بعد تسلم الجثمان الأخير.. ما عراقيل نتنياهو الجديدة لمنع الانتقال للمرحلة الثانية من اتفاق غزة؟

مع إعلان إسرائيل تسلم آخر جثمان رهينة داخل غزة، يستبعد مراقبون انتهاء عراقيل بنيامين نتنياهو لمنع الانتقال كليا إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في القطاع.
Sputnik
ويقول المراقبون إن هناك الكثير من الملفات التي يمكن أن يراوغ بها نتنياهو، أبرزها فتح معبر رفح في الاتجاهين، وتسليم سلاح حركة "حماس"، مؤكدين أن الانتقال للمرحلة الثانية يبقى رهينة ضغوط الوسطاء، وموقف الإدارة الأمريكية.
وأعلن الجيش الإسرائيلي، أمس الاثنين، التعرف على جثة المحتجز الأخير في غزة، ران جويلي، مؤكداً استعادة جميع المحتجزين والجثث من القطاع، وأنه لم يعد هناك رسميًا أي رهائن إسرائيليين محتجزين في غزة.
ويتكوف يعلن "بداية فجر جديد للشرق الأوسط" مع عودة جثمان آخر محتجز إسرائيلي من غزة
وأشار الجيش الإسرائيلي، في بيان له، إلى أن استعادة جميع المحتجزين تمثل استكمالًا لبند أساسي في الخطة التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

سيناريوهات تحركات نتنياهو

قالت الكاتبة والباحثة السياسية الفلسطينية، الدكتورة تمارا حداد، إن نتنياهو يقف حاليا أمام مفترق طرق حاسم بعد تسليم آخر رهينة إسرائيلية، حيث يجد نفسه محاصرا بين ضرورة إرضاء قاعدته اليمينية المتشددة المتمثلة في الثنائي بن غفير وسموتريتش الرافضين للانخراط في المرحلة الثانية من الاتفاق، وبين رغبته في استمالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتنفيذ خطته للسلام.
وأكدت في حديثها لـ "سبوتنيك"، أن نتنياهو سيلجأ على الأرجح إلى سيناريو وسط يجمع بين تطلعات ائتلافه الحاكم وتوجهات ترامب، من خلال تنفيذ أجزاء محددة من المرحلة الثانية، مشيرة إلى أن ذلك قد يشمل فتح معبر رفح بشكل جزئي للحالات الإنسانية والمرضى، مع فرض شروط رقابة أمنية صارمة تتضمن تسليم قوائم بالأسماء لجهات رقابية أوروبية أو مصرية أو فلسطينية تحت إشراف أمني إسرائيلي لمتابعة حركة المغادرين والقادمين.
وأضافت أن الواقع الحالي يشهد تنفيذا جزئيا لبعض الترتيبات، إلا أن نتنياهو سيربط الانتقال الكامل للمرحلة الثانية بقضية نزع سلاح حركة حماس، وهو المطلب الذي سيستمر في التمسك به، لافتة في الوقت ذاته إلى أن حماس لن تقبل بالتخلي عن سلاحها دون الحصول على تسهيلات ملموسة تشمل دمج جهاز شرطتها في الهيكل الأمني والإداري للقطاع، مؤكدة أن الحركة ترفض الخروج خالية الوفاض حتى في ظل وضعها الراهن.
وزير الخارجية الإسرائيلي: نزع سلاح "حماس" وتجريد غزة من الأسلحة ضرورة لإنهاء الحرب
وأوضحت حداد أن هناك ضغوطا تمارس لدمج حماس كحزب سياسي بعد تجريدها من السلاح، مما يجعل المرحلة الثانية ذات أبعاد أمنية مكثفة تفوق أي بعد سياسي، خاصة في ظل تصريحات نتنياهو الصريحة بضرورة نزع السلاح قبل البدء في أي جهود حقيقية للإعمار، فيما كشفت عن وجود ضغوط موازية من الوسطاء في مصر وقطر وتركيا لإدخال الكرفانات السكنية وإنجاح اللجنة الإدارية لبدء الإعمار بهدف تثبيت الشعب الفلسطيني على أرضه.
وأشارت الكاتبة الفلسطينية إلى أن نتنياهو سيستمر في وضع العراقيل والمماطلة نظراً لكون العام الحالي عاما انتخابيا بالنسبة له، مؤكدة أنه لن يخاطر بخسارة قاعدته اليمينية وسيراوغ في مسألة الانسحاب من قطاع غزة، حيث لن ينسحب إلا بشكل جزئي أو عبر عملية "ابتزاز سياسي" كبرى، بحيث يكون الانسحاب من غزة مقابلة تعزيز قبضته على الضفة الغربية وضم أجزاء منها، إضافة إلى حسم الملفات الإقليمية المتعلقة بإيران وبرامجها النووية والباليستية، وإنهاء الملفات في سوريا ولبنان.
وأكدت حداد أن المرحلة المقبلة قد تشهد مساومات مستقبلية تهدف لتخفيف التحكم الإسرائيلي في غزة وتحويل القطاع إلى شأن أمريكي، مقابل إطلاق يد الجانب الإسرائيلي في الضفة الغربية لتكون تحت سيطرته الكاملة وإطاره الأمني والسياسي الجديد.

سلاح حماس ومعبر رفح

قال الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية الفلسطيني، إن "الاحتلال الإسرائيلي كان على علم بمكان جثة الجندي الإسرائيلي الأخير منذ نحو شهرين، إلا أنه تعمد المماطلة وعدم الإعلان عنها لتجنب الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، وهو ما أكده أحد المراسلين الصحفيين الإسرائيليين".
وأكد في حديثه لـ "سبوتنيك"، أن إسرائيل كانت تسعى لكسب الوقت والبقاء في الوضع الراهن، لكن التدخل الأمريكي القوي ووصول المبعوث ستيف ويتكوف دفع إسرائيل للإعلان عن الوصول للجثة في لمح البصر، مما يثبت صحة سيناريو المماطلة المتعمدة.
رفح بين رفات رهينة وضغوط واشنطن… هل يعود "شريان غزة" للحياة؟
وأضاف أستاذ العلوم السياسية أن هناك مخاوف جدية من محاولات إسرائيلية لوضع عراقيل جديدة، من بينها اشتراط نزع سلاح غزة في الوقت الحالي، مشيرًا إلى أن الإدارة الأمريكية تتفهم أن هذه الخطوة لا يمكن أن تتم إلا في مراحل متقدمة، لأن نزع السلاح الآن سيؤدي إلى فراغ أمني كبير، خاصة في ظل عدم وجود قوى مؤهلة لتسلمه حاليا.
وأوضح الرقب أن الشعب الفلسطيني لن يقبل بتسليم السلاح للإسرائيليين، وأن الجميع في انتظار وصول طلائع الشرطة الفلسطينية التي ستتولى إدارة الوضع الأمني في القطاع، بالتزامن مع وجود قوة استقرار دولية، لافتًا إلى أن الحديث عن ملف السلاح سيكون ضمن خطوات لاحقة وبعد استقرار الأوضاع.
وأشار الرقب إلى أن تشغيل معبر رفح يمثل أولى خطوات الانتقال الفعلي للمرحلة الثانية، مؤكدا وجود استعدادات لوجستية مكثفة على الجانب المصري، بينما لا تزال الرؤية غامضة في الشق الفلسطيني من المعبر حول الجهة التي ستدير حركة المسافرين، خاصة وأن تلك المناطق تقع تحت سيطرة إسرائيل الكاملة، ولا يزال التحرك خارج الخط الأصفر ممنوعا.
وذكر الرقب أن الترتيبات الحالية تنتظر موافقة الاحتلال على دخول الهيئة الوطنية لإدارة غزة إلى القطاع رفقة الشرطة الفلسطينية بشكل تدريجي، مع البدء في إدخال الكرافانات والغرف المتنقلة لإطلاق عمليات الإعمار والتعافي المبكر، مشددا على أن الهدف الأسمى هو استعادة مظاهر الحياة في غزة وضمان انسحاب إسرائيل الشامل.
وحذر من لجوء إسرائيل إلى تبطئة عمليات الانسحاب ووضع معوقات جديدة، مؤكدا أن الأيام القليلة القادمة ستكون الاختبار الحقيقي لمدى جدية الولايات المتحدة الأمريكية في تطبيق ما تم الاتفاق عليه وإلزام إسرائيل بالانسحاب.
الجيش الإسرائيلي يعلن تحييد 6 "مسلحين" في رفح جنوبي غزة خلال تبادل لإطلاق النار

تصريحات أمريكية وإسرائيلية

قال ترامب، إن حركة "حماس" ساعدت في تحديد مكان جثة آخر رهينة، مشيراً إلى أن عملية البحث عن جثمان ران جويلي، والتعرف عليه كانت بالغة الصعوبة.
وأوضح ترامب، في تصريحات صحفية، أن "المرحلة المقبلة تتطلب نزع سلاح حركة حماس"، مؤكداً أن ذلك يأتي انسجاماً مع ما تعهّدت به الحركة في هذا السياق.
من جانبه صرّح وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، اليوم الثلاثاء، أن "إسرائيل تدعم خطة ترامب، لإنهاء الحرب في غزة"، مشددًا على أن "تحقيق ذلك يتطلب نزع سلاح حماس وتجريد القطاع من السلاح". وجاء ذلك في كلمة ألقاها ساعر، خلال مؤتمر صحفي عقب لقائه بنظيره الكازاخستاني يرميك كوشرباييف، في العاصمة أستانا، وفق بيان صادر عن وزارة الخارجية الإسرائيلية.
وأوضح ساعر أن الاستقرار الإقليمي لن يتحقق دون تفكيك ما وصفها بـ"الدول الراعية لإيران في الشرق الأوسط”، مشيرًا إلى "حماس في قطاع غزة، وحزب الله في لبنان، وجماعة الحوثي (أنصار الله) في اليمن".
مصر تؤكد دعمها الكامل لمهمة اللجنة الوطنية لإدارة غزة بوصفها هيئة انتقالية مؤقتة
وقال نتنياهو، أمس الاثنين، إن "لدى إسرائيل مصلحة واضحة في الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار"، موضحًا أن "هذه المرحلة تركز بشكل أساسي على نزع سلاح "حماس".
وأعلنت الولايات المتحدة، في 14 يناير/ كانون الثاني الجاري، بدء تطبيق المرحلة الثانية من خطة ترامب المكونة من 20 نقطة لإنهاء الأزمة في غزة، والتي من المقرر أن تشمل إعادة إعمار القطاع ونزع سلاح "حماس" والفصائل الأخرى، وتشكيل لجنة إدارة فلسطينية انتقالية تكنوقراطية تعمل تحت إشراف "مجلس السلام".
ودخلت المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة حيز التنفيذ، ظهر يوم 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، والذي انتهت إليه مفاوضات غير مباشرة بين حماس وإسرائيل استضافتها مدينة شرم الشيخ المصرية، بوساطة مصر وقطر والولايات المتحدة وتركيا، بناء على مقترح الرئيس ترامب لإنهاء الحرب في غزة، ووقّعت "حماس" وإسرائيل على ترتيبات المرحلة الأولى منه.
مناقشة