الموسيقى أثناء الدراسة... عادة مفيدة أم مصدر إلهاء؟

© Photo / /unsplash/C Jyun
تابعنا عبر
تشير دراسة جديدة إلى أن الموسيقى الخلفية أثناء الدراسة ليست ببساطة "جيدة" أو "سيئة". فبالنسبة لبعض الطلاب، قد تُساعد الموسيقى على التركيز والتحفيز والتحكم في المشاعر. أما بالنسبة لآخرين، وخاصةً أثناء قراءة النصوص الصعبة، فقد تُصبح مصدر إلهاء حقيقي.
لطالما دار جدل بين الطلاب: هل ينبغي الدراسة في صمت، أم من الأفضل تشغيل الموسيقى والتركيز التام؟ تُضيف دراسة جديدة استعرضها موقع "ساينتيفيك روسيا" إجابة أكثر دقة: فالموسيقى قد تُساعد بعض الطلاب، ولكنها قد تُعيق القراءة أيضًا، ويبدو أن هذا الاختلاف يعتمد بشكل كبير على المُستمع، ونوع المهمة، ونوع الموسيقى المُشغّلة.
أُجري البحث من قِبل ليندسي كوك، وكريغ سبيلمان، وروس هوليت من جامعة إديث كوان في أستراليا، ونُشر في مجلة "علم نفس الموسيقى" تحت عنوان "الموسيقى كمُشتت أثناء القراءة: عادات الاستماع إلى الموسيقى لدى طلاب الجامعات".
تناولت الدراسة كيفية استخدام طلاب الجامعات للموسيقى أثناء القراءة للدراسة، وأسباب استخدامها، وما إذا كانت سمات شخصية مثل الذاكرة العاملة، وشرود الذهن، والتفاعل العاطفي مع الموسيقى، تُفسر من يستفيد منها ومن يتجنبها.
ووجدت الدراسة أن الطلاب الذين استمعوا إلى الموسيقى أثناء الدراسة، اعتقد جميعهم تقريبًا أنها تُساعدهم. وأنهم يستخدمون الموسيقى عادةً لتعزيز التركيز، وحجب الضوضاء الخارجية، وزيادة الدافعية، وجعل الدراسة أكثر متعة. أما الطلاب الذين تجنبوا الموسيقى، فغالبًا ما فعلوا ذلك لأنهم شعروا أنها تُشتت انتباههم. بمعنى آخر، استخدمت إحدى المجموعات الموسيقى للحد من التشتت، بينما رأت مجموعة أخرى أن الموسيقى نفسها هي مصدر التشتيت.
20 أغسطس 2025, 13:16 GMT
هذا ما يجعل الدراسة ذات صلة وثيقة بحياة الطلاب المعاصرين. فالعديد منهم لا يدرسون في مكتبات هادئة تمامًا، بل في غرف مشتركة، أو منازل عائلية، أو مقاهٍ، أو مساكن طلابية، أو حافلات، أو أماكن عامة صاخبة. في هذه البيئات، قد تعمل الموسيقى كخلفية صوتية مضبوطة تخفي الضوضاء غير المتوقعة. ولكن عندما تتطلب مهمة الدراسة تركيزًا عميقًا، حتى الموسيقى الهادئة قد تتنافس مع موارد الانتباه المحدودة للدماغ.
ووجدت الدراسة أن الطلاب يغيرون اختياراتهم الموسيقية تبعًا للمهمة. فعند القراءة، يفضل الطلاب عمومًا الموسيقى الهادئة الخالية من الكلمات. 22% فقط اختاروا موسيقى بكلمات أثناء القراءة، بينما اختار 64% موسيقى بكلمات أثناء المهام الأسهل. يشير هذا إلى أن العديد من الطلاب يدركون بالفطرة أن الكلمات قد تعيق القراءة.
والسبب بسيط: القراءة مهمة لغوية. عندما يقرأ الطالب كتابًا دراسيًا أو مقالًا أو بحثًا أكاديميًا، يحاول دماغه معالجة الكلمات المكتوبة ومعانيها وقواعدها وبنية حججها. وإذا احتوت الموسيقى المصاحبة على كلمات أيضًا، فقد يتلقى الدماغ سيلًا من اللغة في آنٍ واحد: النص المكتوب وكلمات الأغنية، مما قد يُسبب تداخلًا بينهما.
علميًا، يتوافق هذا مع فكرة أن التشتت يزداد احتماله عندما يتطلب كلٌ من الصوت المصاحب والمهمة الرئيسية معالجة ذهنية متشابهة. فكلٌ من قراءة كلمات ذات معنى والاستماع إليها ينطوي على اللغة والمعنى. ولذلك، غالبًا ما تكون الموسيقى الآلية أقل تشتيتًا للانتباه من الأغاني ذات الكلمات، خاصةً عند القراءة المعقدة. وتشير الدراسة إلى أن الكلمات ذات الحبكة الهادفة من المتوقع أن تُعيق القراءة لأن كلًا من النص والكلمات يتطلبان معالجة دلالية - أي معالجة المعنى.
مع ذلك، لا تُعد الموسيقى الآلية آمنة تمامًا. فقد يجذب اللحن المألوف الانتباه إذا بدأ المستمع في استحضاره ذهنيًا، أو توقع الجزء التالي منه، أو التفاعل معه عاطفيًا. وهذا يعني أن الموسيقى بدون كلمات يمكن أن تصبح مشتتة للانتباه إذا كانت مألوفة للغاية، أو مؤثرة عاطفياً أو معقدة أو مفاجئة.
كما كان للإيقاع أهمية بالغة. فقد وجدت الدراسة أن 54% من المستمعين يفضلون الموسيقى الهادئة أثناء القراءة، مقارنةً بـ 5% فقط ممن يفضلونها أثناء المهام البسيطة. في المقابل، كانت الموسيقى السريعة أكثر شيوعًا في الأنشطة الأسهل أو الأكثر تكرارًا.
يشير هذا إلى أن الطلاب قد يستخدمون الموسيقى لتنظيم حالتهم الذهنية. ففي القراءة، قد تساعد الموسيقى الهادئة على خلق تركيز هادئ. أما في المهام البسيطة أو المملة، فقد تساعد الموسيقى السريعة على الحفاظ على الطاقة ومنع الملل. وهذه نقطة جوهرية: ففائدة الموسيقى لا تعتمد فقط على الطالب، بل أيضًا على صعوبة المهمة.
فعلى سبيل المثال، قد يكون الاستماع إلى موسيقى حيوية أثناء تنظيم الملفات، أو نسخ الملاحظات، أو تنظيف المكتب، أو أداء تمارين بسيطة مفيدًا لأن هذه المهام لا تتطلب معالجة لغوية عميقة. لكن الموسيقى نفسها قد تصبح ضارة أثناء القراءة الأكاديمية المكثفة، أو التحليل القانوني، أو الاستدلال الرياضي، أو الحفظ.
كما كانت الموسيقى الكلاسيكية من أكثر الأنواع الموسيقية شيوعًا بين الطلاب الذين استمعوا أثناء القراءة، ومايهم علميًا ليس فقط التصنيف بل الخصائص الفعلية للموسيقى: الكلمات، والإيقاع، ومدى الألفة، والتأثير العاطفي، وإمكانية التنبؤ، ومدى أهميتها الشخصية للمستمع.
إحدى أهم نتائج الدراسة تتعلق بعامل الذاكرة العاملة، وهو مساحة العمل الذهنية قصيرة المدى في الدماغ. يساعد ذلك الشخص على الاحتفاظ بالمعلومات في ذهنه أثناء القيام بشيء ما، مثل تذكر بداية جملة أثناء قراءة نهايتها، أو حل مسألة خطوة بخطوة، أو مقارنة فكرتين في نص أكاديمي.
قاس الباحثون الذاكرة العاملة باستخدام مهمة "مدى العمليات"، حيث طُلب من المشاركين حل مسائل حسابية بسيطة مع تذكر الحروف بالترتيب. كان من المتوقع أن يكون الطلاب ذوو الذاكرة العاملة الأقوى أكثر قدرة على تجاهل الموسيقى الخلفية. لكن الدراسة لم تجد فرقًا ذا دلالة إحصائية في درجات الذاكرة العاملة بين الطلاب الذين استمعوا إلى الموسيقى أثناء الدراسة والذين تجنبوها.
وجدت الدراسة أيضًا أن بعض الطلاب يستخدمون الموسيقى لإدارة مشاعرهم والتوتر. في إجابات مفتوحة، وصف المشاركون الموسيقى كوسيلة لتهدئة أنفسهم، وتحسين مزاجهم، وتقليل التوتر والقلق، والتحكم في فرط التحفيز.
هذا جانبٌ بالغ الأهمية. فالدراسة ليست نشاطًا معرفيًا فحسب، بل هي أيضًا نشاطٌ عاطفي. غالبًا ما يقرأ الطلاب وهم متعبون، أو قلقون، أو يشعرون بالملل، أو تحت ضغط، أو محاطون بمشتتات. إذا كانت الموسيقى تُخفف التوتر بما يكفي لمساعدة الطالب على بدء الدراسة أو الاستمرار فيها، فقد تُقدم فائدة غير مباشرة، حتى لو لم تُحسّن الفهم بشكل مباشر.
تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها تُحوّل النقاش من القواعد البسيطة إلى التعلّم المُخصّص. فالطلاب ليسوا متطابقين، إذ تختلف بيئاتهم وعواطفهم وعاداتهم وعلاقاتهم بالموسيقى. وينطبق الأمر نفسه على المهام الدراسية: فقراءة ورقة علمية مُعقّدة تختلف عن تلخيص ملاحظات المحاضرة. كما يُذكّر البحث المُعلّمين وأولياء الأمور بضرورة توخّي الحذر عند تقديم نصائح عامة.




