تأسست الدولة السعودية في منتصف عام 1727م (عام 1139هـ)، على يدي الإمام محمد بن سعود، وفي يناير/كانون الثاني 2022، أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أمراً ملكيا، باسم "يوم التأسيس" الذي يوافق 22 فبراير من كل عام، ويصبح إجازة رسمية بكافة المؤسسات والجهات العاملة فى المملكة.
شهدت المملكة تحولات مهمة منذ تأسيسها قبل 299 سنة، حتى اليوم، على كافة المستويات، حتى أصبحت من الدول الفاعلة على مستوى العالم اقتصاديا وسياسيا.
حول المراحل المختلفة التي مرت بها المملكة منذ التأسيس حتى اليوم، يقول اللواء الطيار الركن عيسى بن جابر آل فايع، مستشار الشؤون الاستراتيجية والأمن الدولي السعودي، إن التجربة السعودية تقدم نموذجا مختلفا عن الرؤية التي تذهب لقياس الأمر بالثروة، خاصة أنها لم تكن الأساس الذي قامت عليه الدولة السعودية، بل كانت نتيجة لمسار استراتيجي سابق رسّخ الاستقرار وأوجد بيئة النمو.
رؤية راسخة
ويرى في حديثه مع "سبوتنيك"، أنه مع انطلاق الدولة السعودية الأولى في (30 جمادى الآخرة 1139هـ) الموافق (22 فبراير 1727م) في الدرعية بقيادة الإمام محمد بن سعود، لم تكن المعادلة الاقتصادية هي العامل الحاسم، بل كانت هناك رؤية واضحة لبناء مجتمع منظم ودولة مستقرة حتى اليوم.
ويرى أن يوم التأسيس كان بمثابة لحظة تشكّل لثلاث ركائز استراتيجية أسهمت في بناء الدولة واستمرارها عبر ثلاثة قرون، وتلك الركائز هي: التوحيد، والعدل، وشرعية القيادة.
وأشار إلى أن التوحيد شكل الركيزة الاستراتيجية الأولى، إذ وفّر الإطار المرجعي الذي بُنيت عليه الدولة.
أما في بعده السياسي، فقد مثل التوحيد انتقالا من واقع التشتت القبلي إلى واقع الدولة المركزية، وفق المتحدث.
وتابع بقوله: "إن جمع شتات القبائل في شبه الجزيرة العربية لم يكن حدثا عسكريا أو سياسيا أو اجتماعيا يمكن مقارنته بأي مشروع وحدوي في العصر الحديث، بل تحولا استراتيجيا أعاد تشكيل المجال السياسي والاجتماعي".
وأشار إلى أن الركيزة الاستراتيجية الثانية تمثّلت في العدل، وهو عنصر حاسم في استدامة أي نظام سياسي.
القبول والاستمرارية والتكيف
أما الركيزة الثالثة، وفق آل فايع، فهي شرعية القيادة، التي شكّلت عنصر الاستمرارية التاريخية في مسار الدولة السعودية، حيث قامت الدولة على قيادة متجذّرة في المجتمع، تستند إلى البيعة كإطار يعكس القبول السياسي والاجتماعي، ويؤسس لعلاقة متوازنة بين الحاكم والمحكوم.
في الإطار، قال الباحث السياسي وجدي القليطي، إن الدولة السعودية مرت بثلاث مراحل تاريخية شكلت محطات مفصلية في مسيرة البناء، بدءا بالدولة السعودية الأولى التي وضعت أسس الحكم والاستقرار، ثم الدولة السعودية الثانية التي أعادت توحيد الصف وتعزيز كيان الدولة، وصولا إلى الدولة السعودية الثالثة التي أسسها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، والتي تُوّجت بإعلان توحيد المملكة عام 1932م، لتبدأ مرحلة بناء مؤسسات الدولة الحديثة وترسيخ مكانتها الإقليمية والدولية.
نقلات نوعية
وأضاف في حديثه مع "سبوتنيك"، أن المملكة حققت نقلات نوعية في مختلف المجالات، في التعليم والصحة والبنية التحتية والطاقة والصناعة والتقنية، وأصبحت لاعبا محوريا في الاقتصاد والسياسية العالمية، وركيزة للاستقرار في المنطقة، ونموذجا في التوازن بين الأصالة والتحديث.
وأشار إلى أن رؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تمثل مرحلة تحول تاريخية في مسيرة المملكة، إذ أعادت صياغة مفهوم التنمية الشاملة من خلال رؤية 2030، التي تهدف إلى تنويع الاقتصاد، وتمكين الإنسان، وتعزيز كفاءة الحكومة، وإطلاق طاقات الشباب، وبناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر ووطن طموح.
مشروع وطني
يقول العميد عبدالله آل شايع، الخبير الاستراتيجي السعودي، إن احتفال المملكة بمرور ثلاثمائة عام تقريبا على التأسيس، ليست مجرد استذكار لتاريخ مضى، بل استحضار لمسيرة دولة استطاعت عبر ثلاثة قرون أن تبني نموذجا فريدا في الاستقرار السياسي والتماسك الاجتماعي والنهضة الاقتصادية.
ويرى أن الاحتفال يعكس امتدادا تاريخيا متصلا منذ تأسيس الدولة السعودية الأولى عام 1727م، حين بدأت ملامح مشروع وطني يقوم على الوحدة والأمن وخدمة الإسلام والمسلمين، واستمر هذا المشروع عبر الدولة السعودية الثانية ثم توحيد المملكة على يد الملك الراحل عبدالعزيز ، حتى أصبحت اليوم دولة محورية ذات ثقل إقليمي ودولي.
حول أهم المحطات التاريخية في بناء الدولة السعودية، يقول آل شايع: "شكل تأسيس الدولة السعودية الأولى نقطة تحول في تاريخ المنطقة، حيث أعاد الأمن والاستقرار إلى مجتمع كان يعاني من التشتت".
ثم جاءت الدولة السعودية الثانية لتؤكد استمرار هذا المشروع رغم الظروف الصعبة، ومع توحيد المملكة عام 1932م بدأت مرحلة بناء الدولة الحديثة، حيث تأسست المؤسسات السياسية والإدارية، وتطورت البنية التحتية، وبدأت المملكة في ترسيخ مكانتها الدولية.
في فترة لاحقة توسعت التنمية لتشمل التعليم والصحة والاقتصاد والطاقة والعلاقات الدولية، وصولا إلى مرحلة التحول الوطني ورؤية 2030 التي أعادت صياغة مستقبل الدولة وفق أسس حديثة.
وفي الجانب العسكري، يوضح آل شايع أن المملكة طورت قدراتها الدفاعية لتصبح من أقوى الجيوش الإقليمية، مع جاهزية عالية لحماية الوطن وحدوده.
وتابع: "تأتي رؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان اليوم في ظل توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزبز، كامتداد طبيعي لهذه المسيرة، لكنها تمثل في الوقت نفسه نقلة نوعية في تاريخ المملكة، وأن الرؤية تقوم على الإنسان أولا، وتستهدف بناء اقتصاد متنوع ومستدام، وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد، وتمكين الشباب والمرأة، ورفع جودة الحياة، وتطوير القطاعات الجديدة مثل السياحة والتقنية والصناعة والترفيه".
دور المرأة في بناء الدولة
فيما تقول الكاتبة، الدكتورة لمياء البراهيم، إن المملكة لم تُبنَ في يومٍ واحد، بل عبر قرون من التحديات والتعلم وإعادة التشكل.
وأضافت في حديثها مع "سبوتنيك"، أنه في ظل التحولات التي تقودها رؤية السعودية 2030، نشهد مرحلة جديدة عنوانها الاستثمار في الإنسان، وتعزيز الكفاءة، والانفتاح المدروس على العالم.
وتابعت: "أما المرأة السعودية، فقد كانت دائما جزءا من هذا البناء، وإن اختلفت الأدوار عبر المراحل، من دورها الاجتماعي والتربوي في البدايات، إلى حضورها اليوم في الطب والهندسة والاقتصاد والقيادة التنفيذية".
تشير البراهيم إلى أن ما تغير ليس قيمة المرأة، بل مساحة تأثيرها وظهورها، وأنه في رؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان آل سعود، لم يُطرح تمكين المرأة كشعار، بل كخيار استراتيجي يعزز قوة الدولة، حيث يعكس حضورها اليوم في مواقع القرار قناعة بأن التنمية لا تكتمل إلا بمشاركة الجميع.
واستطردت: "المملكة وهي تدخل عامها الـ 300، لا تنظر فقط إلى الماضي بفخر، بل إلى المستقبل بثقة، وهذه الثقة هي خلاصة 299 عامًا من البناء المتواصل".
فيما تقول شيرين أبو الحسن، عضو لجنة تطوير المرأة والشباب في اتحاد التجديف الأسيوي بالسعودية، إن المرأة السعودية، فهي لم تكن يوما على هامش التاريخ، بل كانت جزءا من نسيجه.
وأضافت في حديثها مع "سبوتنيك" أن المرأة أصبحت شريكة حقيقية في القرار والتنمية، حاضرة في الاقتصاد، والرياضة، والتعليم، والقيادة، وأن ما تشهده المملكة ليس تمكينا شكليا، بل إيمانا عميقا بدورها كعنصر أساسي في نهضة الوطن.
في رؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ترى أبو الحسن أن المرأة ليست خيارا إضافيا، بل ركيزة من ركائز المستقبل، وهو ما تلمسه المرأة واقعا في الفرص، والتشريعات، والمساحات التي فتحت أمام طاقاتها.
أهم المحطات الاقتصادية
في الجانب الاقتصادي، يقول المستشار الاقتصادي السعودي، محمد بن دليم، إنه منذ تأسيس الدولة السعودية الأولى عام 1727، ارتكز الاقتصاد السعودي على الاستقرار، وتأمين طرق التجارة، وحماية الموارد، وبناء الثقة بين الحاكم والمجتمع.
وأضاف في حديثه مع "سبوتنيك" أنه مع قيام الدولة السعودية الثالثة وتوحيد المملكة عام 1932، انتقل الاقتصاد من نمط محلي بسيط إلى دولة ذات سيادة مالية ومؤسسات حديثة.
وتابع: "اكتشاف النفط في 1938 شكل نقطة تحول مفصلية، لكنه لم يكن نهاية المسار بل بدايته، إذ استُخدمت عائداته لبناء البنية التحتية، والتعليم، والصحة، ومؤسسات الدولة، ثم جاءت مراحل التنظيم المالي، وإنشاء المؤسسات النقدية، وتوطين القرار الاقتصادي، وصولا إلى بناء احتياطات سيادية ضخمة جعلت المملكة لاعبا رئيسيا في الاقتصاد العالمي".
ويرى أن ما تحقق ليس مجرد نمو أرقام، بل تحول في طبيعة الاقتصاد نفسه، خاصة أن المملكة انتقلت من اقتصاد ريعي أحادي إلى اقتصاد متعدد المحركات: صناعي، لوجستي، سياحي، وتقني.
ولفت إلى أن السعودية أصبحت من بين أكبر 20 اقتصادا في العالم، وتمتلك واحدا من أقوى المراكز المالية والسيادية، وبنية تحتية تعد من الأحدث عالميا.
وتابع: "مع رؤية 2030، التي يقودها ولي العهد محمد بن سلمان، دخلت السعودية مرحلة مختلفة، حيث يدار الاقتصاد بالعقلية الاستثمارية لا الريعية، وبمنطق الاستدامة لا الاستهلاك، كما أن الرؤية أعادت تعريف دور الدولة من ممول مباشر إلى منظم ومحفّز، ورفعت كفاءة الإنفاق، وفتحت الاقتصاد للاستثمار العالمي، وراكمت أصولا استراتيجية في الطاقة المتجددة، والتقنية، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد"، وفق قوله.