وبحسب الخبراء، تختلف هذه السياسة عن اتفاقيات التجارة الحرة التقليدية، إذ تقوم على مبدأ الإعفاء الجمركي الأحادي والتدريجي، دون اشتراط تخفيضات جمركية متبادلة.
وأكد الخبير الاقتصادي جمال الدين عويديدي، في حديث خاص لـ"سبوتنيك"، أن "هذه الخطوة تمثل فرصة حقيقية أمام تونس لدعم اقتصادها المتعثر وتعزيز حضور منتجاتها في الأسواق العالمية".
وأوضح أن "تونس بإمكانها الاستفادة من هذا القرار عبر دعم صادراتها نحو السوق الصينية، خاصة في قطاعات مثل زيت الزيتون المعلب والفسفاط، باعتبارها من أبرز المنتجات القادرة على المنافسة"، وأضاف: "الاستفادة الفعلية من هذه المبادرة التجارية تبقى رهينة قدرة تونس على تصدير منتجات ذات قيمة مضافة عالية، بما يضمن تحقيق عائدات مالية مباشرة تدعم الاقتصاد الوطني".
وتابع عويديدي: "في إطار دعم هذا التوجه، دعت السفارة الصينية مركز النهوض بالصادرات في تونس إلى ترشيح عدد من كبرى الشركات الناشطة في قطاع زيت الزيتون، بهدف مرافقتها ميدانيا وتذليل الصعوبات التي قد تواجهها خلال إجراءات التسجيل والتصدير".
ويرى العويديدي أن هذه الخطوة قد "تمهد لإبرام مزيد من الاتفاقيات التجارية خلال المرحلة المقبلة"، مشيرًا إلى أن "الفترة القادمة قد تشهد تنسيقا أكبر بين تونس والصين، إلى جانب العمل على تسريع دخول المنتجات الزراعية والغذائية التونسية إلى السوق الصينية، وتشجيع تنويع الصادرات للاستفادة من الإمكانات الكبيرة التي يوفرها هذا السوق".
آفاق أوسع للتصدير والاستثمار
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي سامي العرفاوي، في حديث لـ"سبوتنيك": "تعد تونس من أكثر الدول الإفريقية القادرة على الاستفادة من هذا الإجراء، لما تملكه من منتجات قابلة للنفاذ إلى السوق الصينية، على غرار زيت الزيتون والتمور والمنتجات البحرية، التي كانت تخضع سابقا لرسوم جمركية تتراوح بين 8 و30 بالمئة".
وأضاف: "هذا القرار من شأنه أن يساهم في تنويع الصادرات الإفريقية عموما، إلى جانب استقطاب استثمارات جديدة عبر فتح قنوات اتصال مباشرة مع الشركات الصينية وتشجيعها على نقل جزء من مصانعها إلى تونس، بما قد يساعد على تحقيق قدر من التوازن التجاري بين الصادرات والواردات مع الصين".
وأشار العرفاوي إلى أن "اهتمام الصين بالإجراءات غير الجمركية يمثل بدوره عنصرا مهما في دعم المبادلات التجارية"، موضحا أن "قيام الإدارة العامة للجمارك الصينية بمراجعة اللوائح المتعلقة بتسجيل الشركات الأجنبية المصدّرة للمواد الغذائية سيسهم في تسهيل دخول هذه المنتجات إلى السوق الصينية، وتعزيز تنافسية الصادرات الإفريقية".
وأكد أن "هذه الخطوة قد تفتح الباب أمام شراكة اقتصادية مربحة للطرفين التونسي والصيني"، مضيفا: "الكرة اليوم في ملعب المصدرين، وكذلك المؤسسات الحكومية، من أجل استثمار فترة الإعفاء الجمركي لتقوية الصادرات التونسية وتحسين الميزان التجاري مع الصين".
توجه نحو أسواق وشراكات جديدة
وفي هذا الإطار، أفاد الخبير الاقتصادي جمال عويديدي، أن قرار الإعفاء الجمركي قد يدفع بالاقتصاد التونسي إلى تعزيز توجهه نحو الأسواق الشرقية، وتقليص الاعتماد تدريجيا على الشركاء والأسواق التقليدية".
ويرى العويديدي أن "تونس أصبحت اليوم أمام فرص اقتصادية جديدة تتيح لها تنويع شراكاتها التجارية والاستثمارية"، مشيرا إلى إمكانية تحقيق نتائج مهمة في عدد من القطاعات، من بينها السياحة والاقتصاد، من خلال تعزيز التعاون مع دول كالصين وروسيا.
وأشاد بالدور الذي تلعبه الصين باعتبارها قوة اقتصادية عالمية، معتبرا أنها "تعتمد مقاربة تقوم على حسابات دقيقة تراعي مصالحها الاقتصادية، وفي الوقت نفسه تدعم مصالح شركائها"، لافتا إلى أن "تنامي التقارب بين تونس والصين من شأنه أن يساهم في تنشيط الاقتصاد الوطني وخلق حركية اقتصادية جديدة داخل البلاد".
كما أعرب العويديدي عن أمله في أن "تتجه تونس نحو بناء اقتصاد منتج يولي أهمية كبرى لمقاومة التصحر الصناعي، بما يساهم في الحد من نسب البطالة وتحفيز الاستثمار والإنتاج"، واعتبر أن "هذه المبادرة، التي ستستفيد منها تونس وعدد من الدول الإفريقية، تعكس أيضا توجّه الصين نحو توسيع انفتاحها الاقتصادي على القارة الإفريقية وتعزيز علاقاتها التجارية معها، في إطار شراكة تقوم على المصالح المشتركة والتنمية المتبادلة".
وشرعت الصين، منذ مطلع مايو/ أيار الجاري، في تطبيق إعفاء جمركي كامل (صفر رسوم) على جميع السلع الواردة من 53 دولة إفريقية تربطها بها علاقات دبلوماسية، بينها تونس، وذلك في إطار توجه يهدف إلى تعزيز المبادلات التجارية وتدعيم التعاون الاقتصادي مع دول القارة.
ودخل هذا الإجراء حيّز التنفيذ منذ كانون الأول/ديسمبر 2024 لفائدة 33 دولة إفريقية مصنّفة ضمن أقل البلدان نموا، حيث شمل الإعفاء آنذاك جميع فئات المنتجات.
وفي إطار توسيع هذا التوجه، قررت الصين تعميم الإجراء ليشمل 20 دولة إفريقية إضافية غير مصنّفة ضمن هذه الفئة، من بينها تونس، مع منحها معاملة تفضيلية تتمثل في إعفاء جمركي كامل لمدة عامين.
ويأتي هذا القرار، وفق ما أعلنته مصادر دبلوماسية صينية، تنفيذا لإعلان صادر عن الرئيس الصيني شي جين بينغ، في رسالة تهنئة بمناسبة انعقاد القمة التاسعة والثلاثين للاتحاد الإفريقي في فبراير/شباط الماضي، حيث أكد أن هذه الخطوة تندرج ضمن توجه إستراتيجي يهدف إلى تعزيز الشراكة الاقتصادية مع الدول الإفريقية، بالتوازي مع مواصلة إبرام اتفاقيات تعاون تدعم التنمية المشتركة.