براك من دمشق وبيروت إلى بغداد... توحيد الملفات وتعدد ساحات الضغط الأمريكية

في تطور لافت يعكس إعادة ترتيب أولويات واشنطن في الشرق الأوسط، عاد ملف العلاقات العراقية- الأمريكية إلى الواجهة بعد الكشف عن تغيير في إدارة الملف العراقي داخل الإدارة الأمريكية، ونقل صلاحياته من مارك سافايا إلى توم براك.
Sputnik
هذا التحول فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول دلالاته السياسية، ولا سيما في ظل ربط الملف العراقي بملفات إقليمية أكثر تعقيدا تشمل لبنان وسوريا، وتقاطعه المباشر مع الصراع الأمريكي- الإيراني.

وكشف وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، الأحد الماضي، عن تغيير في إدارة الملف العراقي داخل الإدارة الأمريكية، مؤكداً أن مارك سافايا لم يعد يشغل منصب المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي، وأن إدارة هذا الملف باتت حاليا بيد توم براك.

مخطط لإعادة رسم خريطة المنطقة

المحلل السياسي أنوار الموسوي، قال في حديث لـ "سبوتنيك": "تعيين المبعوث الأمريكي الجديد، وتكليفه بملفات تمتد من لبنان إلى سوريا والعراق، يمثل دليلا واضحا على وجود خطة أمريكية متكاملة تستهدف دول المنطقة، تقوم على تغيير الأنظمة والتدخل في شؤونها الداخلية وتقويض سيادتها".
وأوضح الموسوي، أن "التجارب السابقة للسياسة الأمريكية في لبنان وسوريا تشير إلى نهج ثابت يعتمد على الضغط السياسي والدبلوماسي، وصولا إلى محاولات التفكيك وتحويل الدول إلى كيانات صغيرة يسهل التحكم بها"، مشيرا إلى أن "العراق ما يزال ضمن دائرة المحاولات المستمرة لتنفيذ هذا المشروع".
وأضاف: "بعض القوى والشخصيات المحلية تتعامل مع السفير الأمريكي وكأنه طرف داخلي، الأمر الذي يفتح الباب أمام تسريب معلومات وخفايا تتعلق بالوضع السياسي والشخصيات المؤثرة في الدولة، ما يمنح واشنطن أدوات إضافية لفرض أجندتها".
باراك يتولى حاليا إدارة ملف العراق بدلا من سافايا
ووفقا للموسوي، فإن "تولي السفير الأمريكي في تركيا إدارة ملفات لبنان وسوريا والعراق يعني أن القضية واحدة، وهي تنفيذ مشروع تفكيك الدول وإضعافها، سواء عبر الضغط السياسي أو الحصار الاقتصادي أو حتى التهديد بالاعتداء العسكري، بالتعاون مع إسرائيل أو لخدمة مصالحها".
وتابع: "مواجهة هذه المخططات تتطلب من العراق اتخاذ إجراءات داخلية حاسمة، تبدأ بتوحيد الموقف الوطني، وتعزيز الحوار الداخلي، ومنع أي تعاون داخلي يضر بالمصلحة العليا للبلاد، إلى جانب تنسيق المواقف مع دول الجوار، لا سيما لبنان وسوريا، للوصول إلى تفاهمات مشتركة قائمة على الأخوة والمصالح المتبادلة".
وختم الموسوي بالقول: "وحدة الداخل، والدبلوماسية المتماسكة، كفيلتان بإفشال أي محاولات خارجية للسيطرة أو التقسيم"، مؤكدا أن "أي دولة تمتلك قرارها الداخلي لن تتمكن أي قوة، مهما كانت، من فرض إرادتها عليها".
باراك: تشكيل حكومة عراقية تواصل التعاون مع جيرانها والغرب هو مفتاح للاستقرار الإقليمي
ويُعد سافايا، وهو رجل أعمال أمريكي من أصول عراقية، أحد الأسماء القليلة من ذوي الجذور العربية التي دفعت بها حملة ترامب إلى مواقع متقدمة، خصوصا خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2024، ضمن مساعٍ واضحة لاستقطاب أصوات العرب والمسلمين، لا سيما في ولاية ميشيغان ومدينة ديترويت.
ولم يصدر أي تعليق رسمي أمريكي يشرح أسباب إنهاء مهمته، فيما أفادت مصادر بأن سافايا لم يقم بأي زيارة رسمية إلى العراق منذ توليه المنصب، الأمر الذي أثار تساؤلات مبكرة حول طبيعة دوره وحدود تأثيره.
المبعوث الأمريكي للعراق يرد على أنباء عزله من منصبه لـ"سوء إدارته"

واشنطن تدير ملفات المنطقة بدقة

إلى ذلك، أكد المتابع في الشأن السياسي عبد الله شلش، في حديث لـ "سبوتنيك"، أن "السياسة الأمريكية تعتمد على حسابات دقيقة في إدارة ملفات المنطقة"، مشيرا إلى أن "فشل المبعوث السابق في إدارة الملف العراقي يعود إلى افتقاره للخبرة السياسية، كونه رجل أعمال أكثر من كونه سياسيا، رغم دعمه السابق لحملة ترامب".

وأوضح شلش، أن "تعيين براك يمثل تحولا في المقاربة الأمريكية، لكونه يمتلك خبرة سياسية واسعة ومعرفة عميقة بتعقيدات المنطقة"، لافتا إلى أنه من "أبرز الشواهد على ذلك دوره في المساهمة بحل الملف السوري، عبر إيقاف القتال بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية، ما يعكس قدرة واضحة على إدارة النزاعات المعقدة".

وأضاف: "الملف اللبناني يبقى أكثر تعقيدا، إذ أنه من غير المتوقع تخلي حزب الله عن سلاحه في المرحلة الحالية، رغم الجهود الدولية، إلا أن وجود شخصية متمرسة مثل براك قد يفتح آفاقا لنتائج إيجابية على مستوى الاستقرار أو التهدئة".
البرلمان العراقي يرفع استفسارا إلى المحكمة الاتحادية بعد فشل تسمية رئيس الجمهورية
وحول الوضع العراقي، وصف شلش الملف بأنه من "أعقد ملفات المنطقة، فالولايات المتحدة باتت تنظر إلى العراق كجزء من الملف الإيراني، الأمر الذي يجعل فصله عن التوتر القائم بين واشنطن وطهران أمرا بالغ الصعوبة".
وأشار إلى "وجود تجاذبات وضغوط متبادلة بين الطرفين، تسعى من خلالها الولايات المتحدة إلى تشكيل حكومة عراقية لا تكون خاضعة للتأثير الإيراني، خصوصا على مستوى رئاسة الوزراء والوزارات السيادية".
وبيّن شلش، أن هذه الإشكاليات، سواء الداخلية أو الخارجية، "ستلقي بظلالها على عملية تشكيل الحكومة العراقية المقبلة، في ظل استمرار الفراغ السياسي وعدم حسم ملفي رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء حتى الآن".
ائتلاف "الإطار التنسيقي" في العراق يؤكد تمسكه بمرشحه نوري المالكي لرئاسة الحكومة الجديدة
ورجح شلش أن "يلعب توم باراك دور "الحل الوسط" بين الولايات المتحدة وإيران، بهدف التوصل إلى تفاهمات تسهم في تسريع تشكيل الحكومة العراقية"، داعيا في الوقت ذاته القوى السياسية العراقية إلى "تحمل مسؤولياتها الوطنية والتعامل بواقعية مع المعطيات الدولية والإقليمية".
وكان تعيين سافايا أثار جدلا واسعا، نظرا لخلفيته التجارية وافتقاره للخبرة الدبلوماسية، إذ يدير نشاطا اقتصاديا في مجال القنب الهندي بمدينة ديترويت، إضافة إلى علاقاته الوثيقة بترامب، ما جعل الخطوة تبدو سياسية أكثر من كونها دبلوماسية تقليدية.
وفي آخر ظهور علني له، وقبل تداول أنباء مغادرته منصبه، نشر سافايا منشورا على منصة "إكس"، تحدث فيه عن رؤيته لاستقرار العراق، وقال: "الفساد يمثل جوهر الأزمة، والميليشيات نتيجة لهذا الخلل البنيوي".
تدخل أمريكي يعقد تشكيل الحكومة العراقية... وترامب يلوح بوقف الدعم
يُذكر أن ترامب عيّن سافايا في هذا المنصب العام الماضي، في وقت كانت حكومة محمد شياع السوداني تترقب تعيين مبعوث أمريكي جديد، وسط حديث رسمي عراقي عن أن العلاقات بين بغداد وواشنطن تمر بأفضل مراحلها.
وعقب التعيين، قال ترامب إن اختيار سافايا جاء انطلاقا مما وصفه بـ"فهمه العميق" لطبيعة العلاقات العراقية – الأمريكية، إضافة إلى شبكة علاقاته في المنطقة، ما من شأنه تعزيز المصالح الأمريكية. على حد تعبيره.
مناقشة