بعد أن شهدت أطول فترة إغلاق للمدارس.. جيل كامل مهدد بالضياع في السودان؟

لم تدع الحرب السودانية مجالا في السودان إلا وأثرت فيه، وكان قطاع التعليم الأكثر تضررا، حيث ملايين الأطفال دون أدني فرصة لإكمال مسيرتهم التعليمية، دفع الكثير من المنظمات الدولية والأممية للتحذير من ضياع جيل بالكامل نتيجة الحرب.
Sputnik
في هذا السياق قالت منظمة "إنقاذ الطفولة" إن ملايين الأطفال في السودان حرموا من التعليم لمدة تقارب 500 يوم منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، محذرة من أن هذه الأزمة تمثل واحدة من أطول فترات إغلاق المدارس على مستوى العالم.
السودان يسجل أطول فترة إغلاق للمدارس بسبب الحرب وملايين الأطفال بلا تعليم
وأشارت المنظمة إلى أن إقليم دارفور يعد الأكثر تضررا، حيث لا تعمل في ولاية شمال دارفور سوى 3 في المئة من أصل أكثر من 1100 مدرسة، بينما تعمل نحو 15 في المئة فقط من المدارس في ولاية غرب كردفان، مع مغادرة أعداد كبيرة من المعلمين وظائفهم بسبب عدم صرف الرواتب.
اليونيسيف تحذر
ووفق تقديرات منظمة (اليونسيف) الأممية، فإن نحو 8 ملايين طفل سوداني يتعرضون للحرمان من حقهم في التعليم، في واحدة من أخطر الأزمات التعليمية في العالم.
وأكدت إيفا هيندز، المتحدثة باسم المنظمة، أن"طول أمد الصراع حوّل الانقطاع المؤقت عن الدراسة إلى فقدان شبه كامل للتعليم"، مشيرة إلى أن "تدمير المدارس والنزوح الجماعي ونقص المعلمين والمواد التعليمية عمّق فجوة معرفية يصعب تعويضها مع مرور الوقت، إذ أن كل يوم إضافي خارج الصفوف يعني تآكلا أكبر في فرص هؤلاء الأطفال، ليس فقط على المستوى الفردي، بل على مستوى المجتمع والدولة بأكملها"، وفقا لبيان من "يونيسف".
مدرسة في السودان
وتشير البيانات إلى أن "نحو ثلث مدارس السودان تعرضت للدمار أو الضرر، فيما خرجت قرابة نصف المباني المدرسية عن دورها التعليمي، إذ أُغلقت آلاف المدارس أو تحولت إلى ملاجئ للنازحين، ومع نزوح ما يقرب من 5 ملايين طفل منذ بداية الحرب، بات الوصول إلى التعليم الآمن والمنظم تحديا شبه مستحيل لكثير من الأسر".
خلل بنيوي
بداية يقول، الكاتب والمحلل السياسي السوداني، عاصم البلال الطيب، إن "قضية التعليم في السودان هى الحرب الأخطر التي تنتظر أهل السودان حين تضع الحرب أوزارها، فالحرب هى التي تسببت في إحداث أزمة وخلل كبير في مسيرة التعليم السوداني وهى فترة ليست بالقصيرة، تلك المسيرة التي ضربت مؤسسات التعليم السوداني ومنعته من الوصول إلى تصنيف جيد في المحافل الإقليمية والدولية، هذا التصنيف اليوم مهدد نتيجة الإغلاق الطويل للمدارس والجامعات والمعاهد العليا".
تهديدات أمنية وصحية تعيق عودة 19 مليون طالب إلى المدارس في السودان
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك" أن "التعليم السوداني في الأساس يعاني من خلل بنيوي كانت الدولة تسعى للتغلب عليه قبل اندلاع الحرب التي توقف معها كل شىء، بل هدمت حتى ما كان موجودا على الأرض، في الحقيقة كان هناك تسرب للأطفال من المدارس قبل الحرب، نظرا للاحتياج لعمالة الأطفال، لكن لم يكن الأمر بتلك النسب الحالية التي هى في الحقيقة كارثية".
وأشار الطيب إلى أن" الأمم المتحدة والعديد من المنظمات الدولية المعنية بالطفل والتعليم، بأن خروج الأطفال من المنظومة التعليمية الأساسية وفي سن مبكرة يتسبب في عدم رغبتهم لاحقا في مواصلة العملية التعليمية حتى بعد توقف الحرب".
مدرسة في السودان
المنظومة التعليمية
وأوضح المحلل السياسي، أن" الأزمة السودانية أزمة كبيرة، وأول الركائز للعودة لإصلاح أو استعادة المنظومة التعليمية، هو وقف الحرب، ومن ثم إعادة العملية التعليمية إلى ما كانت عليه بشكل مبدئي، الأمر الثاني إصلاح المباني التعليمية التي دمرتها الحرب بشكل كلي أو جزئي في مناطق النزاع أو القتال في مناطق شاسعة وواسعة، يلي ذلك العملية الفنية والمتعلقة بالمعلم، حيث أن المعلم السوداني هجر تلك المهنة ورحل إلى مهن أخرى، لأن العائد المادي بالنسبة للمعلم من العملية التعليمية غير مجز".
ولفت الطيب، إلى أن" العملية معقدة جدا وتحتاج إلى دعم كبير جدا للسودان لنتمكن من إيقاف تلك الحرب، لأن استمرار الحرب يعني استمرار أزمة التعليم، والحقيقة أن الأزمة على أشدها بعد اندلاع الحرب، لكن بدايتها كانت قبل الحرب بسنوات وربما بعد اندلاع الثورة وقبلها".
معالجات جذرية
من جانبه يقول، الأكاديمي السوداني، الدكتور محمد الناير، إنه "بالنسبة لواقع التعليم في السودان، فما بين 11 ولاية من 18 ولاية في السودان تشهد استقرار في العملية التعليمية بكل مستوياتها، سواء كانت قبل المدرسة أو التعليم الإبتدائي اللي هو مرحلة الأساس أو المتوسطة (الإعدادية) والتعليم الثانوي العالي أو الجامعات".
لضمان تطبيقها للاشتراطات الصحية... السودان يعلن تأجيل فتح المدارس لمدة أسبوعين
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك" أنه "من المعلوم أن التعليم توقف مع بداية الحرب أو في بداية تمرد ميليشيا قوات الدعم السريع المتمردة في 15 أبريل/ نيسان 2023 لفترة، بلغت حوالي خمسة أشهر، لكن بعدها بدأت الدولة تعيد توازنها، حينما بعدما انتقلت كل الوزارات أو الحكومة المركزية إلى العاصمة الإدارية المؤقتة لمدينة بورتسودان المطلة على ساحل البحر الأحمر، وبدأ العمل في ترتيب الأمر".
وتابع الناير "بعد الانتقال إلى بورتسودان بدأت الحكومة معالجة قضية الوافدين الذين كانوا يستغلون المدارس والداخليات الخاصة بالطلاب وداخليات الجامعات وغيرها، وبدأت عملية ايجاد معالجات جذرية لهذا الأمر، تلى ذلك مرحلة الدراسة في كل الولايات، واستطعنا أن نعدد الولايات التي تتم فيها الدراسة بصورة مستقرة ابتداء من ولاية الخرطوم، الولاية الشمالية، ولاية نهر النيل، البحر الأحمر، كسلا، ولاية القضارف، الجزيرة، النيل الأزرق، النيل الأبيض، شمال كردفان، سبع ولايات فقط التي لم ينتشر فيها التعليم، وهي التي تقع تحت سيطرة قوات الدعم السلاح المتمردة"، وأجزاء في بعض الولايات المسيطرة عليها، أجزاء منها تحت سيطرة الحكومة، ما يعني أن الولايات المسيطر عليه تقريبا خمسة".
تقليص الفارق
وأشار الناير إلى أن "هناك أجزاء من الولايتين تحت سيطرة الحكومة سوف تدخل في المنظومة قريبا بشكل واضح جدا، لكن ربما دخولها في الأيام القادمة، أعتقد أن 12 ولاية العملية التعليمية فيها مكتملة من أصل 18 ولاية في مراحل التعليم المختلفة حتى الجامعة، خاصة أن الامتحانات المؤجلة عقدت في نهاية 2023، وبالتالي العملية التعليمية تسير بصورة جيدة، وأصبح هناك جهد كبير جدا لتعويض الزمن الذي فقد على الطلاب منذ بداية الحرب".
واستطرد:" والآن الجامعات تسعى بصورة كبيرة لتقليص الفارق ومعالجة قضية الدفعات المتراكمة ودمج الدفعات التي امتحنت الشهادة الثانوية 2023 و 2024 مع بعضهما البعض، والمعالجات تمضي بصورة جيدة والجامعات استطاعت أن تعيد توازنها وتعود إلى العمل مرة أخرى، وبعض الجامعات بدأت نشاطها في ولاية الخرطوم بصورة فعلية وهذه خطوة جيدة".
بعد أحداث الأبيض.. تعيلق الدراسة في جميع مدارس السودان لأجل غير مسمى
الضياع التعليمي
بدوره يقول، رئيس منظمات المجتمع المدني السودانية، الدكتور عادل عبد الباقي: إنه "لم تحصد الحرب في السودان حتى الآن سوى الدماء و الدموع و الدمار، حيث يواجه أكثر من 1.6 طفل في السودان خطر التسرب من التعليم في عدة ولايات بعد انهيار شبه كلي للمؤسسة التعليمية في البلاد".
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك": أن "الحرب الدائرة في السودان لم تعط الفرصة للتعليم، ناهيك عن الأوضاع الإنسانية المتفاقمة والمتدهور والكوارث الطبيعية والوبائيات والسيول والفيضانات، كان لها أثر كبير في عرقلة النظام التعليمي في البلاد، من جانب آخر لم تجيز وزارة المالية السودان ميزانية واضحة للعام الدراسي لهذا السنة، حيث أن 78 في المئة من الأساتذة وأولياء الأمور لم يصرف مرتباتهم لتوفير رسوم الدراسة لأبنائهم".
وأكد عبد الباقي أن "معاناة الأطفال في السودان، لم تكن الأسوأ، لكن هناك مئات الآلاف من الأطفال اللاجئين في معسكر تشاد يعانون من أوضاع إنسانية مزرية من عنف جنسي وقبلي، مع نقص حاد في الغذاء والمياه والدواء والتعليم، لذلك نطالب السلطات المعنية بوضع خطة عاجلة لإنقاذ هذه الجيل من الضياع التعليمي بإجازة ميزانية لدعم التعليم في السودان، مع زيادة المساعدات الإنسانية والموارد للمدارس والمخيمات المتضررة بملء يضمن تلبية الاحتياجات الأساسية، علاوة على دعم المنظمات المحلية العاملة على الأرض لتقديم المساعدة الدفاع عن حقوق الأطفال اللاجئين في تشاد".
المصروفات الدراسية
أما أمين التدريب بمنظمات المجتمع المدني السودانية، الدكتورة شيماء خالد عجب، فتقول:" إن ارتفاع المصروفات الدراسية في المدارس الحكومية والخاصة لم يكن قرارا مقصودا، بل هو انعكاس مباشر لارتفاع تكاليف التشغيل، مثل أجور المعلمين، وطباعة الكتب، وصيانة المدارس، إلى جانب التضخم الكبير الذي يشهده الاقتصاد الوطني".
الأمم المتحدة تعرب عن قلقها البالغ من احتمال حدوث انتهاكات وتجاوزات في كردفان بالسودان
وأضافت في حديثها لـ"سبوتنيك" إننا "نعمل جاهدين، بالتعاون مع شركائنا المحليين والدوليين، لتخفيف العبء عن الأسر عبر مبادرات لدعم التعليم، وتقديم المساعدات للطلاب المحتاجين، والمساهمة في تأهيل المدارس والمرافق التعليمية".
وأكدت عجب أن "التعليم حق أساسي لكل طفل، ونأمل في تضافر الجهود بين الحكومة والمجتمع المدني والمنظمات الدولية من أجل ضمان العملية التعليمية وأن تصل لكافة المواطنين، فالمناطق المتأثرة بالنزاعات أو التي تستضيف أعدادا كبيرة من النازحين تشهد ضغطا كبيرا على المدارس، ونقصا في المعلمين، بينما تكون الأوضاع أقل حدة في بعض المناطق المستقرة نسبيا".
وفي أبريل 2023، اندلعت اشتباكات عنيفة وواسعة النطاق بين قوات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في مناطق متفرقة بالسودان، حيث يحاول كل من الطرفين السيطرة على مقار حيوية.
وتوسطت أطراف عربية وأفريقية ودولية لوقف إطلاق النار، إلا أن هذه الوساطات لم تنجح في التوصل لوقف دائم لإطلاق النار.
مناقشة