محللون: التفاهمات الدولية تعزز فرص التسوية في ليبيا والاستقرار مرهون بالتوافق الوطني

© Sputnik . MAHER ALSHAERY
تابعنا عبر
حصري
تشهد الساحة الدولية تحولات متسارعة في طبيعة العلاقات بين الدول الكبرى والقوى الإقليمية، تتراوح بين التنافس والتعاون وفقًا للمصالح والاعتبارات السياسية والاقتصادية والأمنية. وتنعكس هذه التحولات على عدد من الملفات الدولية، من بينها الملف الليبي الذي ظل لسنوات محل اهتمام وتدخل من أطراف خارجية متعددة.
وبين التقاربات التي تفتح المجال أمام تنسيق أكبر بشأن بعض القضايا، والخلافات التي قد تعرقل جهود التوافق، يبقى المشهد السياسي الليبي مرتبطًا بدرجة ما بمسار التفاعلات الدولية، وما تفرزه من مواقف ومبادرات قد تؤثر على فرص الحل والاستقرار في البلاد.
وفي السياق، يقول المحلل السياسي الليبي، جمال شلوف، في حديث لـ"سبوتنيك": "مسألة الشرعية الدولية أصبحت عاملًا مؤثرًا في استمرارية الحكومات المتعاقبة غربي البلاد منذ توقيع الاتفاق السياسي بالصخيرات عام 2015 وتشكيل حكومة الوفاق الوطني مطلع عام 2016".
وأضاف شلوف: "مصطلح "الحكومة المعترف بها دوليًا" برز خلال تلك المرحلة بوصفه عنوانًَا لسلطة تستند إلى دعم المجتمع الدولي أكثر من استنادها إلى الأجسام التشريعية المحلية"، مشيرًا إلى أن "احتكار هذه الحكومة لإيرادات الدولة والنفط جاء في إطار ترتيبات دولية ساهمت في تعزيز بقائها واستمرارها".
وتابع: "هذا الواقع جعل الحفاظ على الدعم الخارجي وتحقيق مصالح القوى الدولية المؤثرة عاملًا أساسيًا في استمرار الحكومات المتعاقبة"، معتبرًا أن "الأمر لم يتغير كثيرًا بعد سحب مجلس النواب الثقة من حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، إذ واصلت الحكومة الاعتماد على الاعتراف الدولي كركيزة رئيسية لبقائها السياسي".
وأشار شلوف إلى أن "الكثير من القرارات السياسية والاقتصادية في ليبيا باتت مرتبطة بحجم التوافق أو التباين بين مصالح الدول المنخرطة في الملف الليبي، وهو ما يفسر بحسب قوله تركيز المبعوثين الأمميين على تقريب وجهات النظر بين الأطراف الدولية الفاعلة قبل الدفع نحو تسويات داخلية بين الفرقاء الليبيين".
ولفت إلى أن "مؤتمر برلين شكّل أنموذجًا لهذا التوجه، حيث استهدف أولًا بناء تفاهمات بين القوى الخارجية المؤثرة قبل الانتقال إلى مسارات الحوار الليبي، انطلاقًا من قناعة بأن أي تفاهم داخلي سيظل هشًا ما لم يسبقه توافق دولي داعم له".
ورأى شلوف أن "التحولات الدولية المتسارعة، إلى جانب المتغيرات المرتبطة بأسواق الطاقة العالمية، أعادت إبراز الأهمية الجيوسياسية لليبيا باعتبارها دولة تمتلك مقومات استثمارية مهمة في قطاعي الطاقة التقليدية والمتجددة"، ورأى أن "هذه المعطيات قد تدفع القوى الدولية إلى ممارسة ضغوط متزايدة من أجل تعزيز الاستقرارين الأمني والمالي في البلاد"، مشيرًا إلى أن "الإدارة الأمريكية تسعى حاليًا إلى الدفع في هذا الاتجاه".
وتساءل المحلل السياسي الليبي حول "مدى استمرار ارتباط الاستقرار الليبي بحسابات واعتبارات خارجية"، معتبرًا أن "تحقيق استقرار مستدام يظل مرهونًا بترسيخ شرعية تنبع من التوافق الوطني والمؤسسات المحلية، بعيدًا عن الاعتماد الحصري على الاعتراف الدولي".
خلاف وتقارب
من جانبه، أعرب المحلل السياسي الليبي معتصم الشاعري عن أمله في أن "تنعكس الخلافات والتقاربات الدولية المرتبطة بتطورات المشهد السياسي الليبي بشكل إيجابي على مسار الأزمة، لا أن تتحول إلى عامل إضافي لتعقيدها"، مؤكدًا أن "المطلوب هو توجيه هذه التحركات نحو دعم جهود توحيد المؤسسات وتقريب وجهات النظر بين الأطراف السياسية المحلية".
ويرى الشاعري في حديثه لـ "سبوتنيك"، أن "الولايات المتحدة الأمريكية، في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، باتت أكثر انخراطًا في الملف الليبي"، مشيرًا إلى أن "اهتمام الإدارة الأمريكية ومستشاريها بشؤون الشرق الأوسط يعكس توجهاً نحو متابعة التطورات الليبية بصورة أكبر، وهو ما قد يسهم في دفع المسار السياسي خلال المرحلة المقبلة".
وأضاف: "أي تفاهمات دولية حقيقية من شأنها تسريع الوصول إلى تسوية سياسية شاملة، عبر التوافق على تشكيل حكومة موحدة تتولى الإشراف على الانتخابات البرلمانية والرئاسية وإنجازها، إلى جانب معالجة النقاط الخلافية العالقة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة".
وأكد أن "التفاهمات التي شهدتها بعض مواقف القوى الدولية جاءت، إلى حد كبير، نتيجة ضغوط وتحركات أمريكية"، لافتًا إلى أن "أغلبية الدول المنخرطة في الملف الليبي تمتلك مصالح سياسية واقتصادية وأمنية تسعى إلى حمايتها داخل البلاد".
وأوضح الشاعري أن "التنافس الدولي يحمل في طياته جانبين، أحدهما إيجابي والآخر سلبي. فإذا كان هدف هذا التنافس دعم الاستقرار وإنهاء حالة الانقسام السياسي وتقريب وجهات النظر بين الفرقاء الليبيين وتحقيق مصلحة الشعب الليبي، فإنه قد يسهم في إيجاد حلول للأزمة. أما إذا كان مدفوعًا بحسابات متعارضة ومصالح متضاربة تؤدي إلى تعقيد المشهد، فإنه سيطيل أمد الأزمة ويجعل الوصول إلى تسوية أكثر صعوبة".
كما شدد على أن "المتغيرات والتحولات الدولية الراهنة قد تدفع الأطراف السياسية الليبية إلى الجلوس على طاولة حوار واحدة، من أجل التفاوض والتوصل إلى حل نهائي للأزمة، يشمل الجوانب السياسية والأمنية والاقتصادية، إضافة إلى ملف المصالحة الوطنية"، مؤكدًا أن "الأطراف الليبية لا تملك خيارًا سوى الحوار والتوافق لإنهاء الخلافات القائمة لأن استمرار الصراع لن يفضي إلى حلول حقيقية، بل سيؤدي لمزيد من الخسائر ويعمّق معاناة الليبيين ويؤخر فرص الاستقرار والتنمية".




