ارتدادات الصراع… كيف يوازن المغرب والجزائر علاقتهما بأطراف الصراع في الشرق الأوسط
محمد حميدة
مراسل وكالة "سبوتنيك" في مصر
أثارت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تساؤلات مهمة بشأن علاقات الدول العربية بأطراف الصراع، والارتدادات المستقبلية على الشرق الأوسط.
Sputnikرغم بعد المسافة جغرافيًا، لم تكن منطقة المغرب العربي بعيدة عن
الحرب الواقعة في إيران، فعلاقات الجزائر بإيران من جهة واستفادتها من ارتفاع أسعار الغاز والنفط من جهة أخرى يطرح تساؤلات بشأن قدرتها على الموازنة خاصة في ظل علاقات قوية مع بعض دول الخليج أيضا.
المملكة المغربية هي الأخرى ليست بعيدة عن هذا الصراع الدائر، إذ ترتبط بعلاقات قوية مع
الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وكذلك الدول الخليجية، ما يطرح تساؤلات بشأن إمكانية استفادتها تجاه "ملف الصحراء"، خاصة أن الدول الخليجية كان لها مطابقة لرؤية المغرب في هذا الملف، بينما ظلت الخلافات بين إيران والمغرب قائمة ومتفاقمة.
وقطعت المملكة المغربية علاقاتها الدبلوماسية مع إيران بشكل رسمي في 1 مايو/ أيار 2018، على إثر اتهامات بدعم "جبهة البوليساريو".
قال المحلل السياسي والأمني الجزائري أكرم خريف إنه من الصعب وصف إيران بالشريك أو الحليف الاستراتيجي للجزائر، معتبراً أن العلاقة بين الدولتين تقتصر على التمثيل الدبلوماسي بوجود سفارات في كلا البلدين.
وأضاف في حديثه مع "سبوتنيك"، أن هذه العلاقة تفتقر إلى الروابط الاقتصادية والعسكرية، حيث لم يعتمد الجيش الجزائري على الأسلحة الإيرانية سابقًا، كما يلاحظ غياب المراكز الثقافية الإيرانية في الجزائر أو وجود جالية جزائرية في إيران، بخلاف ما هو موجود في دول أخرى مثل تونس.
طبيعة العلاقات بين الجزائر وإيران
ويرى المحلل الأمني أن الدولتين تلتقيان في ملفات محدودة مثل مساندة القضية الفلسطينية والعمل على الحد من النفوذ الإماراتي في بعض المناطق الأفريقية، لا سيما في منطقة الساحل.
وأشار خريف إلى وجود جالية جزائرية كبيرة في دول الخليج، لافتا إلى عمق العلاقات مع السعودية وقطر، ومذكرا بأن أول زيارة دولة للرئيس عبد المجيد تبون كانت إلى الرياض، مما يعكس الأولوية الاستراتيجية لهذه العلاقات.
وشدد خريف على أن الموقف الجزائري الحالي يتسم بالمعقولية، حيث كان من المنطقي التنديد بقصف الدول العربية وفي الوقت نفسه التنديد بالهجوم الأمريكي على إيران.
وشدد على أن الجزائر ليست مجبرة على المفاضلة بين إيران ودول الخليج، بل تتبنى رؤية تهدف إلى المساعدة في بناء عقد أمني توافقي جديد في الشرق الأوسط يجمع جيوش الدول العربية
وإيران بعيدا عن المظلة العسكرية الغربية، وبالأخص الأمريكية.
دعم تقليدي
من ناحيته قال الخبير الأمني الجزائري، أحمد ميزاب، إن الحديث عن دعم تقليدي أو تحالف استراتيجي بين الجزائر وإيران لا يعكس بدقة طبيعة الدبلوماسية الجزائرية ولا فلسفة سياستها الخارجية.
وأضاف في حديثه مع "سبوتنيك"، أن الجزائر منذ الاستقلال تبني علاقاتها الدولية على مبدأ الاستقلال في القرار ورفض منطق المحاور.
ويرى أن هذا الخيار الاستراتيجي راسخ وظهر في محطات عديدة من التاريخ الدبلوماسي الجزائري حيث حرصت الجزائر على الحفاظ على مسافة متوازنة مع مختلف الأطراف، بما يسمح لها بلعب أدوار تهدئة ووساطة بدل الانخراط في صراعات الاستقطاب.
وتابع: الخبير "من هذا المنطلق، فإن تصوير الجزائر وكأنها أمام معادلة الاختيار بين
أطراف متصارعة، لا ينسجم مع طبيعة موقعها ولا مع تقاليدها الدبلوماسية".
وأشار إلى أن الجزائر لا تتحرك وفق منطق الاصطفاف بل وفق منطق الاستقلالية في القرار ودعم الاستقرار الإقليمي وتشجيع الحلول السياسية للنزاعات.
ولفت ميزاب إلى أن الجزائر دولة طاقوية معروفة بمصداقيتها في احترام التزاماتها الدولية، وبحرصها على استقرار السوق وأمن الإمدادات.
وأوضح أن اختزال مقاربة دولة بحجم الجزائر في فكرة الاستفادة من ارتفاع الأسعار بسبب
الحروب هو تبسيط مخل لا يعكس طبيعة المقاربة الجزائرية، التي تنطلق من قناعة واضحة مفادها أن الاضطراب الجيوسياسي الحاد لا يخدم استقرار الأسواق ولا استقرار المنطقة.
واستطرد الخبير الأمني: "الجزائر لا تجد نفسها أمام معادلة الاختيار بين هذا الطرف، أو ذاك بل أمام مسؤولية الحفاظ على استقلالية قرارها والدفاع عن منطق الاستقرار، والحلول السياسية في بيئة دولية تتزايد فيها محاولات دفع الدول نحو الاصطفاف".
علاقة المغرب بأطراف الصراع
بشأن الارتدادات على علاقة المغرب
بأطراف الحرب القائمة، يقول عضو المجلس المغربي للشؤون الخارجية، أحمد نور الدين، إن السياسة الخارجية للمملكة المغربية ترتكز على عقيدة ثابتة مفادها أن المغرب لا يستثمر في الحروب بل في بناء السلام، مشددا على أن الرباط لا تدخل في تحالفات انتهازية ضد أي دولة، بل هي حليف موثوق يفي بالتزاماته تجاه شركائه في أحلك الظروف مع تغليب لغة الحوار والتفاوض.
وقال أحمد نور الدين في تصريحات لـ"سبوتنيك"، إن الموقف المغربي من الحرب الدائرة حاليا، والتي طالت دول الخليج العربية، ينطلق من التزامات المملكة بالمعاهدات والاتفاقيات الثنائية والمشتركة مع الأشقاء العرب، موضحا أن "المغرب يدعم ويساند عسكريا واستخباراتيا وماديا الدول الخليجية التي تعرضت للعدوان الإيراني، وفاء لعهوده التاريخية كما فعل في حرب 1967 وحرب أكتوبر 1973 وحرب الخليج 1991".
ويرى نور الدين أن "ما يقوم به المغرب اليوم ليس مشاركة في حرب تقودها قوى دولية، بل هو دفاع مشروع عن دول خليجية تعرضت لاعتداء إيراني طال منشآتها النفطية ومطاراتها وبنيتها التحتية المدنية"، رغم إعلانها رسميا الوقوف ضد الحرب.
قضية الصحراء والشرعية الدولية
وحول استثمار هذه التطورات في ملف الصحراء، قال عضو المجلس المغربي للشؤون الخارجية إن الموقف الدولي من الصحراء تم حسمه فعليا في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797، مؤكداً أن المغرب يرفض دبلوماسية "اقتناص الفرص في الأزمات" ولا يحتاج للركوب على أي نزاع دولي لتعزيز موقفه، لأن سيادته تستند إلى شرعية تاريخية وحضارية راسخة.
وأضاف نور الدين أن الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على أراضيه الجنوبية قائم وموثق قانونيا في السجل الفدرالي الأمريكي منذ عام 2020، ومن ثم فليس لدى الرباط ما تربحه من هذه الحرب في هذا الملف.
وأشار إلى أن بوصلة المواقف المغربية واضحة، مستشهدا برفض الرباط الاصطفاف خلال أزمة الخليج عام 2017، وهو ما يثبت أن المملكة تتدخل فقط لحماية الأمن القومي العربي من العدوان الخارجي وتسعى لرأب الصدع في حال الخلافات البينية، وفق قوله.
الارتدادات الاقتصادية والجيوسياسية
وعن
تداعيات الحرب على المنطقة المغاربية، قال نور الدين إن وصول شرارة العمليات العسكرية إلى المنطقة غير وارد إطلاقا.
ويرى أن الارتدادات الاقتصادية حتمية، موضحًا أن أسعار الوقود في المغرب شهدت ارتفاعًا بنحو 15% نتيجة اضطراب الإمدادات الدولية وارتفاع تكاليف الطاقة، لكون المغرب بلداً غير منتج للنفط.
وأضاف أن التداعيات تبدو معكوسة بالنسبة للدول المغاربية المصدرة للطاقة مثل الجزائر وليبيا وتونس نسبيا، حيث تستفيد ميزانياتها من القفزات السعرية ومن زيادة الطلب العالمي لتغطية العجز الناتج عن تعطل الملاحة في مضيق هرمز.
فيما أكد الخبير المغربي علي السرحاني، أن المنطقة المغاربية تظل بعيدة عن الارتدادات المباشرة
للحرب الجارية، مشيرا إلى أن المواقف السياسية لدول المنطقة، باستثناء الجزائر، تتماشى مع التوجهات الدولية والخليجية الداعمة للاستقرار بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.
استقرار المنطقة
وأضاف في حديثه مع "سبوتنيك"، إن دول المنطقة المغاربية، بما فيها تونس وموريتانيا وليبيا، تدرك تماما أنه لا يمكن لأي طرف السير عكس اتجاه الإرادة الدولية في هذه الحرب.
وحول ما إذا كان المغرب يرى في هذه التطورات فرصة لتعزيز موقفه في قضية الصحراء، أكد السرحاني أن الرباط لا تتعامل بمنطق "الانتهازية السياسية" أو "الظرفية"، بل تتبنى رؤية استراتيجية بعيدة المدى، وأن العلاقات المتينة التي تجمع الرباط بواشنطن وتل أبيب ودول الخليج قد أرست قواعد الحل النهائي لهذا الملف، مشدداً على أن "السياسيين والشركاء الدوليين قد حسموا هذا الأمر في الغرف المغلقة وعلى أرض الواقع، والمواطن المغربي يدرك أن بلاده تسير وفق تحالفات استراتيجية ثابتة ووفية لالتزاماتها".
الوفاء للتحالفات الدولية
وتابع: "المملكة المغربية تظل وفية لتعاقداتها وتحالفاتها الدولية، سواء مع الولايات المتحدة أو إسرائيل أو دول الخليج، وأن هذه "النقطة انتهت" في الجدل السياسي، وأن التحولات الجارية حالياً تؤكد صوابية الرؤية المغربية في بناء تحالفات قوية ومستدامة تضمن السيادة الوطنية والأمن الإقليمي".
وتواصل الولايات المتحدة وإسرائيل شنّ سلسلة من
الغارات على أهداف في إيران، بما في ذلك العاصمة طهران، أطلقتاها في الـ28 من فبراير/ شباط الماضي، ما خلّف أضرارا كبيرة وسقوط ضحايا مدنيين واغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، وعدد من قادة الحرس الثوري والجيش.
وردّت إيران بتنفيذ ضربات مضادة على إسرائيل، وكذلك على منشآت عسكرية أمريكية في منطقة الشرق الأوسط.
من جهتها، أدانت وزارة الخارجية الروسية الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، ودعت إلى خفض التصعيد الفوري ووقف الأعمال العدائية.