطق الهيمنة والمصالح

من جانبه، اعتبر الخبير الاقتصادي ماهر قعيدة، في تصريح لـ"سبوتنيك"، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ينطلق من مقاربة تقوم على تمجيد الولايات المتحدة وتقديم مصالحها على حساب بقية الدول، مذكرًا بأن ما يجري اليوم هو، في جوهره، عودة صريحة إلى مبدأ مونرو القائم على أولوية المصلحة الأمريكية ورفض أي انفتاح لا يخدمها مباشرة.
وأوضح قعيدة أن اختيار 75 دولة لتعليق منح تأشيرات الهجرة لمواطنيها جاء في هذا الإطار، ويمتد إلى أجل غير محدد، بما يعكس رغبة واضحة في إعادة ضبط خريطة الهجرة وفق معايير انتقائية صارمة.
وبيّن الخبير الاقتصادي أن القرار، وإن كان يستثني ظاهريًا التأشيرات الدبلوماسية وتأشيرات السياحة والدراسة، إلا أن التطبيق العملي سيقود، وفق تقديره، إلى تشديد غير مسبوق في إجراءات المراقبة.
بحجة الاحتيال... إدارة ترامب تعلق قبول طلبات الهجرة المقدمة من الأوكرانيين
وقال في هذا السياق إن "الرقابة لن تقتصر على الملفات الإدارية، بل ستشمل التثبت في الحسابات الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي، وما يُنشر من مواقف أو آراء بشأن الولايات المتحدة أو إسرائيل"، مؤكدًا أن وجود أي تحفظات لدى السلطات الأمريكية قد يؤدي إلى رفض التأشيرة مهما كان نوعها.
الانعكاسات المحتملة على تونس
وعن الانعكاسات المباشرة لهذا القرار على تونس، أوضح قعيدة أن التأثير الأبرز سيطال التونسيين المقيمين في الولايات المتحدة، الذين سيُحرمون من حق جلب أفراد عائلاتهم في إطار ما يعرف بلمّ شمل الأسرة، وهو مسار قانوني يمثل ركيزة أساسية لاستقرار الجاليات.
كما أشار الخبير الاقتصادي إلى أن الطلبة التونسيين الدارسين في الجامعات الأمريكية قد يواجهون بدورهم صعوبات إضافية، سواء على مستوى تجديد الإقامة أو استقدام أفراد عائلاتهم.
وفي تحليله لقائمة الدول المشمولة بالقرار، لفت قعيدة إلى أنها تضم 75 دولة، من بينها نحو 20 دولة إفريقية إلى جانب دول من آسيا والخليج، مبررًا ذلك، وفق الخطاب الأمريكي الرسمي، بضعف مستوياتها الاقتصادية أو تدني إتقان اللغة الإنجليزية، غير أن قعيدة يرى أن "الحقيقة أعمق من هذه التبريرات"، معتبرًا أن الأمر يتعلق بسياسة هيمنة وعنصرية.
وحول دلالات اختيار هذه الدول تحديدًا، شدد قعيدة على أن القائمة تكشف استهدافًا واضحًا للدول الفقيرة وذات الأغلبية المسلمة، إذ تتركز أساسًا في إفريقيا الشرقية والغربية، إلى جانب دول المغرب العربي بأكمله.
وفيما يخص إمكانية مراجعة هذا القرار، رأى الخبير الاقتصادي أن الدبلوماسية التونسية، في ظل مواقفها المعلنة المناهضة لإسرائيل وصندوق النقد الدولي، لا تبدو في موقع تفاوض قوي مع الإدارة الأمريكية، خاصة وأن السلطة السياسية في تونس ترفع شعار استقلالية القرار الوطني، وهو خيار لا يلقى، بحسب تقديره، قبولًا لدى واشنطن.
مناقشة