محللون: تحركات الجيش الليبي في الجنوب تمثل خطوة لتعزيز الاستقرار ومواجهة التهديدات الأمنية

في ظل التحديات الأمنية المعقدة التي تواجهها ليبيا منذ سنوات، تواصل القوات المسلحة الليبية عملياتها العسكرية الرامية إلى مكافحة التنظيمات الإرهابية وتعزيز الاستقرار، خاصة في المناطق الحدودية التي تُعد من أبرز بؤر التهديد الأمني.
Sputnik
وتشكل حماية الحدود أولوية استراتيجية للقيادة العامة، في ظل المخاوف من تسلل عناصر متطرفة، وتهريب الأسلحة، واستغلال المساحات الصحراوية الشاسعة لتنفيذ عمليات إرهابية في ليبيا.

من جانبه، قال الخبير العسكري والاستراتيجي محمد الترهوني: "إن المجموعة التي قضت عليها قوات الجيش الليبي في الجنوب الليبي، كانت تتبع سابقا حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج، وهي مجموعة معارضة للقوات المسلحة منذ انطلاق عملياتها، وعملت بشكل متواصل على محاولة خلق جسم معارض للجيش الليبي انطلاقا من مناطق الجنوب".

ليبيا.. ضرائب الاستيراد الجديدة من قبل المصرف المركزي تشعل الجدل في البلاد
وأوضح في حديثه لـ"سبوتنيك" أن هذا التشكيل يتلقى دعما من حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، بالإضافة إلى ما وصفه بالإيعاز الصادر عن التيارات الإرهابية بجناحيها، السياسي المتمثل في جماعة الإخوان المسلمين، والعسكري المرتبط بتنظيمات أخرى، مشيرا إلى وجود دعم سابق من مجالس الشورى المتطرفة وغيرها من التيارات المتشددة لما يعرف بمجموعة "تحرير الجنوب".

وأضاف الترهوني أن "الجيش الليبي بدأ منذ سنوات في تنفيذ عمليات واسعة لمكافحة التنظيمات الإرهابية"، مؤكدا أن "الاعتداء الذي استهدف معبر التوم تزامن مع هجوم لتنظيم الدولة الإسلامية على قاعدة عسكرية في دولة النيجر، في سياق تحركات متزامنة للتنظيمات الإرهابية في المنطقة".

وأشار إلى أن هذه المجموعات تأثرت بشكل كبير بالعمليات العسكرية التي نفذتها القوات المسلحة خلال السنوات الماضية، والتي استهدفت تجفيف منابع الإرهاب وقطع مصادر تمويله، خاصة عبر مكافحة تهريب الوقود والاتجار بالبشر.
ليبيا بين استثمار الدعم الدولي وبناء المؤسسات الوطنية: روسيا تدعو إلى تدرج سياسي واستقرار تراكمي
وبيّن أن القوات المسلحة نفذت مؤخرا عملية عسكرية واسعة على امتداد الشريط الحدودي من أقصى الجنوب الشرقي إلى أقصى الجنوب الغربي، وأسفرت عن نتائج وصفها بالمهمة، من بينها استهداف قيادات بارزة في التنظيمات الإرهابية، والحد من أنشطة تهريب البشر والوقود.
ولفت إلى أن المجموعة التي يقودها المدعو "وردقو" كانت تستفيد من عمليات التهريب، بالإضافة إلى إدخال عناصر متطرفة من دولتي تشاد والنيجر.
وأكد أن أبرز نتائج العمليات العسكرية الأخيرة تمثلت في تدمير آليات تابعة لهذه المجموعات، وأسر عدد من عناصرها، معتبرا أن هذه العمليات شكلت ضربة استباقية ناجحة أسهمت في إحباط تحركاتهم قبل تنفيذ مخططاتهم.
خبراء يحللون دعوة حماد للدبيبة لتسليم السلطة وتأثيرها على مستقبل الانتخابات في ليبيا
وأشار الترهوني إلى أن التحديات التي كانت تواجه القوات المسلحة في تأمين الحدود كانت كبيرة في السابق، إلا أنها شهدت تحسنا ملحوظا بعد الاتفاقيات الأخيرة، وفي إطار رؤية الجيش الليبي لعام 2030، إضافة إلى الزيارات المتبادلة مع دول الجوار، من بينها زيارة نائب القائد العام إلى دولة النيجر، وتوقيع اتفاقيات تعاون أمني مع دولة تشاد، ما أسهم في تعزيز العمليات المشتركة والتنسيق الأمني.
وأوضح أن العملية الأخيرة ضد المجموعات الإرهابية نفذت على عمق يقارب 150 كيلومترا داخل الأراضي النيجرية، معتبرا أن ذلك يمثل تطورا مهما يعكس مستوى التنسيق والتعاون العسكري بين القيادة العامة ودول الجوار.
وأضاف أن "هذه الاتفاقيات العسكرية ستسهم في تسهيل مهمة القوات المسلحة وتعزيز قدرتها على تنفيذ عمليات أكثر فاعلية في تأمين الحدود، مؤكدا أن هناك استراتيجية عسكرية جديدة تمثل نقلة نوعية، خاصة في ظل الانفتاح على دول الجوار والتعاون مع الدول الفاعلة والدول الكبرى، بهدف رفع الكفاءة الاستراتيجية في مكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة".
رئيسة بعثة الأمم المتحدة في ليبيا تعلق على ظروف مقتل سيف الإسلام القذافي
وأكد الخبير الليبي إن العمليات العسكرية الجارية التي تنفذها القوات المسلحة أسهمت في الحد من نشاط التنظيمات الإرهابية، حيث تمكنت القوات من القبض على عدد من العناصر الإرهابية في عدة عمليات على الشريط الحدودي وفي بعض مدن الجنوب، بما في ذلك مدينة سبها.
وأكد أن هذه العمليات تعكس مستوى عاليا من الانضباط والتنسيق العسكري، وأسهمت في إضعاف التنظيمات الإرهابية وتراجع نفوذها في الجنوب الليبي، نتيجة الضربات المتتالية التي تلقتها خلال الفترة الماضية.
من جانبه، قال المحلل السياسي الليبي إدريس أحميد إن ليبيا عانت من انهيار المؤسسة العسكرية قبل عام 2011، إلا أن القيادة العامة للقوات المسلحة تمكنت خلال السنوات الماضية من إعادة بناء الجيش الليبي، واستطاعت تنفيذ عمليات عسكرية واسعة أسهمت في إنهاء وجود التنظيمات الإرهابية في شرق البلاد، وبسط السيطرة على مناطق واسعة في الجنوب والوسط، وصولا إلى مناطق الشمال الشرقي.
تهريب العملة الصعبة في ليبيا أحد أبرز أسباب تفاقم أزمة السيولة النقدية
وأضاف في تصريح خاص لـ"سبوتنيك" أن "الموقع الجغرافي لليبيا يمثل تحديا أمنيا كبيرا، نظرا لامتلاكها حدودا برية طويلة مع عدة دول، إضافة إلى مساحتها الشاسعة التي تمتد عبر مناطق صحراوية تمثل نحو ثلث مساحة منطقة الساحل والصحراء، والتي تعاني العديد من دولها من انتشار الإرهاب والجريمة المنظمة والاتجار بالمخدرات".
وأشار إلى أن الجيش الليبي تمكن من فرض سيطرته على هذه المناطق رغم صعوبة الظروف الأمنية والجغرافية، معتبرا ذلك إنجازا مهما في سياق استعادة الاستقرار.
وتابع أن من أبرز نتائج هذا الإنجاز تعزيز السيطرة العسكرية على المناطق الحيوية، بما في ذلك تأمين الحقول والمنشآت النفطية والثروات الوطنية، إلى جانب تنفيذ عمليات استهدفت القضاء على التنظيمات الإرهابية والحد من تحركاتها.
المؤسسة الليبية للصحافة الاستقصائية تنظم ملتقى حول واقع صحافة حقوق الإنسان في ليبيا
وأشار إلى أن الحدود الجنوبية تمثل تحديا أمنيا معقدا بسبب اتساعها الجغرافي، وامتدادها عبر مناطق تنشط فيها جماعات إرهابية قادمة من دول مثل مالي وتشاد والنيجر، وهي مناطق توصف بأنها من بين الأكثر هشاشة أمنيا في المنطقة.
وأكد أن القيادة العامة للقوات المسلحة عملت على تعزيز التعاون مع دول الجوار، خاصة تشاد والنيجر، إلى جانب تطوير التنسيق مع الأطراف الدولية، التي باتت تنظر إلى الجيش الليبي كشريك مهم في جهود مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود.
وأوضح أن هذه الجهود العسكرية والأمنية أسهمت في فرض الاستقرار داخل العديد من مدن الجنوب الليبي، التي كانت تعاني سابقا من انتشار الجريمة والتنظيمات الإرهابية والصراعات المسلحة، مشيرا إلى أن هذه المناطق بدأت تشهد تحسنا نسبيا في الأوضاع الأمنية وعودة تدريجية للنشاط التجاري، وهو ما يعكس نتائج الخطط الأمنية التي نفذتها القوات المسلحة.
"الحوار المهيكل" في ليبيا بين كسر الجمود السياسي وإعادة إحياء المسار التفاوضي
وفيما يتعلق بالعملية العسكرية الأخيرة في الجنوب الليبي، قال أحميد: "إنها جاءت كعملية سريعة وحاسمة، ردا على ما وصفها بتحركات العصابات الإرهابية التي استهدفت عناصر الجيش المكلفين بتأمين معبر التوم".

وأضاف أن "القيادة العامة كانت تمتلك خططا مسبقة للتعامل مع هذه التهديدات، وتم تنفيذ العملية بعد تنسيق مع دولتي تشاد والنيجر، ما أسهم في استعادة الأسرى وتفكيك هذه المجموعات المسلحة التي تنشط في التهريب والأنشطة غير القانونية".

مؤكدا إن نتائج هذه العملية تمثل، من وجهة نظره، تطورا مهما في جهود تأمين الجنوب الليبي، وتعكس قدرة القوات المسلحة على تنفيذ عمليات نوعية تسهم في الحد من التهديدات الإرهابية وتعزيز الاستقرار في المناطق الحدودية.
مناقشة