وتجد تونس نفسها في صلب هذه المعادلة نظرا لاعتمادها الكبير على الأسواق الخارجية لتوفير الحبوب.
تأتي هذه المخاوف في وقت تواجه فيه تونس أصلا تحديات هيكلية في قطاع الحبوب، إذ يعتمد الأمن الغذائي للبلاد بدرجة كبيرة على الواردات الخارجية. ويبلغ الاستهلاك السنوي من الحبوب نحو 3.4 ملايين طن، في حين لا يغطي الإنتاج المحلي سوى جزء من الطلب، ما يضطر الدولة إلى استيراد كميات كبيرة من الأسواق الدولية لتأمين احتياجاتها الأساسية من القمح الصلب والقمح اللين والشعير.
وتشير التقديرات إلى أن تونس تستورد عادة نحو نصف احتياجاتها من الحبوب أو أكثر، وهي نسبة ترتفع في سنوات الجفاف وضعف المحاصيل. ففي بعض المواسم لم يتجاوز الإنتاج المحلي سوى ثلث الاستهلاك، بينما اضطرت السلطات إلى تغطية بقية الطلب عبر التوريد من الأسواق الخارجية، خاصة من منطقة البحر الأسود وأوروبا.
وتكتسي هذه الواردات أهمية استراتيجية نظرا لارتباطها المباشر بالمواد الغذائية الأساسية التي يستهلكها التونسيون يوميا، مثل الخبز والسميد والعجين الغذائي. كما أن الحبوب تمثل أحد أكبر بنود الواردات الغذائية في البلاد، إذ تشكل أكثر من نصف إجمالي واردات المواد الغذائية في بعض الفترات، ما يجعل أي اضطراب في سلاسل الإمداد أو ارتفاع في الأسعار العالمية ينعكس مباشرة على السوق المحلية وعلى ميزانية الدولة.
ومع احتدام التوترات في الشرق الأوسط، تبرز عدة سيناريوهات قد تؤثر على تدفق الحبوب نحو دول شمال أفريقيا، من بينها اضطراب حركة الملاحة في بعض الممرات البحرية الحيوية، أو ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى تقلبات الأسعار في الأسواق العالمية للطاقة والحبوب.
وتكتسب هذه العوامل أهمية خاصة بالنسبة إلى تونس التي تعتمد بشكل كبير على المناقصات الدولية التي يشرف عليها ديوان الحبوب لتأمين شحنات دورية من القمح والشعير، غالبا في شكل شحنات تتراوح بين 25 ألفا و100 ألف طن في الصفقة الواحدة.
وفي ظل هذا السياق الجيوسياسي المتوتر، يطرح خبراء ومحللون تساؤلات حول مدى قدرة تونس على الحفاظ على نسق التوريد المعتاد، وحول التداعيات المحتملة لأي اضطراب في الإمدادات على الأسعار وعلى منظومة الدعم الغذائي.
تحذيرات من تعطل نسق التزوّد بالحبوب
وفي السياق، يرى وزير التجارة التونسي الأسبق محمد المسليني، أن استمرار التصعيد العسكري في الشرق الأوسط ستكون له تداعيات مباشرة على حركة التجارة الدولية، بما سينعكس بدوره على الأمن الغذائي في عدد من الدول المستوردة، من بينها تونس، خاصة في ظل تعطّل مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وأشار المسليني إلى أن تداعيات التوترات بدأت تظهر بالفعل في الأسواق، لافتا إلى أن "سعر برميل النفط تجاوز 120 دولارا بعد أن كان في حدود 70 دولارا، وهو ارتفاع مرشح للتواصل إذا استمرت الحرب".
وبحسب تقديره، فإن مثل هذه التطورات قد تؤدي إلى تعطّل عدد من المعاملات التجارية وارتفاع كلفة التوريد، بما في ذلك عمليات التزود بالحبوب والمواد الغذائية، خاصة بالنسبة إلى الدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد وترتبط تجارتها بالممرات البحرية في المنطقة.
وبخصوص تونس، اعتبر وزير التجارة الأسبق أن الاقتصاد الوطني سيظل عرضة لتداعيات أي اضطراب عالمي، قائلا إن "الوضع الاقتصادي هش ويتأثر بكل المتغيرات الدولية".
ولفت إلى أن تقديرات الميزانية التونسية بُنيت على أساس سعر لبرميل النفط في حدود 63 دولارا، مشيرا إلى أن استمرار ارتفاع الأسعار سيغيّر هذه المعطيات بشكل كبير، وأن ميزانية الدولة ستتكبّد كلفة إضافية نتيجة الزيادة المرتقبة في كلفة دعم الخبز والمواد الأساسية، وهو ما يضع ضغوطا إضافية على منظومة الدعم المرتبطة بالمواد الغذائية.
وأضاف أن "كل دولار إضافي في سعر النفط يكلّف ميزانية الدولة نحو 140 مليون دينار سنويا"، وهو ما قد ينعكس على الأسعار في السوق المحلية ويزيد من الضغوط التضخمية، خصوصا فيما يتعلق بالمواد الغذائية الأساسية.
كما توقع المسليني، أن تواجه تونس، مثل بقية الدول المستوردة، ارتفاعا في تكاليف النقل والشحن نتيجة المخاطر المرتبطة بالحرب، موضحا أن ذلك سيؤدي إلى صعوبات إضافية في التزود بعدد من المواد الاستهلاكية، وعلى رأسها الحبوب والزيوت النباتية، سواء بسبب ارتفاع أسعارها في الأسواق العالمية أو نتيجة محدودية الإمكانيات المالية المتاحة للتوريد.
تونس ليست مستعدة لامتصاص صدمة جديدة
وفي سياق متصل، لفت وزير التجارة التونسي الأسبق محمد المسليني، أن تونس تواجه هذه التطورات في وقت ما تزال فيه أسواق الحبوب العالمية متأثرة بتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، مشيرا إلى أن روسيا وأوكرانيا تعدان من أبرز موردي الحبوب إلى تونس، سواء بالنسبة إلى القمح الصلب أو القمح اللين، وهو ما يجعل أي اضطراب جديد في سلاسل الإمداد عاملا إضافيا لتعقيد وضعية التزود.
وأضاف في تصريح لـ"سبوتنيك"، أن قدرة الاقتصاد التونسي على امتصاص هذه الصدمات تظل محدودة، لافتا إلى أن البلاد "تعاني أصلا من عجز طاقي يناهز 11 مليار دينار"، وهو ما يضع المالية العمومية أمام ضغوط متزايدة في حال استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية في الأسواق العالمية.
واعتبر المسليني أن التصعيد الحالي يعكس صراعا يتجاوز البعد العسكري ليشمل أيضا أبعادا اقتصادية أوسع، قائلا إن "هناك مساعي أمريكية لفرض هيمنة ليس فقط عسكرية وإنما أيضا اقتصادية، ليس فقط على إيران وإنما على العالم بأكمله"، محذرا من أن مثل هذه التطورات قد تكون لها تداعيات واسعة على استقرار العديد من الدول.
كما أشار إلى أن عددا من الدول اضطرت بالفعل إلى رفع أسعار الطاقة عند الاستهلاك لمواجهة ارتفاع الكلفة، موضحا أن "الطاقة تؤثر على جميع حلقات الإنتاج، وهو ما يعني أن انعكاساتها تمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية".
وشدد المتحدث، على أن تونس "ليست بمنأى عن هذه المخاطر"، خاصة وأن أسواقها قد تواجه صعوبات في التزود ببعض المواد الأساسية التي يكثر استهلاكها في تونس وفي منطقة شمال أفريقيا عموما، وعلى رأسها الحبوب الموجهة لصناعة الخبز ومنتجات العجين الغذائي.
وختم بالقول إن فقدان هذه المواد من السوق، في حال حدوثه، قد تكون له انعكاسات اجتماعية مباشرة، مشيرا إلى أن "غياب هذه المواد الأساسية يمكن أن يؤدي إلى توترات اجتماعية قد تصل حد الاحتجاجات والاضطرابات".
ارتفاع مرتقب في تكلفة الغذاء
من جانبه، قال المتحدث الرسمي باسم حزب التيار الشعبي محسن النابتي، في تعليق لـ "سبوتنيك"، إن استمرار التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، سيكون له تداعيات واسعة على حركة التجارة العالمية، خاصة إذا تحولت الممرات البحرية في المنطقة إلى ساحات للعمليات العسكرية.
وأوضح النابتي أن هذه الممرات تمثل "الشريان الرئيسي للإمدادات الطاقية والغذائية للعديد من دول العالم، ومن بينها تونس"، معتبرا أن أي اضطراب في حركة الملاحة أو ارتفاع في المخاطر الأمنية سيؤثر مباشرة على كلفة النقل والشحن، وبالتالي الغذاء.
وأضاف أن هذا الوضع سينعكس بالضرورة على السوق التونسية التي ستواجه، وفقا لقوله، ارتفاعا غير مسبوق في أسعار المواد الغذائية نتيجة ارتفاع كلفة النقل، إلى جانب صعوبات محتملة في الوصول إلى بعض السلع الأساسية، وعلى رأسها الحبوب.
وأشار النابتي إلى أن تونس تعد من بين الدول التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الحبوب، وخاصة القمح والشعير والأعلاف، مضيفا أنها في الوقت ذاته من الدول التي تعاني من عجز طاقي مرتفع، وهو ما يجعل تداعيات الأزمة مزدوجة على الاقتصاد الوطني.
وتابع قائلا: "لا أحد يستطيع تجاهل تداعيات الحرب في الشرق الأوسط على العالم، فما بالك باقتصاد هش مثل الاقتصاد التونسي الذي ما يكاد يخرج من مأزق حتى يدخل في مأزق آخر".
كما لفت إلى أن تونس تمكنت في فترات سابقة من تجاوز أزمات دولية كبرى، من بينها تداعيات حرب الخليج الثانية، لكن في ظروف مختلفة نسبيا، مشيرا إلى أن العديد من دول العالم توجد اليوم في حالة استعداد لمواجهة اضطرابات محتملة في الإمدادات الطاقية والغذائية.
وختم النابتي تصريحه بالتعبير عن مخاوفه مما وصفه بغياب خطاب رسمي مطمئن للرأي العام، قائلا إن "المقلق في تونس هو غياب ردة فعل رسمية واضحة لطمأنه المواطنين بشأن الإجراءات التي يمكن اتخاذها لمواجهة هذه التطورات".