تتباين تقديرات الخبراء بشأن مستقبل المنطقة بعد الأزمة، خاصة فيما يتعلق بتوازن العلاقات مع الدول الكبرى، وعدم الاعتماد الكلي على قطب واحد.
ويرى الخبراء أن "الاستقلال الاستراتيجي العربي" أصبح ضرورة مع الأخذ بالاعتبار تنويع الشراكات مع الدول الكبرى ووضع مصالح الإقليم في مقدمة أي تعاون مستقبلي.
وشنت الولايات المتحدة وإسرائيل، في الـ28 من فبراير/ شباط الماضي، سلسلة غارات على أهداف في إيران، بما في ذلك العاصمة طهران، وردت إيران بشن غارات صاروخية على الأراضي الإسرائيلية، وكذلك على منشآت عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط.
يقول عضو مجلس الشؤون الخارجية المصري السفير رخا أحمد حسن، إن إعادة تقييم الموقف هو المسار الذي سيتبع، خاصة بين دول الخليج، والولايات المتحدة الأمريكية، ودور القواعد الأمريكية في المنطقة، وما إن كانت مصدر حماية موثوق بها، أم أنها تسبب الحروب والعدوان والأضرار الاقتصادية التي وقعت.
وأضاف في حديثه مع "سبوتنيك"، أن التغيير سيستغرق بعض الوقت ولن يتم في وقت قريب، خاصة أن الشراكة والتحالف والتسليح ممتد عبر سنوات.
ولفت إلى أن العودة إلى العلاقات المتوازنة بين القوى الكبرى، خاصة أن هناك قمما ولقاءات تعقد بين دول الخليج منذ فترات، وكذلك مع الصين، والشراكات الاقتصادية الكبيرة بين الشركات العربية والروسية والصينية.
ويرى أن الموقف العربي كان "ممزقا" قبل الحرب الحالية، ما يجعل من تداعياتها محل ترقب، يتوقف على تقييم دول الخليج لها، والخطوات التي يمكن أن تتخذها.
إعادة تشكيل المشهد السياسي
قال العميد عبد الله آل شايع، الخبير العسكري السعودي، إن الصراع الحالي في المنطقة غدا عاملا مؤثرا في إعادة تشكيل المشهد السياسي والأمني، ليس فقط من حيث المواجهات المباشرة، بل من حيث انعكاساته العميقة على استقرار الإقليم وممراته الحيوية.
وأضاف في حديثه مع "سبوتنيك"، أن هذه التأثيرات تمتد لتشمل أسواق الطاقة، حركة التجارة العالمية، وتوازنات القوى بين الدول.
وتابع: "في خضم هذه التحديات، برزت دول الخليج بقيادة المملكة العربية السعودية كقوة استقرار فاعلة تعمل على احتواء تداعيات الصراع وتخفيف آثاره عبر مبادرات دبلوماسية وتحركات استراتيجية تهدف إلى حماية الأمن الإقليمي"، مشددا على أن "هذا الدور الموحد يعكس إدراكا عميقا بأن أمن الخليج مترابط، وأن أي اضطراب يطال المنطقة سينعكس على الجميع، مما يجعل التضامن خيارا استراتيجيا لا بديل عنه".
ويرى الخبير العسكري أن المنطقة تشهد تحولات واضحة في شكل التحالفات السياسية والعسكرية، حيث أصبحت العلاقات أكثر مرونة وبراغماتية، وتقوم في جوهرها على المصالح المشتركة بدلا من الارتباطات التقليدية النمطية، ومن أبرز ملامح هذه التحولات صعود أدوار إقليمية جديدة وتنامي الشراكات المتعددة بدلا من الاعتماد على محور واحد.
ولفت إلى أن دول الخليج لعبت دورا محوريا في إعادة صياغة منظومة التعاون الإقليمي، سواء عبر تعزيز التنسيق الأمني أو المبادرات السياسية الهادفة لخفض التصعيد، مؤكدا أن مجلس التعاون الخليجي أثبت قدرة فائقة على التكيف مع المتغيرات، لتصبح وحدة الصف الخليجي عنصرا أساسيا في استقرار المنطقة وسط هذه التحولات الكبرى.
وأوضح الخبير العسكري أن ملامح التحالفات الجديدة تتجه بوضوح نحو تنويع الشركاء الدوليين، بحيث لا تقتصر رهانات الدول على قوة دولية واحدة، بل تسعى لبناء علاقات متوازنة مع أطراف متعددة، مبينا أن مكانة واشنطن لا تزال مهمة ومؤثرة، لكنها لم تعد المنفردة بالقرار أو التأثير في ظل دخول قوى إقليمية ودولية أخرى في المعادلة.
موقف موحد
ويرى آل شايع أن دول الخليج حافظت بذكاء على علاقات استراتيجية متوازنة مع واشنطن، وبالتوازي مع ذلك وسّعت دائرة شراكاتها العالمية، بما يضمن استقلالية القرار الخليجي ويعزز أمنه القومي، وهو توازن يعكس حكمة سياسية ورغبة صادقة في بناء منظومة تحالفات تخدم مصالح المنطقة بعيداً عن سياسات الاستقطاب.
وأشار إلى أن الإقليم يقف اليوم أمام مفترق طرق، غير أن المؤشرات الأخيرة تميل بقوة نحو التكاتف والتقارب أكثر من التفتيت، خاصة مع زيادة الوعي لدى الدول بأن كلفة الانقسام باتت مرتفعة للغاية على الجميع.
وأكد الخبير العسكري أن دول المنطقة لعبت دورا بارزا في تعزيز هذا الاتجاه التعاوني عبر دعم الاستقرار وتقديم نموذج فعال للعمل الإقليمي المشترك، مبينا أن هذا التوجه ينبع من قناعة راسخة بأن الأمن والتنمية لا يمكن تحقيقهما إلا من خلال شراكات حقيقية وتفاهمات طويلة المدى، معتبرا أن استمرار هذا المسار يحتاج إلى إرادة سياسية متواصلة ومشاريع عملية تعزز المصالح المشتركة وتحد من عوامل التوتر.
مسار استراتيجي
فيما قال العميد فيصل الحمد الخبير العسكري السعودي، إن المسار الاستراتيجي الرئيسي لمنطقة الشرق الأوسط يتجه حاليا نحو الاستقرار، وأنه بعد انتهاء الأزمة الحالية، والوصول إلى نتائج تخدم المصالح الاستراتيجية لدول المنطقة، تدخل المنطقة حيز الاستقرار الاستراتيجي في الشرق الأوسط.
وأضاف في حديثه مع "سبوتنيك"، أن هذا التوجه يعزز فرص المزيد من التكاتف والتنسيق الاستراتيجي بين دول المنطقة لتثبيت هذا الاستقرار، والمضي قدما نحو الرخاء والازدهار.
وبشأن التحالفات الجديدة وما إذا كانت مكانة واشنطن في المنطقة تنحصر، قال " حتى هذه اللحظة لا توجد تحالفات عسكرية جديدة بارزة أو واضحة المعالم، والتحالف الوحيد الملاحظ حاليا هو التحالف الأمريكي-الإسرائيلي، فيما يخص الملف الإيراني، أما عن دور واشنطن، فلا أعتقد أنه ينحصر؛ إذ لا تزال الولايات المتحدة تتبع استراتيجية الأمن الوطني بالتوجه نحو الشرق لمواجهة الصين، وبالتالي سيظل الدور الأمريكي فاعلا في منطقة الشرق الأوسط لفترة قد تصل إلى خمس سنوات، أو أقل من عقد من الزمن".
واستطرد بقوله: "فيما يتعلق بأبرز التحالفات السياسية والعسكرية، نلاحظ بروز "الرباعية" التي تضم المملكة العربية السعودية ومصر وتركيا وباكستان كمحور سياسي فاعل في الأزمة الراهنة، حيث زاد التنسيق بين هذه الدول الأربع المؤثرة سياسيا في المنطقة".
متابعا: "أما على الصعيد العسكري، فقد برز التحالف الدفاعي الاستراتيجي السعودي-الباكستاني بشكل واضح، خاصة بعد أن حركت باكستان سربا من مقاتلاتها الجوية إلى المملكة العربية السعودية تعزيزا لهذا التعاون الاستراتيجي".
وفي سياق متصل، أكد سعيد خطيب زاده، نائب وزير الخارجية الإيراني، أن سلطات بلاده "لا تنوي نقل اليورانيوم المخصّب إلى واشنطن"، على الرغم من مزاعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بخلاف ذلك.
وقال خطيب زاده في مقابلة مع وكالة "أسوشيتد برس": "أستطيع أن أؤكد لكم أنه لن يتم تزويد الولايات المتحدة بالمواد المخصّبة... هذا أمر غير مقبول، وأستطيع أن أؤكد لكم أنه على الرغم من استعدادنا لمعالجة أي مخاوف قد تكون لدينا، إلا أننا لن نقبل خيارًا غير مقبول".
وأشار نائب وزير الخارجية الإيراني إلى أن طهران "غير مستعدة لعقد جولة جديدة من المفاوضات المباشرة مع المسؤولين الأمريكيين، وتسعى الجمهورية الإسلامية إلى وضع اللمسات الأخيرة على اتفاق إطاري قبل الانتقال إلى اجتماع مباشر".