"طنجة-تك"... جسر صيني يفرض "قواعد لعبة" جديدة للجنوب العالمي

© AP Photo / Adam Gray
تابعنا عبر
حصري
تسعى الصين عبر مشروعات عملاقة في المغرب إلى كسر "الحصار الجمركي" الأوروبي، في ظل سعي مغربي للتحول من "رصيف عبور" إلى منصة صناعية سيادية تفرض قواعدها الخاصة على "الجنوب العالمي".
بينما تنظر بروكسل بعين القلق إلى هذا الزخم، واصفة إياه بـ"التهديد الخطير" الذي قد يغرق أسواقها بمنتجات مدعومة حكوميا تحت غطاء "صُنع في المغرب"، كما نقلت "فاينانشال تايمز" عن مفوض التجارة الأوروبي ماروش شيفشوفيتش، يرى الخبراء الاقتصاديون في هذا الحراك "إعادة ترتيب شاملة لسلاسل القيمة العالمية".
ويرى الخبراء أن المغرب اليوم لا يقدم مجرد أرض للمصانع، بل يوفر "ملاذا جمركيا وقانونيا" يمنح بكين وصولا مزدوجا: سوقا أوروبية فاخرة عبر اتفاقيات الشراكة، وسوقا أفريقية واعدة تضم 1.4 مليار مستهلك.
ويرى الخبراء أن التغلغل الصيني الذي تجاوزت استثماراته 6 مليارات دولار، ونجاح الرباط في تحويل "الجغرافيا الوسيطة" إلى "قوة تفاوضية ضاربة" تجعل من طنجة جسراً للأمن الصناعي المشترك، هي بمثابة فتيل لأزمة تجارية قادمة تتمحور حول "هوية المنتج" وقواعد المنشأ في عالم ما بعد 2035.
كشف الخبير الاقتصادي المغربي، أمين سامي، عن أرقام ضخمة تتعلق بحجم التغلغل الصناعي الصيني في المملكة، مؤكدا أن الاستثمارات الصينية تجاوزت حاجز الـ 6 مليارات دولار، موزعة على مشاريع استراتيجية كبرى تضع المغرب في قلب التحول العالمي لصناعة التنقل والطاقة.
وأوضح سامي في حديثه مع "سبوتنيك" أن هذه الاستثمارات تتجسد في مشاريع ميدانية ذات قيمة مضافة عالية، من أبرزها استثمار مجموعة "Hailiang" بـ 450 مليون دولار لإنتاج قطع النحاس، وشركة "Shinzoom" بـ 490 مليون دولار، بالإضافة إلى شركة "BTR New Material" التي ضخت 300 مليون يورو لإنتاج مواد "الكاثود" لبطاريات الليثيوم، وهو المشروع المرتقب اكتماله في سبتمبر 2026 ليوفر أكثر من 2500 فرصة عمل. كما أشار إلى المشروع الضخم لشركة "Gotion High-Tech" لإنشاء (غيغافاكتوري) للبطاريات، واستثمار شركة "Sentury Tire" في صناعة الإطارات.
وأضاف الخبير الاقتصادي أن الصين لا تستثمر في المغرب "بمنطق الخيرية"، بل وفق رؤية استراتيجية "متعددة الطبقات" تهدف إلى تحقيق خمسة أهداف أساسية:
الربح المالي المباشر، حيث قفز التبادل التجاري بين البلدين إلى 9.04 مليار دولار في 2024، مع تحول المغرب من مجرد سوق إلى منصة تصديرية دولية.
تجاوز الرسوم الأوروبية
اعتبر سامي أن المغرب يمثل "بديلا قانونيا جاهزا" للصين للالتفاف على الرسوم الجمركية الحادة التي فرضها الاتحاد الأوروبي على السيارات الكهربائية صينية الصنع، مستفيدة من اتفاقية الشراكة التي تربط الرباط ببروكسل.
البوابة الأفريقية
وفق الخبير المغربي يرى الصينيون في المغرب "بوابة شرعية" للنفاذ إلى السوق الأفريقية الواعدة التي تضم 1.4 مليار مستهلك، وتعزيز نفوذهم داخل القارة السمراء.
أمان سلاسل التوريد
يشير سامي إلى أن المغرب انضم إلى نادي "دول التمايز" (مثل المكسيك وفيتنام وتركيا) التي تستثمر التوتر الاقتصادي بين واشنطن وبكين، مما دفع الصين لبناء قواعد إنتاجية خارج حدودها تحصينا لمستقبلها التجاري.
السردية الجيوسياسية ومبادرة الحزام والطريق
شدد الخبير على أن المغرب، الذي كان أول دولة مغاربية تنضم للمبادرة عام 2017، حيث يمثل نموذجا استراتيجيا ناجحا للصين أمام 53 دولة أفريقية عضو في المبادرة، نظرا لاستقراره السياسي وموقعه الجغرافي الفريد.
وأوضح سامي أن المعادلة الاقتصادية الحالية تخدم الأطراف الثلاثة (المغرب، الصين، وأوروبا) وفق رؤية "رابح-رابح":
ويرى أن المغرب نجح في انتزاع ريادة صناعة السيارات في أفريقيا عام 2024 بإنتاج 560 ألف وحدة، متجاوزا جنوب أفريقيا، وأن مشروع "طنجة تك" مصمم لاستيعاب 200 شركة صينية، وخلق 100 ألف فرصة عمل، مع توفير بيئة عيش لـ 300 ألف ساكن في مدينة ذكية متكاملة.
وفق المتحدث تستفيد الصين من المنصة المغربية للوصول إلى "ثلاث أسواق بتكلفة واحدة"، وهي السوق الأوروبية المحمية باتفاقيات الشراكة، والسوق الأفريقية الواعدة، والسوق المغربية الداخلية التي تشهد طفرة لافتة، حيث تصدرت شركة "BYD" الصينية المبيعات بنسبة نمو قياسية بلغت 264.5% في 2025.
أما أوروبا فيرى سامي أن الاتحاد الأوروبي يواجه مفارقة صعبة، فهو الشريك الأول للمغرب بصادرات تتجاوز 26 مليار يورو، وأي تصعيد جمركي ضد المنتجات القادمة من المغرب سيضر بمصالح شركات أوروبية كبرى مثل "رينو" و"ستيلانتيس.
منظومة صناعية خماسية المحاور
وفنّد أمين سامي الاعتقاد السائد بأن صناعات "طنجة تك" تقتصر على السيارات فقط، كاشفا عن خمسة محاور استراتيجية تشكل عماد هذه المدينة:
سلسلة توريد السيارات، وتتزعمها شركة "Hailiang" باستثمار 450 مليون دولار لإنتاج القطع النحاسية، وشركة "Shinzoom" بـ 490 مليون دولار.
وكذلك ثورة البطاريات الكهربائية، وهي القطاع الأسرع نموا، حيث تبرز شركة "BTR" باستثمار 300 مليون يورو لإنتاج "الكاثود"، والعملاق "Gotion High-Tech" بمصنع ضخم (غيغافاكتوري) في القنيطرة (المغربية) بقيمة 1.3 مليار دولار، بالإضافة إلى خطط شركة "CNGR" في الجرف الأصفر.
ولفت سامي إلى دخول شركة "Aeolon" الصينية، أحد أكبر مصنعي شفرات الرياح عالميا، باستثمار 140 مليون دولار سيخلق أكثر من 2000 وظيفة.
كما نوه إلى أن صناعة الإطارات ضمن هذه الرؤية من خلال اتفاقية مع شركة "Sentury Tire" لإنشاء مصنع للإطارات الشعاعية.
أرقام ودلالات
وشدد على أن حجم الاستثمارات الصينية التي تجاوزت 6 مليارات دولار ليست مجرد أرقام، بل هي "تحصين تجاري" للصين في ظل الصراع مع الغرب، ومكسب تاريخي للمغرب لترسيخ مكانته في مبادرة "الحزام والطريق" كبوابة شرعية وحيدة وآمنة نحو المستقبل الصناعي للقارة الأفريقية.
وشدد الخبير الاقتصادي المغربي على أن مدينة "طنجة-تك" لم تعد مجرد منطقة صناعية، بل تحولت إلى "مختبر جيوسياسي" يعيد تعريف العلاقة بين التنين الصيني، القارة السمراء، والاتحاد الأوروبي.
"الملاذ الجمركي" والعبور نحو السيادة الطاقية الأفريقية
يرى سامي أن الصين وجدت في المغرب "درعا جمركيا" استراتيجيا، فبينما يفرض الاتحاد الأوروبي رسوما عقابية تتجاوز 45% (35% رسوم إضافية زائد 10% أصلية) على السيارات الكهربائية الصينية، يوفر التصنيع فوق التراب المغربي "ممرا قانونيا آمنا" بموجب اتفاقية الشراكة مع بروكسل.
ولفت إلى أن المكسب يتجاوز أوروبا ليصل إلى أفريقيا، وأن المغرب يستعد لإطلاق أول مصنع ضخم للبطاريات الكهربائية (Gigafactory) في القارة عام 2026، مما يحول المملكة إلى "بنك الطاقة المتنقل" لأفريقيا، وأن هذا التوجه يمنح المنتجات الصينية هوية "صنع في المغرب" وهو ما يسهل قبولها في الأسواق الأفريقية الناشئة بعيدا عن الحواجز الذهنية أو القيود التجارية الصارمة.
قفزة "السيارات المغربية" نحو 2031
كشف سامي عن مؤشرات رقمية تعكس الطفرة الصناعية للمملكة، حيث بلغت قيمة صادرات قطاع السيارات 4.29 مليار دولار في 2025، مع توقعات بمضاعفة هذا الرقم ليصل إلى 8.45 مليار دولار بحلول عام 2031، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 12.15%.
واستشهد سامي بنموذج "رونو طنجة" الذي يصدر 90% من إنتاجه بنسبة توطين محلي تجاوزت 65%، مشيرا إلى أن طموح الرباط يتمثل في جعل السيارات الكهربائية تشكل 60% من إجمالي الصادرات بحلول 2030، تمهيدا للتحول الكامل وإنهاء مبيعات محركات الاحتراق الداخلي عام 2035.
فتيل الأزمة التجارية القادمة
كما حذر أمين سامي من أن "الاشتباك الجمركي" القادم سيتمحور حول مفهوم "التحول الجوهري". وسلط الضوء على واقعتين تجاريتين تشكلان سابقة قانونية:
ملف ألياف الزجاج (2022): حيث فرضت المفوضية الأوروبية رسوم مكافحة إغراق على شركات صينية تعمل من المغرب.
أزمة عجلات الألومنيوم (2025): حيث فرضت بروكسل رسوما تعويضية وصلت إلى 31.45% على شركات مثل "Dika Morocco"، بذريعة أن الدعم الحكومي المغربي والصيني المشترك يشوه المنافسة العادلة.
وأوضح سامي أن المعضلة تكمن في "هوية المنتج"، فإذا كانت البطارية تمثل 40% من تكلفة السيارة، وصُنعت في طنجة بتمويل وتقنية ومواد خام صينية، فإن إثبات "مغربيتها" الصرفة يظل تحديا قانونيا أمام المفوضية الأوروبية التي تسعى لتقليص النفوذ الصيني تحت غطاء "الدفاع التجاري".
ويرى أن نموذج طنجة يمثل "الموجة الجديدة" للصناعة العالمية عام 2035، حيث ينجح "الجنوب العالمي" في تحويل موقعه الجغرافي الوسيط إلى "قوة تفاوضية ضاربة"، وأن المغرب اليوم لا يقدم مجرد أرض للمصانع، بل يقدم منصة "محايدة استراتيجيا" تفرض على الكبار (الصين وأوروبا) إعادة صياغة تحالفاتهم وفق شروط الرباط.
إعادة ترتيب
من ناحيته أكد الخبير الاقتصادي المغربي، عبد العزيز كوكاس، أن الحراك الصناعي الذي تشهده مدينة طنجة حاليا يتجاوز مجرد انتقال استثمارات صينية نحو المغرب، واصفا إياه بـ "إعادة ترتيب شاملة لسلاسل القيمة العالمية.
وأضاف في حديثه مع "سبوتنيك"، أن التموقع الصيني الجديد في المغرب يهدف إلى خلق جسر لوجيستي وتنظيمي يربط بين أوروبا وأفريقيا، ويوفر لبكين منفذا استراتيجيا لتجاوز التعقيدات الجمركية الأوروبية.
وشدد كوكاس على أن الرهان المغربي في هذا المسار يجب أن يتمحور حول تحقيق "مكسب سيادي"، من خلال تحويل الوجود الصيني إلى منصة لنقل التكنولوجيا، ورفع نسب الإدماج المحلي، وتطوير منظومة متكاملة لصناعة السيارات الكهربائية والبطاريات، بما يضمن خلق قيمة مضافة حقيقية فوق التراب الوطني بدلا من الاكتفاء بدور "الرصيف العابر.
وفيما يخص المخاوف الأوروبية من "الإغراق التجاري"، دعا كوكاس بروكسل إلى التمييز بين المنتجات الصينية العابرة والمنتجات التي تحمل علامة "صُنع في المغرب" وفق قواعد منشأ دقيقة وشفافة.
وأشار إلى أن مشروع "مدينة محمد السادس طنجة-تك" يمثل جوهر التحول المغربي من بلد لتركيب السيارات إلى منصة عالمية للطاقة والتنقل الجديد، مؤكدا أن النجاح يكمن في تحويل هذا الوجود إلى "جسر للأمن الصناعي المشترك" بين القارات الثلاث.


