ويكشف الجدل تحت قبة البرلمان التونسي، في عمقه عن إشكال أوسع يتعلّق بكيفية إدارة ملف الهجرة في تونس، ليس فقط من زاوية أمنية أو قانونية، بل أيضا من منظور حقوقي وإنساني، يضمن حماية الفئات الهشة من كل أشكال التمييز والعنف، ويضع حدا لتصاعد خطاب الكراهية الذي يهدد بتقويض قيم التعايش داخل المجتمع.
وأوضحت المسدي، وهي من بين النواب الذين تقدموا بعريضة إلى الرئيس التونسي تدعو إلى ترحيل المهاجرين غير النظاميين، أن "هذا التوجه يستند إلى مخاوف تتعلق بالتركيبة الديموغرافية في البلاد"، وأضافت: "قدمنا مقترح قانون داخل البرلمان يهدف إلى
تنظيم عمليات الترحيل، سواء في إطار العودة الطوعية أو من خلال تأطير قانوني للعودة القسرية، إلا أنه لم يُعرض إلى حد الآن للنقاش".
في المقابل، قدم وزير الداخلية خالد النوري، خلال جلسة استماع عقدها البرلمان مؤخرا، رواية مختلفة نسبيا، إذ أكد أن تونس "نجحت إلى حد كبير في إدارة ملف المهاجرين غير النظاميين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، رغم تعقيداته وتشابك أبعاده"، وأوضح أن التعاطي مع هذا الملف يتم "في إطار احترام القانون والمواثيق الدولية"، في محاولة للتوفيق بين متطلبات السيادة الوطنية والالتزامات الحقوقية.
وفي مقابل الدعوات المتصاعدة إلى الترحيل، برزت داخل البرلمان أيضا مواقف تحذّر من خطورة الانزلاق نحو خطاب تمييزي قد يفاقم من هشاشة أوضاع المهاجرين ويهدد التماسك الاجتماعي.
وفي هذا الإطار، أكد رئيس لجنة الحقوق والحريات، ثابت العابد، في حديث لـ"سبوتنيك"، أن "اللجنة تتابع باهتمام وضعية المهاجرين غير النظاميين في تونس، لا سيما في ظل التقارير المتواترة التي تشير إلى تردي أوضاعهم الاجتماعية والإنسانية".
وأوضح العابد، أن "التعاطي مع هذا الملف يجب أن يظل محكوما بالالتزامات الدستورية والدولية لتونس"، مشددا على أن "
احترام الكرامة الإنسانية وعدم التمييز، إلى جانب ضمان الحد الأدنى من الحقوق الأساسية، تبقى مبادئ لا يمكن التفريط فيها بغض النظر عن الوضعية القانونية للأشخاص".
وشدد العابد على أن "أي توجه نحو الترحيل يجب أن يتم في إطار القانون، مع احترام
الضمانات الفردية والإجراءات القانونية الواجبة"، محذرا من مخاطر التعميم أو التحريض، بقوله: "نرفض كل أشكال الخطاب العنصري أو التمييزي، أيا كان مصدره، ونعتبره تهديدا مباشرا للسلم الاجتماعي ولمبادئ دولة القانون".
في سياق النقاش الدائر حول سبل التعاطي مع الهجرة غير النظامية، دعا النائب محمد علي التومي، إلى مراجعة شاملة للسياسات المعتمدة، معتبرا أن "بعض التصريحات الأخيرة
تكرّس مناخا سلبيا تجاه المهاجرين، خاصة النساء من أفريقيا جنوب الصحراء".
وقال التومي، في حديث لـ"سبوتنيك": "الخطاب السياسي كان من الأجدر أن يظل منسجما مع القيم الإنسانية الكونية، دون المساس بحقوق المهاجرات أو التقليل من خطورة الانتهاكات التي قد يتعرضن لها".
وبين أن ملف الهجرة غير النظامية "يتطلب من الدولة التونسية وضع خارطة طريق جديدة بالتنسيق مع دول الجنوب، تقوم على مقاربة اقتصادية وسياسية شاملة، بما يساهم في تخفيف العبء عن تونس ومعالجة جذور الظاهرة".
ويُذكر أن هذه المذكرة أثارت منذ توقيعها موجة من الانتقادات، حيث اعتبرت عدة منظمات أنها قد تفضي إلى انتهاكات لحقوق المهاجرين، سواء التونسيين داخل فضاء "شنغن" أو
المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء داخل تونس، ما يعكس حجم التحديات التي لا تزال تحيط بإدارة هذا الملف الشائك، في غياب توازن واضح بين الاعتبارات السيادية والالتزامات الحقوقية.