عقب قيام دولة إسرائيل عام 1948، شارك لبنان في الحرب العربية – الإسرائيلية، إلا أن حدوده مع إسرائيل بقيت هادئة نسبيا لسنوات. لكن هذا الوضع لم يبق كما هو عليه مع ترسيخ منظمة التحرير الفلسطينية وجودها في جنوبي لبنان، حيث انطلقت عمليات عسكرية ضد إسرائيل من الأراضي اللبنانية.
وخلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990)، تدخلت إسرائيل عسكريا، وقدمت دعما لبعض الفصائل، وسعت إلى تقليص نفوذ منظمة التحرير الفلسطينية وإخراجها من لبنان.
وفي عام 1982، شنت إسرائيل عملية عسكرية واسعة وصلت خلالها قواتها إلى بيروت، ما أدى إلى خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان. وفي أعقاب ذلك، أنشأت إسرائيل ما عُرف بـ"المنطقة الأمنية" في جنوبي البلاد.
وفي ظل احتلال إسرائيل لجنوبي لبنان والتأثيرات الإقليمية، تأسس "حزب الله" عام 1982، وخاض حرب استنزاف ضد القوات الإسرائيلية.
وفي عام 2000 انسحبت إسرائيل من جنوبي لبنان، إلا أن التوترات استمرت، خصوصا في منطقة مزارع شبعا المتنازع عليها.
في يوليو/تموز 2006، اندلع نزاع واسع بعد أسر "حزب الله" جنودا إسرائيليين، واستمرت الحرب نحو شهر، مخلفة خسائر بشرية ومادية كبيرة على الجانبين.
وشهدت مرحلة ما بعد عام 2006، انخفاضا نسبيا في حدة المواجهات، مع استمرار المناوشات المتقطعة والتوترات المرتبطة بالتطورات الإقليمية وتعاظم قدرات حزب الله العسكرية.
ومع اندلاع حرب غزة في خريف 2023، تصاعدت المواجهات على الجبهة اللبنانية. وفي عام 2024، شهد الصراع تطورا خطيرا مع تكثيف الضربات الإسرائيلية، بما في ذلك استهداف مواقع في الضاحية الجنوبية لبيروت، وسقوط قيادات بارزة من حزب الله، من بينهم أمينه العام حسن نصر الله. ورد الحزب بقصف مكثف على شمالي إسرائيل.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2024، نفذت إسرائيل عملية برية محدودة في جنوب لبنان، قبل أن يتم التوصل إلى وقف إطلاق نار بوساطة أمريكية – فرنسية في نوفمبر/تشرين الثاني. ومع ذلك، استمرت الاشتباكات المتفرقة خلال عامي 2025 و2026.
وفي مارس/آذار 2026، شهدت المنطقة تصعيدا إضافيا عقب اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، ما أدى إلى انخراط حزب الله بشكل مباشر في المواجهة إلى جانب إيران، في سياق صراع أوسع مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
ولا تزال الأوضاع متوترة، مع استمرار العمليات العسكرية والغارات الجوية، ومحاولات إسرائيل إنشاء منطقة عازلة في جنوب لبنان.
مسار المفاوضات
تُعد المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل محدودة للغاية، نظرا لغياب العلاقات الدبلوماسية الرسمية. وغالبا ما تتم الاتصالات عبر وسطاء دوليين، مثل الأمم المتحدة والولايات المتحدة وفرنسا.
ومن أبرز المحطات: اتفاقية الهدنة عام 1949، قرار مجلس الأمن رقم 1701 بعد حرب 2006، مفاوضات ترسيم الحدود البحرية (2020–2022).
مؤخرا، شهدت واشنطن أول لقاء بين السفيرين اللبناني والإسرائيلي منذ ثلاثة عقود، برعاية أمريكية، حيث تم الإعلان عن نوايا لإطلاق مسار تفاوضي شامل. كما أُعلن عن محادثات مرتقبة بين قيادات من الطرفين.
في المقابل، أثارت هذه التحركات جدلا واسعا داخل لبنان، حيث اعتبرها البعض خطوة نحو السلام، بينما رآها آخرون مخالفة دستورية وتنازلا سياسيا قد يؤدي إلى اضطرابات داخلية.
ويبقى الصراع الإسرائيلي – اللبناني معقدا ومفتوحا على احتمالات متعددة، بين مساعي التهدئة والتسوية من جهة، ومخاطر التصعيد والانزلاق إلى مواجهات أوسع من جهة أخرى، في ظل تشابك العوامل المحلية والإقليمية.