من نبات زينة إلى خطر بيئي... كيف اجتاحت "زهرة النيل" أنهار العراق؟
13:17 GMT 06.07.2026 (تم التحديث: 13:26 GMT 06.07.2026)

© Sputnik . HASSAN NABIL
تابعنا عبر
حصري
لم تعد "زهرة النيل" مجرد نبات مائي يطفو على سطح الأنهار، بل تحولت إلى قنبلة بيئية صامتة تزحف بسرعة في المجاري المائية العراقية، مهددةً الأمن المائي والثروة السمكية والقطاع الزراعي.
وبينما تتسع رقعة انتشارها في خمس محافظات، تدق الحكومة وخبراء البيئة ناقوس الخطر، محذرين من سيناريو أكثر خطورة يتمثل بوصولها إلى الأهوار، حيث قد يصبح احتواؤها شبه مستحيل، في ظل استنزافها للمياه وإلحاقها أضرارا واسعة بالنظام البيئي.
وقبل أيام قليلة، كشف وزير الموارد المائية، مثنى التميمي، عن اتساع رقعة انتشار نبات "زهرة النيل" في خمس محافظات عراقية، محذرًا من أن وصوله إلى الأهوار سيجعل السيطرة عليه أكثر تعقيدا، وقد يؤدي إلى تداعيات بيئية خطيرة.
تهدد التنوع الحيوي في الأنهار العراقية
وحذر الخبير البيولوجي، أحمد السرداح، في حديث لـ"سبوتنيك"، من استمرار انتشار نبات "زهرة النيل" في الأنهار العراقية، مؤكدًا أنه "بات يشكل أحد أخطر التهديدات البيئية والمائية في البلاد، لما يسببه من استنزاف للمياه وإضرار بالثروة المائية".
وقال السرداح، في حديث لـ "سبوتنيك"، إن "زهرة النيل" دخلت العراق في مطلع ثمانينيات القرن الماضي كنبات زينة، وزرعت بداية في منطقة قلعة الجيش، قبل أن تنتشر تدريجيًا في نهر ديالى ثم نهر دجلة، وصولا إلى مناطق واسعة من نهر الفرات والمحافظات الجنوبية".
وأوضح أن "أكثر المحافظات تضررا من انتشار هذا النبات هي ديالى وبابل والديوانية وذي قار"، مبينًا أن "النبتة الواحدة تستهلك ما بين لتر وثلاثة لترات من المياه يوميا، ما يؤدي إلى فقدان كميات كبيرة من المياه، خاصة في ظل أزمة الشح المائي التي يواجهها العراق".

"زهرة النيل".. قنبلة بيئية تهدد أنهار العراق
© Sputnik . HASSAN NABIL
وأوضح أن "الكثافة العالية للنبات على سطح المياه تمنع وصول أشعة الشمس إلى الأعماق، كما تقلل مستويات الأوكسجين الذائب، الأمر الذي يهدد الكائنات المائية ويؤثر سلباً في النظام البيئي داخل الأنهار والجداول".
وأشار السرداح إلى أن "وزارة الموارد المائية تعتمد حاليا على إزالة النبات بالآليات الميكانيكية، إلا أن هناك وسائل أكثر استدامة يمكن اعتمادها، أبرزها المكافحة البيولوجية باستخدام حشرات أو كائنات تتغذى على "زهرة النيل" للحد من انتشارها".
كما دعا إلى "استثمار النبات اقتصاديا من خلال جمعه وتجفيفه وتحويله إلى سماد عضوي، بما يسهم في تقليل انتشاره وتشجيع المواطنين على المشاركة في إزالته مقابل الاستفادة منه في الصناعات الزراعية".

"زهرة النيل".. قنبلة بيئية تهدد أنهار العراق
© Sputnik . HASSAN NABIL
وتصنف زهرة النيل ضمن أخطر النباتات المائية الغازية على مستوى العالم، إذ تعود أصولها إلى أمريكا الجنوبية، لكنها انتقلت إلى عشرات الدول وتسببت بخسائر بيئية واقتصادية كبيرة، شملت دولا في أفريقيا وآسيا وأوروبا، من بينها نيجيريا وكينيا وسريلانكا وجنوب غرب فرنسا.
ودخل النبات إلى العراق قبل نحو عقدين، قبل أن يتوسع تدريجيا في عدد من الأنهار والجداول، مستفيدا من الظروف البيئية المناسبة لانتشاره، وتؤدي الكتل النباتية الكثيفة التي تشكلها زهرة النيل إلى حجب أشعة الشمس عن المياه، وخفض مستويات الأوكسجين الذائب فيها، وهو ما ينعكس سلباً على الأحياء المائية ويهدد التنوع الحيوي داخل الأنهار والبحيرات.
الأسماك وجريان الأنهار في خطر
بدوره، دعا رئيس مؤسسة روافد لحماية الأحياء المائية، حاتم عبد الكريم، إلى إعادة تفعيل دائرة متخصصة بمكافحة "زهرة النيل"، محذرا من استمرار توسع هذا النبات الغازي وما يسببه من أضرار كبيرة على البيئة والموارد المائية في العراق.
وأضاف عبد الكريم في حديث لـ "سبوتنيك": "زهرة النيل" تعد من النباتات الدخيلة التي ألحقت أضرارا واسعة بالأنهار والبحيرات العراقية، إذ تغطي مساحات كبيرة من سطح المياه، ما يحجب أشعة الشمس ويخفض نسبة الأوكسجين، الأمر الذي يؤدي إلى نفوق الأسماك وتراجع التنوع الأحيائي".
وتابع: "هذا النبات يشكل أيضا عائقا أمام جريان المياه، ويتسبب في تكوين كتل نباتية كثيفة قد تسد أجزاء من الأنهار والقنوات المائية، الأمر الذي ينعكس سلبا على منظومة الري وإدارة الموارد المائية"، مشيرًا إلى أن "العراق استخدم سابقا وسائل المكافحة البيولوجية عبر إطلاق أنواع من الأسماك العاشبة، مثل سمك الكارب العشبي، الذي يتغذى على النباتات المائية ويساعد في الحد من انتشارها".
وأكد عبد الكريم، أن "انتشار "زهرة النيل" بات واضحا في عدد من المواقع المائية المهمة، من بينها محيط سدة الكوت وسدة الهندية"، داعيا وزارة الموارد المائية إلى "إعادة تأسيس دائرة مكافحة "زهرة النيل" التي كانت تتولى سابقا متابعة هذا الملف، لما تمثله من ضرورة ملحة في مواجهة التحديات البيئية الحالية".
وخلال السنوات الأخيرة، تحولت زهرة النيل إلى أحد أبرز التحديات البيئية التي تواجه قطاع الموارد المائية في العراق، خصوصا في محافظات حوض الفرات والجنوب، حيث أسهم ارتفاع درجات الحرارة وزيادة المغذيات العضوية في المياه في تسريع نموها وانتشارها.
ولا تقتصر أضرار النبات على الجانب البيئي، بل تمتد إلى القطاع الزراعي، إذ تعيق الكتل النباتية حركة المياه داخل شبكات الري والبزل، وتؤثر في كفاءة إيصال المياه إلى الأراضي الزراعية، فضلاً عن مساهمتها في رفع معدلات التبخر واستنزاف كميات إضافية من المياه.
وفي محافظة الأنبار، رُصد انتشار واسع لزهرة النيل في عدد من المجاري المائية المتفرعة من نهر الفرات ضمن ناحية العامرية، الأمر الذي أثار مخاوف من تأثيرها على انسيابية المياه ومحطات السحب المائي.
وفي النجف، تتواصل شكاوى المزارعين والأهالي في قضاء المشخاب بسبب تراكم النبات في نهر الدبينية، الذي يُعد من أهم المغذيات المائية في القضاء، إذ يروي أكثر من 15 ألف دونم زراعي ويخدم عدداً من القرى، وسط تحذيرات من انعكاس ذلك على الموسم الزراعي ومصادر رزق مئات الأسر.
أما في ذي قار، فقد باشرت مديرية الموارد المائية أعمال المرحلة الثانية من إزالة زهرة النيل والترسبات الطينية والقصب من مجرى نهر الفرات، وهو ما استدعى إغلاق جسر الزيتون لمدة 24 ساعة لتنفيذ عمليات التنظيف والكري في المقطع الممتد بين الجسر والجسر العائم قرب جامعة ذي قار.



