من مضيق هرمز إلى أسواق العالم... النفط يشعل معادلات النفوذ الدولي

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، وتزايد التنافس بين القوى الكبرى على مصادر الطاقة، يعود النفط إلى واجهة المشهد كأحد أبرز محددات الصراع الجيوسياسي.
Sputnik
ومع استمرار الاضطرابات في عدد من مناطق الإنتاج، وارتفاع أهمية أمن الإمدادات، تبرز منطقة الشرق الأوسط ودول الخليج العربي مجددًا كنقطة ارتكاز في معادلات النفوذ العالمي.
وبين مساعي الدول الكبرى لتأمين احتياجاتها من الطاقة، وتوجهات التحول نحو الطاقة البديلة، يطرح تساؤل جوهري نفسه: هل يتجه العالم نحو صراع جديد عنوانه النفط؟
مجتمع
بريطانيا وفرنسا تعلنان رفضهما حصار الولايات المتحدة لمضيق هرمز

صراعات الطاقة

يرى المحلل السياسي المصري عبد الستار حتيته أن "مصادر النفط والطاقة تمثل المحرك الأساسي للتوترات الدولية الراهنة"، مشيرًا إلى أن "الصراعات الجارية ترتبط بشكل مباشر بالبحث عن موارد الطاقة"، ويستشهد بما حدث في فنزويلا وإيران، مؤكدًا أن "النفط والطاقة باتا في صلب الأزمات العالمية".

وأضاف في تصريحات لـ"سبوتنيك"، أن "منطقة الشرق الأوسط ودول الخليج تمثل الهدف الأبرز في معادلة النفوذ الطاقي العالمي، نظرًا لامتلاكها نسبة كبيرة من احتياطيات الطاقة، إضافة إلى مرور جزء كبير من الإمدادات عبر مضيق هرمز، ما يجعلها محورًا رئيسيًا في صراعات النفوذ".

وأوضح أن "الولايات المتحدة الأمريكية تسعى في المرحلة الحالية إلى تعزيز موقعها في سوق الطاقة العالمي، من خلال محاولات السيطرة أو التأثير على مصادر الطاقة في كل من فنزويلا وإيران، وكذلك منطقة الشرق الأوسط، بهدف أن تصبح بديلًا رئيسيًا في تأمين هذا المورد الحيوي للتنمية العالمية".
قطر تدعو إلى إيجاد حل لأزمة مضيق هرمز بمشاركة الدول المتشاطئة
وأشار المحلل السياسي المصري إلى أن "مسار الطاقة المتجددة يختلف عن مسار النفط"، موضحًا أن "هناك جهودًا متزايدة لدى العديد من الدول لاستغلال طاقة الرياح والطاقة الشمسية، سواء للبحث عن مصادر نظيفة أو لسد فجوات إمدادات النفط"، إلا أنه اعتبر أن "هذه الجهود لا تزال محدودة مقارنة بالاعتماد الكبير على البترول"، مشبهًا ذلك بالتحول من السيارات التقليدية إلى الكهربائية، وهو تحول مهم لكنه لا يزال بعيدًا عن التطبيق الكامل على أرض الواقع.

وأكد حتيته أن "الدول الكبرى، رغم ما يبدو من تنافس بينها، تتعاون ضمنيًا في ملف الطاقة، نظرًا لأهميته الإستراتيجية"، لافتًا إلى أن "دولًا مثل الصين قد تعيد ترتيب مصادرها للحصول على بدائل للنفط الإيراني، سواء عبر روسيا أو حتى من الولايات المتحدة".

ورأى أن "أمن الطاقة يمثل أولوية مشتركة للقوى الكبرى، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى صراع مباشر بين الدول المنتجة، خاصة في ظل اعتماد العديد من دول الشرق الأوسط، بما فيها إيران، على دعم أو توازنات تفرضها هذه القوى".
بكين بشأن الحصار الأمريكي لمضيق هرمز: خطوة خطيرة وغير مسؤولة

تصعيد ميداني

من جهته، يرى الخبير والكاتب الاقتصادي اللبناني علي نور الدين، أن "الدوافع الحقيقية للصراعات الحالية لا تتمحور حول النفط والطاقة بحد ذاتهما، بقدر ما تُستخدم هذه الموارد كأداة ضمن الصراع".

وأكد نور الدين، في تصريح خاص لـ"سبوتنيك"، أن "المحرك الأساسي للأزمة الراهنة يتمثل في الملف النووي الإيراني، إضافة إلى الموقع الإقليمي لإيران وشبكة حلفائها في المنطقة، وهي ملفات أساسية مطروحة على طاولة التفاوض".

وأشار نور الدين إلى أن "مصادر الطاقة تحوّلت إلى وسيلة ضغط متبادلة بين الأطراف"، موضحًا أن "إيران اعتمدت إستراتيجية التصعيد الأفقي، من خلال توسيع نطاق النزاع ليشمل عرقلة سلاسة توريد الطاقة في المنطقة، بما في ذلك التلويح بإقفال مضيق هرمز. وفي المقابل، اتخذت الإدارة الأمريكية، خلال فترة الرئيس دونالد ترامب، إجراءات مضادة، تمثلت في فرض حصار بحري على إيران ومنعها من تصدير النفط الخام".
ميرتس لنتنياهو: ألمانيا مستعدة للمساهمة في "ضمان" حرية الملاحة بمضيق هرمز
وبحسب نور الدين، أصبحت سلاسة توريد الطاقة أداة ضغط فعّالة بيد الطرفين، حيث تسعى إيران إلى الضغط على الإدارة الأمريكية عبر التأثير على أسعار الطاقة، في حين يدرك ترامب أن فرض القيود على صادرات النفط الإيراني يساهم في تقويض مصادر تمويل النظام الإيراني.

واعتبر أن "جوهر الصراع في المرحلة الحالية، خصوصًا في ترتيبات ما بعد الحرب، يتمحور حول إدارة سلاسل توريد الطاقة وكيفية التحكم بها، وهو ما يفسر التنافس الحاد على إدارة الملاحة في مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية".

كما لفت إلى أن "جزءًا من النزاع يرتبط بمستقبل قطاع النفط والغاز داخل إيران نفسها"، موضحًا أنه "خلال جولات التفاوض، لا سيما الجولة السابعة، جرى نقاش حول رفع العقوبات وتدفقات الاستثمارات المحتملة إلى إيران، بما في ذلك حصة الولايات المتحدة من هذه الاستثمارات".
الرئيس الإيراني: التهديدات الأمريكية في مضيق هرمز ستؤثر سلبا على التجارة العالمية
ورأى الخبير والكاتب الاقتصادي اللبناني أن "هذا التوجه يخدم مصلحة إيران أيضًا، إذ تسعى إلى ربط الولايات المتحدة بمصالح اقتصادية داخلها، بما يضمن استدامة أي اتفاق ويحد من احتمالات العودة إلى فرض العقوبات. وفي المقابل، تحقق واشنطن موطئ قدم داخل قطاع النفط والغاز الإيراني".

وفيما يتعلق بتأثير الصراع على التحول نحو الطاقة المتجددة، يرى نور الدين أن "هذه التوترات ستحدد بشكل كبير قيمة وأهمية هذا التحول، إذ تساهم الطاقة المتجددة في تقليل انكشاف الدول على مخاطر سلاسل التوريد والنزاعات الجيوسياسية، ما يمنح الدول التي تتبناها ميزة اقتصادية وإستراتيجية متقدمة".

وأضاف أن "الاتحاد الأوروبي يتجه بشكل أكبر نحو الطاقة المتجددة نظرًا لافتقاره إلى موارد الطاقة الأحفورية، في حين تميل الولايات المتحدة، خاصة في ظل سياسات إدارة ترامب، إلى تعزيز الاستثمار في النفط الصخري وتوسيع قاعدة الإنتاج، باعتبار ذلك أداة سيادية".
الدفاع الإيرانية: ترامب سيفشل في أي محاولة للتدخل عسكريا في مضيق هرمز
وأشار الخبير والكاتب الاقتصادي اللبناني إلى أن "ارتفاع أسعار النفط الخام سيزيد من الجدوى الاقتصادية لمشاريع الطاقة المتجددة، ما يدفع نحو تسريع الانتقال إليها عالميًا".

أما بشأن السيناريوهات المحتملة، فيشير نور الدين إلى أن "نهاية النزاع قد ترتبط بتسوية تقوم على مبدأ فك الحصار عن الموانئ الإيرانية مقابل إعادة فتح مضيق هرمز، وهو ما قد يخرج هذا الملف من دائرة التصعيد ويفتح الباب للتفاوض على بقية القضايا، بما فيها سلاسل التوريد".

وأكد أن "جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك القوى الإقليمية والدول العربية ودول الخليج، إلى جانب الصين والولايات المتحدة وإيران، لديها مصلحة مشتركة في التوصل إلى حل، غير أن التساؤل الأهم يظل متعلقًا بطبيعة هذه الترتيبات، كيف سيتم تنظيم إدارة المضيق؟ وعلى حساب من؟ وهي الأسئلة التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة، رغم وجود قناعة عامة بضرورة إنهاء هذا النزاع في المستقبل القريب".
مناقشة