"النفط الليبية" تقر إجراءات تقشفية لضمان استمرارية الإنتاج في ظل غياب الميزانية

أثار التعميم الذي أصدرته المؤسسة الوطنية الليبية للنفط والمتضمن حزمة من الإجراءات المالية والتنظيمية الهادفة إلى ترشيد الإنفاق وضمان استمرارية العمليات التشغيلية، حالة من القلق في الأوساط العامة والاقتصادية التي رأت فيه مؤشرًا لأزمة سيولة حادة قد تعيق المؤسسة عن الإيفاء بالتزاماتها تجاه الشركات المتعاقدة معها.
Sputnik
ناهيك عن مخاوف تتعلق بانعكاسات محتملة لتعميم المؤسسة الوطنية للنفط على الاقتصاد الليبي، باعتبار أن قطاع النفط يمثل المصدر الرئيسي للإيرادات العامة والعملات الأجنبية في ليبيا.
وفي هذا السياق، قال الخبير القانوني في مجال النفط، عثمان الحضيري، في حديث خاص لوكالة "سبوتنيك": "المؤسسة الوطنية للنفط تمر بمرحلة دقيقة تتسم بتحديات مالية وفنية متراكمة، ما دفع مراقبون إلى طرح تساؤلات حول مستقبلها بل وذهب بعضهم إلى توصيف الوضع بعبارات حادة تصل إلى حد الحديث عن الإفلاس".
واشنطن تعود إلى ليبيا من بوابة النفط: رهانات اقتصادية وأمنية جديدة
وأضاف: "غير أن القراءة الموضوعية للمشهد تكشف أن المؤسسة ليست بصدد الإفلاس بالمعنى القانوني أو الاقتصادي وإنما تواجه أزمة إدارة وتخطيط تستدعي معالجة جادة ومسؤولة.
وتابع الحضيري: "غياب التخطيط الاستراتيجي الفعّال وضعف آليات الرقابة والمتابعة ساهما في تراجع كفاءة الأداء وارتفاع كلفة التشغيل، فضلا عن تأخر مشاريع التطوير والصيانة ومع تراكم هذه العوامل برزت مؤشرات ضغط مالي وفني انعكست سلبا على صورة المؤسسة وأدائها العام".
وأكد الحضيري أن "التحديات مهما تعاظمت لا تعني نهاية الطريق فالمؤسسة تمتلك من الخبرات الوطنية والإمكانات الفنية ما يؤهلها لتجاوز هذه المرحلة شريطة توافر إرادة حقيقية للإصلاح تقوم على إعادة هيكلة إدارية مدروسة، وتعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة وإسناد المسؤوليات إلى كفاءات وطنية مشهود لها بالكفاءة والنزاهة بعيدا عن التجاذبات والمصالح الضيقة".
ليبيا.. "الوطنية للنفط" تعلن تحويل مليارات الدولارات إلى "المركزي" خلال 2025
وأشار الحضيري إلى أن "طمأنة الشارع الليبي تبدأ بالوضوح والمصارحة، فالمؤسسة ليست مفلسة بل تحتاج إلى إدارة راقية علميا وعمليا وإلى قرار وطني يضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار، فالإصلاح بحسب تعبيره، ليس خيارا ترفيهيا بل ضرورة استراتيجية لضمان استدامة القطاع وحماية المورد السيادي الأهم للدولة الليبية".

وشدد الحضيري على أن "إنقاذ القطاع لا يتطلب معجزات بل يتطلب إدارة رشيدة وتخطيطا طويل المدى واستثمارا حقيقيا في العنصر البشري، وعندها فقط يمكن استعادة المكانة الحيوية لقطاع النفط ليبقى ركيزة الاستقرار الاقتصادي وضمانة لمستقبل الأجيال القادمة".

ويعد قطاع النفط الركيزة الأساسية للاقتصاد الليبي إذ يمثل المصدر الرئيس للدخل القومي ما يجعل استقراره وكفاءته مسألة تتجاوز الإطار المؤسسي إلى البعد الوطني العام ومن هذا المنطلق فإن ما يشهده القطاع من تعثر لا يرتبط بندرة الموارد أو ضعف الإمكانات بقدر ما يرتبط بجملة من الإخفاقات الإدارية والفنية وسوء توظيف المخصصات المالية وفق الأولويات المعتمدة في الميزانيات.
خبير ليبي: تعويض الاحتياطي النفطي في ليبيا رهان استراتيجي لتحقيق الأمن الاقتصادي
من جهته، قال الخبير النفطي، خالد الكاديكي، في حديث خاص لوكالة "سبوتنيك": "التعميم الذي أصدرته المؤسسة الوطنية للنفط يعد مهما للغاية في هذا التوقيت الحساس، فالمؤسسة منذ عام 2020، كانت خرجت من سلسلة أزمات متراكمة سبقت تلك المرحلة تمثلت في تداعيات الحروب التي شهدتها بعض الحقول النفطية وما نتج عنها من خسائر كبيرة أثرت بشكل مباشر على معدلات الإنتاج واستقرار العمليات التشغيلية".
وأضاف: "تلك الفترة شهدت أيضا إشكاليات تتعلق بالرقابة على الإنتاج فضلا عن تحذيرات من منظمات دولية معنية من بينها منظمة الدول المصدرة للنفط بشأن عمليات بيع غير معلنة أو غير مدرجة رسميا ضمن القنوات الحكومية المعتمدة آنذاك".
وأكد الكاديكي أن "هذه العوامل مجتمعة أثرت سلبا على كفاءة المؤسسة من النواحي التشغيلية والفنية بما في ذلك أعمال الصيانة في عدد من الحقول ومستودعات التوزيع الأمر الذي انعكس على أداء القطاع بشكل عام".
تركيا تحصل على رخصة للتنقيب عن النفط والغاز في ليبيا
وأشار الكاديكي إلى أن "الفترة الممتدة من 2020 حتى الوقت الراهن، شهدت إبرام عقود جديدة في مجالات الحفر والتنقيب وبيع النفط ودخول بعض الشركات إلى السوق مقابل تعثر في توريد بعض الإيرادات إلى المؤسسة".
ولفت إلى أن "تغييرات إدارية متكررة طالت رئاسة المؤسسة خلال السنوات الماضية ما أثر على استقرارها الإداري والمالي".
وأشار الكاديكي إلى أن "المؤسسة باعتبارها جهة سيادية تخضع للقوانين والرقابة التشريعية والتنفيذية تجد نفسها ملزمة بتطبيق التشريعات النفطية وهو ما يضعها أحيانا في دائرة التجاذبات بين السلطات المختلفة"، وتابع: "ما تمر به المؤسسة يُمثل أزمة حقيقية دفعتها إلى إصدار بيان يهدف إلى تجميد أو إيقاف بعض الإجراءات التي قد تؤدي إلى تفاقم الأزمة إلى حين توحيد الحكومة وإقرار ميزانية موحدة تضمن تخصيص الاعتمادات اللازمة للتشغيل والتكرير والإنتاج".
النفط يفقد بريقه.. ليبيا بين تقلبات الأسواق وتحديات الاعتماد الأحادي
وأكد الكاديكي أن "المؤسسة الوطنية للنفط تختلف عن بقية مؤسسات الدولة نظرا لكونها تمثل المصدر الرئيسي للدخل في ليبيا ما يجعل استقرارها مسألة حيوية للاقتصاد الوطني".
وختم بالقول: "التعميم الصادر يُعد خطوة احترازية للحفاظ على ما تحقق وتجنب الدخول في أزمات جديدة"، محذرًا من أن "استمرار الانقسام السياسي وعدم تحييد المؤسسة عن الصراعات قد يفاقم التحديات التي تواجهها".
مناقشة